عدّلت المديرية العامة للأمن العام في بداية العام 2015 شروط إقامة السوريين في لبنان تنفيذاً لسياسة "تقليص الأعداد" التي أقرّها مجلس الوزراء. فعلياً، لم تؤدّ هذه السياسة إلى "تقليص الأعداد" بل، بالدرجة الأولى، إلى تجريد نسبة تفوق 70 في المئة من السوريّين من أوراق إقامةٍ رسميّةٍ. فأصبحوا "غير مرئيّين" من السلطات اللبنانيّة، وفقدوا العديد من حقوقهم.

في ظل غياب خطة متكاملة لإدارة اللجوء من سوريا، لماذا تستمر الدولة بتنفيذ سياسة لا تحقق أهدافها المعلنة، وتلحق ضرراً بالمصلحة العامّة للبلاد وبحقوق اللاجئين السوريّين؟

شروط الإقامة لا تراعي واقع اللجوء الإضطراريّ
لم يكتف القرار الصادر عن الأمن العام في بداية العام 2015 بوقف اللجوء عند الحدود كما جاء في "سياسة النزوح السوريّ" التي اعتمدها مجلس الوزراء في 24/10/2014، بل عدّل شروط منح الإقامات للسوريّين الموجودين في البلاد قبل العام 2015. وقد فرض هذا القرار قيوداً قاسية ومكلفة لتجديد سندات الإقامة من دون أيّ مراعاةٍ لخصوصية اللاجئين منهم بشكلٍ اضطراريّ. فوقع ضحيتها السوريون غير القادرين على العودة إلى سوريا أو على مغادرة لبنان إلى بلدٍ آخر. وعليه، لم يؤد هذا القرار إلى تقليص أعداد السوريين الموجودين في لبنان فعلياً، بل فقط إلى تقليص عدد الحائزين على إقامةٍ رسميّةٍ في محاولةٍ لتشجيعهم على مغادرة لبنان والإلتفاف على مبدأ عدم جواز الترحيل الذي يلتزم به لبنان.

ويشير هذا القرار وكيفية تطبيقه إلى رفض منح الإقامات للسوريّين الأكثر حاجة للحماية القانونيّة، وحصرها بالذين ترى فيهم الدولة منفعةً اقتصاديّةً ما، كأصحاب رأس المال واليد العاملة في قطاعَي الزراعة والبناء. فبعدما اعتمد لبنان لغاية العام 2014 سياسة دخول وإقامة لا تميّز بين اللاجئ وغير اللاجئ من سوريا، جاءت السياسة الجديدة بعد العام 2015 للتمييز بينهما، لكن مع تجريد اللاجئ من الحماية المتمثلة بالإقامة الرسمية بدلاً من ضمانها.

وبالفعل، تمكّن الميسورون من السوريّين من الحصول على إقاماتٍ مؤقتة (بناءً على امتلاكهم عقارات أو عقود إيجار في لبنان واثباتهم تأمين معيشتهم) إلى جانب الطلاب وأولاد اللبنانيات وأزواجهنّ، بينما لم يتمكّن غيرهم من الحصول على إقامةٍ إلا بناءً على "تعهّدٍ بالمسؤولية" من قبل كفيل. وبالتالي، أصبح بقاء المواطن السوريّ في لبنان مرهوناً بإرادة شخصٍ لبنانيّ. فأدخلت هذه التعليمات ممارسة الكفالة المعتمدة (خارج أي نص قانوني) في مسائل تنظيم العمالة الأجنبية وخطر الإستغلال المرتبط بها الى تنظيم إقامات السوريين، حتى في الحالات التي تتوفر فيها علاقات القرابة والصداقة. أما إمكانية الحصول على إقامة بناءً على صفة اللجوء (ما تسميه الدولة صفة "نازح" في محاولة منها لإنكار واقع اللجوء الإضطراريّ)، فقد تمّ تعطيلها عملياً نتيجة فرض الدولة عليهم ضرورة إثبات كيفية تأمينهم لمعيشتهم أو تأمين كفيل. بالإضافة الى ذلك، ساهمت الضبابيّة والإعتباطيّة في كيفية تطبيق الشروط الجديدة وغياب التناسق بين ممارسات مراكز الأمن العام المختلفة إلى تعقيد إجراءات الحصول على الإقامة. كما شكلت تكلفة الإقامة والمستندات اللازمة عائقاً امام تجديدها، علماً أن 70 في المئة من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر. وقد تم توثيق هذه الصعوبات من قبل العديد من المنظمات.

بالنتيجة، أصبحت شريحةٌ واسعةٌ من السوريّين مرغمةً على البقاء في لبنان من دون إقامةٍ رسمية. فتقدّر الأمم المتحدة أن نسبة العائلات السوريّة التي لا يحمل أيّ من أفرادها إقامةً رسميةً قد تجاوزت 70% في أيلول 2016. وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 90% في محافظات البقاع، بعلبك - الهرمل، وعكار، فيما تنخفض إلى ما يقارب 57% في محافظتي بيروت والشمال.

صناعة هشاشة السوريين: ضرر على حقوقهم وعلى مصلحة لبنان
بنتيجة ما تقدّم، وبضربة قلمٍ، تعيّن على مئات الآلاف من اللاجئين السوريّين العيش في لبنان خارج القانون وخارج حمايته، بحيث أصبح مجرد وجودهم على الأراضي اللبنانية سبباً للتوقيف والملاحقة. كما أصبحوا عرضةً للإستغلال من قبل جهاتٍ رسميّةٍ وغير رسميّة. فالحرمان من الإقامة يشكّل تحدياً قاسياً على الحياة اليوميّة وإمكانية الوصول إلى الحقوق الأساسيّة. ومن أبرز هذه التحديات، الحدّ من إمكانية التنقّل نتيجة الخوف من التوقيف، وما له من آثارٍ على إمكانيّة تأمين المعيشة وتعليم الأطفال واللجوء إلى الشرطة والقضاء. وبالفعل، أظهرت الدراسات إرتفاع عدد الأطفال المرغمين على العمل بدلاً من الإلتحاق بالمدارس لتأمين معيشة العائلات التي حرمت من الإقامات الرسميّة.

إن حرمان غالبية المواطنين السوريين من الإقامة النظامية يضعهم في موضع هشاشة ويعزلهم أيضاً في دوائر الإقتصاد غير الرسميّ، جنباً إلى جنب مع اللبنانيّين الأكثر تهميشاً. فيتزاحم الفقراء من الجنسيتين على فرص العمل الضئيلة. وهو أيضاً ما يفتح المجال أمام تعنيفهم وإستغلالهم من قبل أصحاب النفوذ، وفرض شروطٍ قاسيةٍ على العمل والسكن من دون أن يمتلكوا مساحةً للتفاوض واللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم. وقد وثّقت العديد من المنظّمات الآثار السلبية لذلك، لا سيما على تعليم الأطفال وحماية النساء وتأمين المعيشة.

ويظهر أن الضرر لا يقتصر على كرامة اللاجئين السوريّين وحقوقهم، بل أيضاً على الأوضاع الأمنية وعلى حسن سير عمل إدارات الدولة اللبنانيّة. فقد أصبح مئات الآلاف من الأشخاص "غير مرئيّين" من السلطات وفي سجلات الدولة وخارجين عن رقابتها، ولا إحصاء رسميّ وموّحد لأعداد السوريين ولأماكن سكنهم في لبنان. فهل من مصلحة الدولة اللبنانية أن يخرج عن رقابتها آلاف الأشخاص المرغمين على البقاء على أراضيها؟

إلى ذلك، يؤدي الحرمان من الإقامة إلى إضعاف ثقة اللاجئين السوريين بالأجهزة الأمنية اللبنانيّة وبقدرتها على حمياتهم، نظراً لخوفهم من التوقيف لمجرد كونهم لاجئين. فكيف لمن حُرم من الإقامة الرسمية أن يبلغ عن الجرائم التي يقع ضحيتها أو يشهدها طالما أن أيّ تفاعلٍ بينه وبين الأجهزة الأمنية سيؤدي حتماً إلى توقيفه؟ وبالمقابل، أدّى ارتفاع أعداد السوريين المرغمين على مخالفة شروط الإقامة إلى ازدياد الضغط على مؤسسات الدولة المعنية. فتكتظ مراكز الأمن العام بالسوريّين العالقة أوراقهم الثبوتية في البيروقراطيّة الإداريّة، وتكتظ نظارات الأمن الداخليّ والأمن العام بالسوريّين الموقوفين مؤقتاً لعدم حيازتهم على إقامة صالحة، كما يغرق القضاء بمحاكمات المخالفين. هذا الضغط الإضافيّ لم ينتج عن إرتفاع أعداد اللاجئين بل عن سياسة الدولة القاضية بإرغامهم على مخالفة أنظمة الإقامة الجديدة.

وعليه، تبدو هذه السياسة غير مبرّرة لا على الصعيد الإنسانيّ، ولا على الصعيد الأمنيّ، وأقرب إلى سياسة "صناعة الهشاشة" التي تتعمّد تجريد فئات من الناس من حقوقٍ أساسيّة رفضاً لوجودها أو رغبةً باستغلالها. فكيف تبرّر الدولة رسميّاً هذه السياسة؟

مبرّرات الدولة: بين مخاوف التوطين واستحالة العودة القريبة
جاء المبرّر الرسميّ الأول لهذه السياسة في موقف الدولة أمام القضاء في إطار الدعوى المقدّمة ضد تعليمات الأمن العام المتعلقة بشروط دخول السوريين وإقامتهم. فقد تقدّم في العام 2015 أحد اللاجئين السوريين بمؤازرةٍ من "المفكرة القانونية" وجمعية "روّاد فرونتيرز" بالطعن ضد هذه التعليمات أمام مجلس شورى الدولة. وقد استندت المراجعة على مخالفة التعليمات للقوانين اللبنانيّة والإتفاقيات الثنائيّة والدوليّة ومبادئ اللجوء الملزمة للبنان. وجاء اللجوء إلى القضاء هنا في محاولةٍ لعقلنة سياسات الدولة في ما يتعلق بإدارة اللجوء من سوريا، ولحثها على تقييم إجراءاتها وتجنّب التفلّت من الضوابط القانونيّة نتيجة المخاوف المرتبطة باللجوء.

وفي إطار هذه المراجعة، أدلت الدولة بأن هذه التعليمات الجديدة تهدف إلى وضع جميع السوريين تحت رقابة الدولة من أجل حماية مصلحة لبنان وحماية السوريين من الإستغلال. وبالطبع، جاء موقفها أمام القضاء منفصلاً تماماً عن الواقع، إذ من الواضح أن هذه التعليمات قد أدّت إلى النتيجة المعاكسة للأهداف المعلنة كما فصّلنا أعلاه. كما أن مقارنة هذه الحجج مع ممارسات سابقة تجاه اللاجئين من فلسطين والعراق والسودان وغيرها من الدول، تؤكد أن هذه السياسة تهدف في الحقيقة إلى رفض بقاء اللاجئين في لبنان. وهي تشكّل وسيلة ضغط على اللاجئين من جهة لإرغامهم على مغادرة لبنان، وعلى المجتمع الدوليّ من جهة أخرى لضمان مسؤوليته في تأمين الحلول الدائمة لهؤلاء على الأمد الطويل. وعليه، يتبيّن أن الإجماع السياسيّ في قضايا اللجوء يتفق على السلبيّات كرفض المخيمات والعمل والإقامات، ويؤدي عملياً إلى رفض وجود اللاجئين قانوناً رغم وجودهم الفعليّ.

إذاً، هذه السياسة لا تستند إلى مبرّراتٍ قانونيّةٍ أو سياسيّةٍ أو أمنيّةٍ أو إنسانيّةٍ، بل إلى مبرّراتٍ أيديولوجيّةٍ مرتبطةٍ برفض التوطين والمسّ بالتوازن الديمغرافيّ لمكوّنات المجتمع اللبنانيّ، أيّ الأيديولوجيا التي تفضّل حقوق الطوائف على حقوق الفرد، والتي تشكّل الحجّة الرسميّة لرفض حقّ المساواة للمرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لزوجها وأولادها. وفي موازاة ذلك، راج خطابٌ رسميّ يشدّد على ضرورة "عودة" اللاجئين إلى سوريا استباقاً لأيّ مؤشّراتٍ للحلّ السياسيّ في الأفق القريب. وقد تكلّل هذا الخطاب بإدراج بند "العودة السريعة" في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، وصولاً الى مطالبة وزير العمل بالإنتقال من مرحلة إدارة اللجوء في لبنان إلى مرحلة إدارة العودة إلى سوريا. ولعلّ أخطر ما يبرز في هذا الإطار هو رفض مبدأ العودة "الطوعيّة" من قبل البعض والتمسّك بمبدأ العودة "الآمنة"، ما يفاقم من خطورة أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان وخطورة فتح الباب أمام ترحيلهم قسراً إلى سوريا.

لكن هذه المطالب تصطدم بعدّة عوائق: تصطدم بدايةً باستحالة العودة القريبة، وبالمخاطر التي قد تنجم عن عودة (أو إعادة) أعداد كبيرة من السوريّين إلى سوريا قبل نضوج أيّ حلٍّ سياسيّ يضمن مشاركة جميع مكوّنات المجتمع السوريّ في الداخل وفي الشتات. فقد تنتج عن ذلك موجة لجوءٍ جديدة من سوريا. كما أنها تصطدم بموقف المجتمع الدوليّ، لا سيما الدول المانحة ومنظّمات الأمم المتحدة التي تطالب لبنان والأردن وتركيا باستيعاب اللاجئين في دول اللجوء الأوّل، نظراً لاستحالة العودة إلى سوريا حالياً. بالطبع، هي تهدف إلى قطع الطريق أمام وصول المزيد من اللاجئين إلى أوروبا والتخفيف من اعتمادهم على المساعدات الدولية الضئيلة عبر تشجيع الإكتفاء الذاتي. في هذا الصدد، يأتي توقيع لبنان في 15 تشرين الثاني 2016 على أولويات الشراكة الجديدة مع الإتحاد الأوروبيّ من مؤشرات التغيير المحتمل. فلبنان، وهو البلد الأوّل الذي يوقّع على هذا الإتفاق الجديد، يلتزم بتحسين أوضاع اللاجئين السوريّين في مقابل مضاعفة الدعم الإقتصاديّ والماليّ المخصّص له من قبل الإتحاد الأوروبيّ. وقد تعهّد لبنان من خلاله، كما فعل سابقاً في مؤتمر لندن، بتسهيل شروط الإقامة المؤقتة للسوريّين لحين توفّر ظروف العودة إلى سوريا. هل يشكل ذلك مؤشراً على تحسين إدارة الدولة للجوء من سوريا على نحوٍ يوازن بين ضمان إستقرار لبنان واحترام كرامة اللاجئين السوريين؟

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية