لعبت النقابات العمّالية في العراق دوراً مهماً في فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق. وبالرغم من الضغوطات التي تعرّضت لها ووصلت إلى حدّ تهديد أعضائها وقتلهم، فهي نجحت مع مكوّنات سياسية أخرى، في إسقاط مشروع قانون النفط. ومن أهم الأمور المحفّزة لحراك نقابات قطاع النفط، خشيتهم من أن يفقدوا المنافع الممنوحة لهم قانوناً بالإستفادة من حصة من الأرباح الناجمة عن مصافي النفط. ومن هنا، شكّل دفاعهم عن حقوقهم العمالية مدخلا للدفاع عن إحدى أهم المصالح الوطنية (حسن استثمار النفط).

 

الجزء الأوّل: معركة قانون النفط: النقابات العمّالية في المرصاد

 

في غضون ساعات من تسلّمه وزارة النفط في 20 أيّار/ مايو 2006، أعلن حسين الشهرستاني هدفا واضحا لولايته الوزارية: إقرار قانون للنفط. يعي المطلعون على الوضع العراقي معنى ذلك فعليا. فثمة مخاوف مشروعة من أن يؤدي القانون المنوي وضعه إلى إعطاء صلاحيات واسعة للشركات الأجنبية، عبر إبرام عقود استثمار للنفط العراقي بصيغة المشاركة في الإنتاج. لم يكن يعلم العراقيون في صيف 2006 أن مشروع  قانون للنفط يتحضر، فيما تحدث الشهرستاني بفترة لاحقة عن قانون إستثمارات جديد سيرسل إلى البرلمان دون أي تفاصيل. وقد بقي مشروع القانون هذا مخبأ لحين "تسريبه" بعد خمسة أشهر من الشكوك والتكهنات. إستفز هذا المشروع العديد من الجهات السياسية والمجتمعية والنقابية التي اعتبرت أن هكذا قانون يتطلب نقاشات مطوّلة، خاصة وأن إعطاء امتيازات للشركات الأجنبية ، كعقود طويلة الأمد، سيؤدي إلى نتائج هائلة (وسلبية) على العراق. وقد نجحت هذه الجهات في تطوير حراك مجتمعي ونقابي وقانوني حول هذا القانون، وتمكنت بالنتيجة من ردع إقرار قانون يهدد الشعب العراقي بسلب نفطه، وذلك بالرغم من الضغط السياسي المحلي والدولي. وقد شكل هذا الحراك من حيث زخمه حالة جديرة بالدراسة حول قدرة قوى اجتماعية من تشكيل حال ممانعة في ظروف إحتلال عسكري وسياسي. وهذا ما كتب عنه غريغ موتيت (Greg Muttit) مبررا نجاح هذه القوى في وقف هذا المشروع في مواجهة القوة العظمى (الولايات المتحدة الأميركية) التي كانت تعتبره أولوية، بأن "النفط" يشكل عامل توحيد للعراقيين بقدر ما يشكل عامل انقسام بين السياسيين.

 

"في النهاية، فإن حركة شعبية تقودها النقابات وخبراء النفط وانضمت إليها لاحقا الأحزاب السياسية والجماعات الدينية نجحت في وقف تمرير قانون النفط، حتى عندما قامت القوة العظمى الوحيدة في العالم بوضعه كأولوية قصوى وأرسلت قوات إضافية لفرض إرادتها على العراق ... النفط هي قضية توحيدية للشعب العراقي بقدر ما هي قضية خلافية بالنسبة لساسته".

 

 

المسائل الشائكة في مشروع القانون

 

إعتبر إقرار هذا القانون من أبرز مطالب الولايات المتحدة وبريطانيا، حتى أن المسودة الأولى للقانون قد عرضت على الأميركيين والبريطانيين وعلى شركات نفط أجنبية حتى قبل أن يتم عرضها على البرلمان العراقي أو على الرأي العام. وقد واصل موظفون أميريكيون (وصولا لرئيس الولايات المتحدة!) لمدة سنة كاملة الضغط على المسؤولين العراقيين لإقرار قانون النفط هذا. حتى أنهم اعتبروا أن منحهم الحكومة العراقية المساعدات والإعفاءات من الديون مرتبط بإقراره، مهددين بالإطاحة بحكومة المالكي في حال عدم قيامه بذلك.

 

وتتضمن مسألة السياسة النفطية في العراق إشكاليتين مهمتين: الأولى، ترتبط بحجم الإستثمار الأجنبي في هذا القطاع وشكله، والثانية، بمدى تقسيم الصلاحيات بين السلطات المحلية والمحافظات. وفي حين عزا عدد من المراقبين المماطلة في إقرار قانون النفط لإعتبارات طائفية وإثنية بين الأكراد والعرب (وهو الخطاب الذي يتلاءم مع الوصف الرائج للوضع العراقي)، إلا أن عدم إقرار قانون النفط (حتى الآن) يعود لأسباب أخرى، أهمها تضافر جهود الحراك الشعبي والإجتماعي والنقابي لمناهضته.

 

فمع تسريب مسودة مشروع القانون، تبين أن هذا القانون قد أدى ما طلب منه: إعطاء الشركات الأجنبية عقود طويلة الأمد (قد تصل إلى ثلاثين عاما)، السماح للحكومة بالموافقة وإبرام هكذا عقود، وتحديد دور كل من الحكومة المركزية والمحافظات ضمن النظام الفدرالي. شكّل ذلك معرض إعتراض لدى النقابات، كون العقود طويلة الأمد ستؤدي إلى سلب حقوق الشعب العراقي وإستفادة الشركات الأجنبية. كما تخوّفت النقابات من أن وجود الشركات الأجنبية سيؤدي إلى زيادة البطالة في العراق (وكانت  بلغت نسبتها آنذاك 50%). وقد أشار الكاتب غريغ موتيت أن أحد مخاوف النقابيين العراقيين من شركات النفط الأجنبية يكمن في اشتهارها في خرق النقابات وكسر أي محاولة من قبل العمال للدفاع عن حقوقهم.

 

كيف بدأت المعركة؟

 

شكّلت قضية رفض مشروع قانون النفط أهمية بارزة في تصوير العمل النقابي كعمل نضالي وطني. فغالبا ما ترسم حدود هذا العمل وكأنه وجد فقط للدفاع عن العمّال دون أي دور اجتماعي آخر. فقد برهنت الحركة النقابية العراقية عن وعي وإدراك لمشاكل البلد الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، وتجندت لمنع إقرار قانون النفط.

 

بدأت الإجتماعات بين جميع النقابات وتم تنظيم العديد من المؤتمرات لإيصال الرسالة إلى الحكومة. وقد أضاءت النقابات، وخاصة نقابات قطاع النفط، على سلبيات القانون، مطالبة بعدم خصخصة القطاع. وقد أرسلت النقابة عدة دراسات إلى رئاسة الوزاراء التي ردت بكتاب شكر. ولعل أبرز البيانات الصادرة عن الحركة النقابية، حينها تلك التي صدرت عن الإتحاد العام  لنقابات العمّال في العراق ومركز التضامن الدولي. وقد رفض هؤلاء قانون النفط ونددوا بالمشروع معتبرين أن الشعب العراقي يرفض التحكم بمصيره وراء أبواب مغلقة. كما اعتبر البيان الصادر في كانون الثاني/ديسمبر 2006 أن الشعب العراقي يرفض تسليم السلطة والوصاية لشركات نفط أجنبية تقوم بجني الأرباح على حسابه.

 

وفي رسالة إلى رئيس الوزراء نوري المالكي، طلب إتحاد نقابات النفط في العراق أن يقوم، مع منظمات من المجتمع المدني، بدراسة مشروع قانون النفط. بعدئذ، اجتمع رئيس الاتحاد حسن جمعة مع نوري المالكي الذي وافق على إعطاء النقابات حق مناقشة القانون ودفع حصة العمل من الأرباح. إلا أن هذه الهدنة مع النقابات لم تطل، حيث عاد رئيس شركة توزيع المنتجات النفطية، وبدعم من وزير النفط الشهرستاني، عن الوعد الذي قطعه المالكي.

 

في حزيران 2007، وأمام إغلاق الأبواب في وجههم، تظاهر حوالي 1500 عامل في محطة لتوزيع النفط وأوقفوا بعض خطوط الضخ. في الشهر نفسه، تأسست "جبهة مناهضة قانون النفط والغاز" بدعم من إتحاد المجالس والنقابات العمالية ونقابة عمّال النفط وعدد من مجموعات المجتمع المدني في بغداد. وقد نظمت المجموعة المظاهرة الأولى في 7 تموز/ يوليو في ساحة التحرير في بغداد. وعبّرت الخطابات عن رفضها التام للمشروع:

 

"إننا هنا اليوم وكما وعدناكم أن نكون في هذه الساحة لنقيم اعتصامنا احتجاجا على قانون النفط والغاز سيء الصيت المراد تمريره من خلال الغرف الظلماء بعد إعداده من قبل عرّابي الشركات الاحتكارية الأمريكية الذين يريدون الانقضاض على ثرواتنا التي هي حق الجماهير المحرومة وحق الأجيال القادمة... لقد طلب حسين الشهرستاني عدو الطبقة العاملة العراقية من حكومته تحريك شكوى ضدنا لأننا وقفنا ضد التبرع بحقوق العراقيين للمحتلين... "

 

كما شاركت النقابات في المظاهرات لطرد الشركات الأميركية من البصرة (في 16 يوليو / تموز) 2007، حملوا خلالها نعشا أسود كتب عليه "حرية". وقد انضم إلى هذه المظاهرات مجموعة من الخبراء في النفط.

 

شهدت هذه الفترة تصاريح وبيانات ورسائل رافضة لمشروع القانون من مختلف الجهات. ففي رسالة للبرلمان العراقي، أعرب خبراء في النفط عن تحفظاتهم إزاء مشروع القانون (وهي شبيهة بتلك التي عبّر عنها العمّال)، وأعربوا عن نيتهم بمراجعة مشروع القانون ورفضهم للعقود طويلة الأمد. وفي اليوم التالي لتظاهرة البصرة، كتب خبراء النفط رسالة أخرى للبرلمان، تتضمن 108 توقيعاً، منها لثمانية وزراء سابقين. أحد أبرز المعارضين لمشروع قانون النفط كان الكيميائي فؤاد الامير، الذي أعد في غضون أقل من شهر من حصوله على نسخة مسرّبة لمشروع القانون، دراسة من 50 صفحة حول القانون من النواحي القانونية والإقتصادية والسياسية والتاريخية، متوصلا لنتيجة أن الإستثمار الذي يتطلبه العراق لزيادة إنتاج النفط متوفر في الموازنة الوطنية أو من الممكن إستيدانه. وقد حدد أن لا عنصر عجلة في إقرار القانون حيث أنه من غير الجائز تحديد مصائر أجيال من العراقيين تحت حكم الإحتلال وفي ظل انتشار الفقر والفساد.

 

إنتهجت مجموعات أخرى أسلوب العريضة. وقد وقّعت مجموعة ضمّت حوالي 419 مثقفا عراقيا ومهنيين وأكاديميين وأطباء ومحامين ومهندسين وإقتصاديين وديلوماسيين وصحافيين ووزراء سابقين وموظفين رفيعي المستوى على عريضة موجهة للبرلمان، نددت فيها بعقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements) وطالبت باستفتاء على مشروع القانون.

 

كما إستغلت الأحزاب المعارضة فرصة هذه المطالبات. فالإختلاف بين السياسات العامة الرسمية وإرادة أغلبية العراقيين شاسع في موضوع النفط. لذا، عمدت الأحزاب الأقل نفوذا وارتباطا بالسياسات الأميركية على تغذية الشعور القومي حول النفط وتحويل القضية إلى قضية وطنية شعبية.

 

وقد وصلت الحملة للعالمية: ففي بريطانيا مثلا نشأت حملة “hands off Iraqi oil”  ونظّمت مظاهرات لردع الضغط الأميركي عن قانون النفط. كما وقّع 145 نائبا بريطانيا على عريضة أعربوا فيها عن قلقهم من كون الحكومة البريطانية متورطة في إعداد مشروع قانون النفط العراقي وفي كونها قد اعتمدت نظرة الشركات الأجنبية. وقد اعتبر البيان أن القرارت المتعلقة بالنفط العراقي يجب أن تتخذ من قبل الشعب العراقي.

 

الشهرستاني ينتقم من النقابات

 

أمام الضغط والرفض النقابي لمشروع القانون، ووقوف النقابات كحجر عثرة أمام عقود النفط التي أراد الشهرستاني إبرامها مع الشركات الأجنبية، صوّب هذا الأخير حملته ضد النقابات نفسها، معتبرا أنها تناقش الأمور الإقتصادية وأمور البلد أكثر من مناقشة أمور العمال. وفي 18 يوليو / تموز 2007، أصدر المدير العام لوزارة النفط قرارا بمنع الدوائر النفطية من التعاون مع النقابات. كما وألغى هذا القرار مقرّات النقابات، وبدأت حملة ممنهجة لإحراج مدراء المصانع والضغط عليهم لطرد النقابيين. وقد شكّل هذا الإجراء صدمة حيث بيّن "إنفصام" في مواقف الشهرستاني: فهو قدّم نفسه كمدافع عن حقوق الإنسان ومؤسس لجمعية مدنية ومعتقل سابق في ظل نظام صدام، ولكنه سرعان ما بات يستشهد بقوانين صدام لقمع الحراكات المناهضة لسياساته (أي القانون رقم 150 لسنة 1987 والذي يمنع إنشاء النقابات في القطاع العام).

 

لم تكن معركة إيقاف قانون النفط سهلة إذا. فعدا عن الضغط على النقابات وإغلاق مقراتها، تم إطلاق الشائعات حول نواياها، وحول أنها تشكل خطرا حقيقيا على أعضائها. ومن هذه الشائعات، إتهام النقابات بالتعامل مع الخارج تارة، واتهامها "بالشيوعية" تارة أخرى. وقد خرجت الأمور عن المألوف في 11 كانون الأوّل 2007، حيث خطف ثمانية أعضاء من إتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق وهم في طريقهم لمؤتمر عرف أنه سينتقد قانون النفط، ووجد في ما بعد أربعة منهم مقتولين. وتم الضغط على النقابيين شخصيا، فمثلا تم إفتعال قضية إرهاب (أي يموجب المادة 4 من قانون الإرهاب) لأحد القادة النقابيين وقد تم تبرئته في ما بعد.

 

حاول الشهرستاني مجددا كسر نقابات عمّال النفط في أيّار 2008،. فأعلن أن 22 من قادة النقابة سيتم نقلهم من مركز عملهم في البصرة، إلى مصافي الدورة، وهي من أكثر المناطق خطورة في بغداد. إلا أنه وتبعا لضغط شعبي ودولي، تمت إعادة هؤلاء إلى مصافي البصرة بعد فترة. لم ينته قمع النقابات في 2008، إنما تواصل بعد ذلك ضد تظاهرات العمّال وصولا لمحاكمة بعضهم جزائيا وتغريمهم مبالغ طائلة.

 

نشر هذا المقال في العدد 6 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 

Muttitt, G. (2011). Fuel on The Fire, Oil and Politics in Occupied Iraq (p. 205). London: The Bodley Head.

Ibid (p.362-3). “After all, a grass-roots movement led by trade unions, oil experts and subsequently political parties and religious groups had succeeded in stopping the passage of the oil law, even when the world’s sole superpower made it a top priority and sent additional troops to assert its will on Iraq…. Oil is a unifying issue for Iraq’s people as much as it is a divisive one for its politicians".

Ibid (p.355)

سلسلة من القوانين الصادرة (منذ سنة 1961 وخاصة القانون رقم 97 لسنة 1967) حددت أنه على البرلمان التصديق بقانون على كل عقد مع شركة أجنبية تعمل في قطاع النفط. وبالتالي، فأي عقد توقعه الحكومة دون تصديق البرلمان يعتبر باطلا.  

Muttitt, G. (p. 204).

Ibid (p.233)

مركز التضامن الدولي هو منظمة غير حكومية، تعتبر الحلف الدولي للاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعي ( (AFL – CIO)

Ibid (p.234)

Iraq federation of Oil Unions , letter to prime minister Maliki, 5 may 2007:

http://www.basraoilunion.org/2007/05/fullstrike-communique-to-iraqi-prime.html.

راجع: لمى كرامة، "نقابيو النفط يعاقبون: حق الظاهر مكرّس في الدستور وليس في الواقع"، المفكرة القانونية- تونس، تشرين الثاني / نوفمير 2016

Muttitt, G. (p. 263(.

صبحي البدري، كلمة جبهة مناهضة قانون النفط والغاز في يوم الاعتصام التاريخي بساحة التحرير ببغداد، مجلة الحوال المتمدن، العدد 2046، أيلول 2007: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=109880

 كان من اللافت أيضا مشاركة هيئة علماء المسلمين في هذه المظاهرة. هذا وقد أصدرت الهيئة فتوى تحرّم إبرام العقود حول النفط، مشجعة حوالي 2000 إمام في العراق على مناقشة الفتوى خلال صلاة الجمعة. وفي حال دلّ ذلك على شيء فهو يشير إلى إنتهاز بعض الجماعات فرصة في هذا التحرك الشعبي من أجل سياسية نفطية وطنية لطرح أفكار لا تتماشي بالضرورة مع عقيدة أو هدف النقابات. (راجع: موتيت ص. 262-263)

Muttitt, G. (p. 236).

Ibid (p. 264)

Ibid (p. 259)

Ibid (p. 265)

Ibid (p. 261-262).

تم تأييد هذا القانون عبر الإشعار الصادر عن سلطة الإئتلاف المؤقتة (حاكم السلطة بول بريمر) في 5 حزيران 2003.

تتراوح هذه المبالغ بين 63 و32 ألف د.أ. عن كل عامل. (راجع المقال التالي)