لا يزال إنقسام المحاكم مستمراً حول قابليّة القانون الجديد للإيجارات القديمة الصادر في العام 2014 للتطبيق، على خلفية إبطال المجلس الدستوريّ لبعض مواد القانون (وهي المواد المتّصلة باللجنة ذات الطابع القضائيّ المختصّة بتحديد بدل المثل والناظرة في إستفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق الخاص للإيجارات السكنيّة)، وفي ظل عدم إنشاء هذا الصندوق وإيجاد الأموال اللازمة له.

وفي هذا السياق، صدر مؤخراً حكمان قضائيّان لافتان:

  • الحكم الأول الصادر بتاريخ 10/10/2016 عن القاضية المنفردة المدنيّة الناظرة بقضايا الإيجارات في بيروت أميرة صبرا، بتطبيق القانون في ما يتّصل بدفع زيادة على بدلات الإيجار،
  • والحكم الثاني الصادر بتاريخ 27/10/2016، أيّ بعد أسبوعين فقط عن القاضية المنفردة المدنيّة الناظرة بقضايا الإيجارات أيضاً في بيروت إيمان عبدالله، وقد أفضى إلى نتيجة معاكسة تماماً
     

تشدّد إزاء المستأجر لإحترام المهل، في ظل إهمال السلطات
يُعتبر حكم الرئيسة صبرا الأول من نوعه. فهو عمد إلى تطبيق القانون الجديد في مسألة الزيادات على بدلات الإيجار، على مستأجرٍ رغم ثبوت أنه مخوّلٌ بالإستفادة من مساعدة الصندوق. وهو لافت لأنه وضع حدّاً للإجماع القضائيّ الحاصل قبلها لجهة الإمتناع عن تطبيق القانون في ما يتصل بزيادة البدلات، على الرغم من إنقسام القضاء حول إمكانية تطبيقه في قضايا إسترداد المأجور. وقد تمّ تبرير هذا الإجماع بأن المشرّع علّق دفع زيادة البدل على إستفادة المستأجر المستحقّ للمساعدة منها، فيما أن الحكومة لم تنشئ بعد الصندوق المخصّص لتقديم هذه المساعدة ولم تجد موارد لتمويله، وطالما أن المجلس الدستوريّ أبطل المواد المتصلة بإنشاء اللجنة المختصة بتحديد أحقيّة الإستفادة من المساعدة[1].

وللتذكير، تُحسب الزيادة على بدل الايجار وفق القانون الجديد على أساس بدل المثل المقدّر بنسبة 5% من قيمة المأجور. ويضع القانون الجديد في المادة 18 آليةً معقدّةً لتحديد قيمة المأجور، تمهيداً لإحتساب بدل المثل: ففي حال فشل المالك والمستأجر في الإتفاق عليه رضائياً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من نفاذ القانون، يحقّ للمالك أن يعيّن خبيرين لتخمينه، على أن يكون للمستأجر خلال شهرين من إبلاغه التخمين، إما الموافقة عليه أو تقديم تقريرٍ مقابلٍ منظّمٍ من خبيرين يستعين بهما. وعند الإختلاف بين التقريرين، جاز لكلّ من الفريقين أن يلجأ إلى لجنة أنشأها القانون لحسمه، وهي اللجنة التي أبطل المجلس الدستوريّ الأحكام الخاصة بها. فإذا تمّ ذلك، للمستأجر أن يطلب من اللجنة إعلان استفادته من مساعدة الصندوق في حال أثبت أن مداخيله تقلّ عن نسبةٍ معينة، على أن يعلّق تسديد البدل حتى حسم طلبه وتأمين المساعدة فعلياً.

واللافت أن الحكم عمد إلى تطبيق آلية تعيين بدل المثل المذكورة أعلاه، متخطياً تماماً العوائق التي كان القضاء قد استند إليها سابقاً لإستبعاد تطبيق القانون. وقد برّر الحكم ذلك بتقاعس المستأجر عن القيام ببعض الإجراءات ضمن المهل، رغم تسليمه بأحقيّته بالمطالبة بمساعدة من الصندوق. والإجراءات التي يترتّب على إهمالها سقوطُ حقّ الإعتراض هي أن المستأجر لم يعمد إلى تقديم تقرير مقابل خلال مهلة الشهرين القانونيّة المعطاة له بدءاً من تبلّغه تقرير الجهة المالكة، وأنه بأيّة حال لم يقدّم طلب المساعدة خلال مهلة شهرين من تاريخ تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً بالنسبة إلى السنة الممدّدة الأولى. وهي بذلك اعتبرت أن إحترام هذه المهل يبقى مستوجباً، رغم إنعدام اللجنة والصندوق وفق ما تمّ بيانه، بل رغم أن المستأجر أبرز إثباتات على أن مدخوله الشهريّ هو أقل من ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور. وتبعاً لذلك، آل الحكم إلى تحميل المستأجر مسؤولية التأخر في إتمام إجراءات ضمن مهلٍ معيّنة، على الرغم من حال الإرباك الشامل الحاصلة في تطبيق هذا القانون والحاصلة أيضاً بفعل تقاعس السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة عن القيام بواجباتهما في هذا الخصوص. فهل من حاجةٍ للتذكير بأن المشرّع لا يزال متقاعسا منذ أكثر من سنتين عن ترميم القانون بعد إبطال عدد من مواده، وعن توفير أموال للصندوق الذي لا تزال الحكومة متقاعسة عن إنشائه؟

وقد ذهب الحكم في تنفيذ القانون أبعد من أكثر المحاكم ميلاً لتجاوز ثغرات هذا القانون، ومنها محكمة إستئناف بيروت (غرفة الرئيس أيمن عويدات). ويتضح ذلك ممّا نقرؤه في الحيثيّة الواردة في بعض أحكام هذه الغرفة، ومفادها أنه: "وبسبب عدم إنشاء الصندوق (...) وتنظيمه من قبل السلطة التنفيذيّة في ظلّ الوضع الراهن وتعقيدات إنشاء هذا الصندوق وتمويله، لا يعود من مجال لإعمال وتنفيذ القرارات التي تصدر عن القاضي المنفرد المتعلقة بتحديد بدل مثل المأجور (...) للمستأجرين الذين يحق لهم طلب المساعدة (...) كون المادة 8 من القانون المشار إليه نصّت صراحةً على تعليق مهلة دفع الزيادة على بدل الإيجار الناتجة عن تنفيذ هذا القانون إلى حين نفاذ القرار بالموافقة على المساهمة أو بعدمها"[2].

وما يزيد الحكم قابليّةً للإنتقاد هو أنه تجاهل قرار المجلس الدستوريّ الذي استند من أجل ردّ الطعن بدستوريّة القانون[3] على إعتماد المشرّع مبدأ المساعدة لذوي المداخيل المحدودة. فبفعل هذه المساعدة، رأى المجلس أن القانون نجح في تحقيق توفيقٍ متوازنٍ ومقبول بين الحقّ بالملكيّة والحقّ بالسكن. أما وأن الحكم قد ذهب في النحو الذي تقدّم شرحه، فقد بدا وكأنه يضع القانون موضع التطبيق بعدما تمّ تجريده بفعل تقاعس السلطتين التشريعية والتنفذية ممّا كان فيه من آليات توازن.

والملاحظات المذكورة تنطبق فقط على المستأجرين من ذوي المداخيل المحدودة، بحيث أن تعليق القانون بخصوص الفئات الأخرى لا يجد هنا المبررات ذاتها في ظل عدم أحقيّة هؤلاء بمساعدة الصندوق.

ضمان المساعدة لذوي المداخيل المحدودة أولاً
الحكم الصادر عن القاضية عبدالله ذهب في إتجاهٍ معاكس. ففي قضيّةٍ مشابهة، طلبت الجهة المدّعية دفع الزيادات القانونية على بدلات الايجار وإبطال معاملة عرض وإيداع بدلات 2016 من قبل المستأجرة لعدم تضمّنها هذه الزيادة، على الرغم من تحديد بدل المثل من قبل الخبيرين أمام قضاء العجلة، وإبلاغ المدعى عليها التقرير وفق الأصول.

وقد ردّت الرئيسة ايمان عبدالله هذا الطلب معتبرةً أن "مساهمة الصندوق في حالة تطبيق الزيادات هي مساهمة رئيسيّة، إذ أن آلية تطبيق هذه الزيادات تكون معطّلة طالما لم يتمّ إنشاء هذا الصندوق وتنظيم الهيكلية القانونيّة له وفق الأصول، كون الغاية منه هي تأمين الحدّ الأدنى من التقديمات للمستأجرين ذوي الدخل المحدود الذين يستفيدون من تقديماته"، و"كون وجود الصندوق للمساهمة في دفع الزيادات القانونيّة المحدّدة بموجب هذا القانون هو شرطٌ أساسيّ لسريان هذه الزيادات بذمّة المستأجر، لما يشكّله من مساهمةٍ في تسديدها".

 

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية


[1] أنظر ميريم مهنا وحلا نجار، "الإيجارات القديمة في أحكام قضائيّة متناقضة"، المفكّرة القانونيّة، العدد 37.
[2] أساس رقم 187/2014. تاريخ الحكم 26-10-2015.
[3] بتاريخ 6 آب 2014، أصدر المجلس الدستوري قراراً بردّ الطعن الثاني المقدم إليه في غالبية مواد القانون، معلناً إبطال المادتين /7/ و/13/ والفقرة ب-4 من المادة /18/، المتعلقة كلها باللجنة المكلّفة بتحديد بدل المثل والناظرة في استفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق الخاص للإيجارات السكنية.