أنّا ليزا رافاييل أكوينو هي سيدةٌ سريلنكيّة تعمل في الخدمة المنزليّة في لبنان. هربت من منزل ربّ العمل، فاحتجز جواز سفرها، ومنعه عنها عندما اختصمته وطالبت به. أوصلت قضيتها إلى القضاء، فحكم القاضي جاد معلوف بحقّها باستعادة جواز سفرها. في متن الحكم، أسّس القاضي نصّه على العلاقة "الإشكالية" بين العاملة وربّ العمل في لبنان، وبالتالي وضع القضية في سياقها العام. ثم، امتدت يده إلى كلّ من: الدستور اللبنانيّ، الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، العهد الدوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، والإتفاقية الدولية للقضاء على أشكال التمييز، ليجزم بأن الأجنبية تمتلك حرية حركتها. حكم بأن حريّتها ليست مقيّدة بالمبلغ المالي الذي دفعه ربّ العمل لاستقدامها. حكم بأن فرارها لا يسقط عنها أيّ حقّ من حقوقها، لا بل يثقل من أهمية امتلاكها جواز سفرها لتسوّي وضعها.

تبدأ المفاجأة المدنيّة في هذا الحكم من تمكّن أنّا ليزا من الوصول إلى القضاء أساساً (وكيلها المحامي بسّام فاخوري). ثم تتوالى المفاجآت السعيدة: هربت ولم تصبح مدانة بالمطلق، دخلت المحكمة ولم تخرج منها مظلومة، لا بل خرجت منصورة بنصّ لا يفاوض السلطات المجتمعيّة وإنما يجزم بالعدالة.

ويبقى أجمل ما في هذا الحكم اعترافه لأنّا ليزا بما هو لأنّا ليزا: وجودها كإنسانة.

جواز سفرها هي
كومودو هي سيدة سريلنكيّة أخرى، صارت اليوم في كولومبو. أتت إلى لبنان للعمل وبناء بيتٍ لأمّها. بقيت هنا 10 سنوات، تزوّجت خلالها سريلنكياً مسلماً، ثم طلّقته بعدما عرفت أن عائلته هناك فرضت عليه الزواج من مسلمة. سعى كثيراً لأن تعود إليه كونه يحبّها، لكنها جزمت بالإنفصال كونه لم يجرؤ على إبلاغ أهله بأنه تزوّج حبيبته البوذية في بيروت. بعدها بسنواتٍ قليلة، في زيارةٍ إلى سريلنكا، تلاقت بشابٍ أحبّته. تزوّجا، وحاولت تأمين عملٍ له هنا. فشلت، فعادت إلى سريلنكا. كوكو قالت لي إنها أحبّت حياتها هنا، رغم القوانين والمجتمع وبالتفاوض اليوميّ معهما.

في البدء، هي مثل أنّا ليزا دخلت لبنان بعقد كفيلٍ ومكتب. هالتها الحال، فاجتهدت وساعدتها الظروف حتى وجدت وسيلةً للبقاء لا تضطرها على التنازل عن مساحتها كانسانة. رجلٌ يوقّع الأوراق، ويتقاضى بدل توقيعه المال. يعتاش من هذه الوظيفة. لصديقتها سيتّا أسلوبٌ أخر في البقاء: "ماما" متقدّمةٌ في السنّ، تسافر كثيراً، وتوفّر لها الأوراق وحريّتها معاً. وهي، مثل كوكو، تشتغل في أكثر من منزل مكوّنةً شبكةً من "الزبائن" ثابتة وحميميّة، وتنام في بيتها هي. شقّت كلّ منهما وكثيرات مثلهنّ طريقاً يتفادى شرّ نظام "الكفالة"، ويتيح لهنّ أن يمتلكن ولو بعضاً من مساحة القرار والإرادة في حيواتهن الطويلة هنا.

الحكم الصادر عن القاضي جاد معلوف اعترف لـ أنّا ليزا بقصّة حياةٍ لا تحدّها القضية موضوع الدعوى. أن تهرب من المنزل الأول لتشقّ طريق عودتها أو لتشقّ طريقها الخاص، لا يعني أنها خسرت حصانتها. لا تسقط عنها الدنيا، لو فعلت. لا تصبح بهشاشة المرمي عارياً في قفص أسودٍ. في لبنان، يكاد يُربَك النقاش حول حقوق العاملات المنزليّات لمّا تكون العاملة هاربة من منزل. كثيراً ما يعلو الصوت مستدعياً كافة الممارسات التمييزيّة التي لا بد أن تؤدي بإنسانةٍ للهرب. ولكن، ما قاله جاد معلوف في متن حكمه هو أبسط من ذلك ولا يأتي من موقعٍ دفاعيّ، فقد قاسها على نفسه وعليك وعليّ وعلى كومودو وسيتّا وعلى كلّ من تتشارك أنّا ليزا معهم /ن الإنسانيّة: لنا جميعاً الحقّ بأن نفارق مقرّ عملنا، وجواز السفر باليد. جوازات سفرنا ليس مساحة تفاوض أو فرض سلطة، هي ملكنا. لو اتهم ربّ العمل أنّا ليزا بجرمٍ غير الهرب، كالسرقة مثلاً أو الأذى، فإن القانون يبدأ استجوابه لها من هنا. جواز سفرها يُعاد إليها قبل كلّ شيء، وسلبها إياه ليس قصاصاً لها وإنما هو إعتداءٌ عليها. قالها القاضي مستخدماً القانون والدستور والمواثيق الدوليّة، ولم يتهوّر في تبرير ما لم يملك.

موقعنا في حياتها
المنحى العام والسائد في نقاش حقوق العاملات المنزليات، إذا أتى منتصراً للعاملة، تراه يدين الممارسات بحقّها. وتلك ضرورةٌ ملحّةٌ وطوارئُ نضالٍ وعدالة. ولكن، بالنتيجة، يسقط من الفضاء العام وجودها. المجتمع يستقبل الدفاع عنهن عبر إدانة ممارسات أرباب العمل. لكن مساحة المجتمع تضيق قليلاً، وأحياناً كثيراً، لما تعرّف العاملة فيه كإمرأة صاحبة إرادة. وقبل بلوغ الحياة الشخصية، يصدر المجتمع العريض إشاراتٍ دوريّةٍ عن تجاوزاتٍ أو جرائم ارتكبتها عاملات منزليّاتٌ، كأنه بذلك يقول: "صحيحٌ أن جرائمهن أقل عدداً من تجاوزاتنا، لكن مجرّد وجودها يبرّر بعض تجاوزاتنا". يُساق الإعتداء على العاملة كفعلٍ حماية للذات أو دفاعٍ استباقيّ عن النفس. ثم يُفتح باب المساومة، وتضيق رقعة عمل الناشطين /ات، وتضيق أكثر رقعة تواجد العاملات المنزليّات بيننا، حتى تصبح صفتهن هذه اختزالاً لقضيّتهن ووجودهنّ معاً.

في الواقع، يتسع المجتمع والدولة لتضامنٍ مع العاملات المنزليات شرط التضييق على وجودهنّ المعرّف. يلتفت لشكواهنّ طالما لا نشاط لهنّ خارج وظيفتهنّ، والوظيفة تنفذ باحترافٍ. لا حقوق لهنّ لو هربن من بيتٍ أو مارسن الجنس خارجه مثلاً، يصبحن مباشرةً مدانات. حتى الإدانة المطلقة لإغتصاب العاملة في منزل عملها تأتي في سياقٍ إجتماعيّ لا مفر من ملاحظة مبرراته الطبقيّة، وأحياناً العرقيّة: "نفسه دنيئة ليدقّ بالسريلنكية". قفل البرّاد مثلاً يدلّ على سوء أخلاق أرباب العمل، فيُدان بسبب دلالاته على الذات. غير ذلك من التجاوزات يشترط منهن "حسن السير والسلوك" المطلوب من قاصرات الحقوق في المجتمع. هذا القصور يتضح رمزياً وجلياً من تسمياتٍ تعلو في فضاء "منزل العمل"، وكثيراً ما تتفادى الإعتراف للمرأة العاملة بامتلاكها إسم وبالتالي كيان مستقلّ، فتنادى: "البنت"، "السريلنكيّة"، "الخادمة"، "الصانعة"، ... ثم تأتي الممارسات التي تترجم هذا القصور حسيّاً في يوميّات العاملات: احتجاز جواز السفر، قفل الباب ومنع حرية الحركة، التشغيل بلا دوام، الصراخ والتحقير والضرب، ... جرائم يدينها المجتمع فقط لمّا لا تكون للعاملة صفةٌ أخرى في البيت والبلاد إلا كونها "عاملة". ويأتي رفض الدولة لـ"نقابة العاملات والعمّال في الخدمة المنزليّة" ليجعل المواجهة صريحةً: نحن نفرض القصور بالقانون عليهنّ، ونعيق أيّ دربٍ يقود إلى تواصلٍ "بيننا" و"بينهن". ترفض الدولة الإعتراف بالنقابة لما فيها من صوتٍ خاصٍ بهن لا تريد أن تعترف له بوجود. كأنها تقول: "نمنحهن" حقّاً أو حماية بقرارٍ منا نحن، لا منهن. هنّ، يجب أن يُحكى عنهن، لا أن يحكين بأسمائهن ويعشن حيواتهن. في المقابل، يطيب للمجتمع أن يكون للعاملة ولدٌ مشتاق تمكّنه من التعليم، أمٌّ مريضة تعينها بالدواء، أو زوج ينتظرها.. يطيب للمجتمع أن تمتلك العاملة حياةً منفيةً في الهناك، فلا يبقى منها هنا إلا الدور "الطوباوي" هنا: عاملة منزلية نساعدها عبر توظيفها على إعانة أسرة أو مريض أو طفل. هكذا، هي تكون بريئة، ونحن نفعل الخير.

لكنهن لسن "فقط" عاملات منزليات. خارج العلاقة المهنيّة "الإشكالية"، العاملات انتظمن بنقابةٍ، وكوكو عمّرت بيتين. أتت صبيةً عشرينيّةً وغادرت إمرأةً على أبواب الأربعين. تزوجت مرتين، وبنت صداقاتٍ كثيرة. تترافق مع صديقاتها إلى ملعب برج حمود، حيث الأكل والألوان والمنصّات والألعاب والسفير السريلنكي والنجم الآتي من سريلنكا وإنتخاب ملكة جمال الجالية... مرةً أو مرتين في السنة، كرنفالٌ كالعيد ويتزامن مع عيد. أين يقع من قصة كومودو مثلاً استحواذ ربّ عملها على جواز سفرها؟ هو يرى نفسه محور حياتها، لكنه فعلياً يقع في وظيفتها. ربّ عملٍ، ليس الألطف لكن المؤقت. هو مطرحٌ للصبر والقبض، لا للتواصل والتعايش. هكذا أراد المجتمع والدولة من العلاقة أن تكون. هذا لا يعني أن هذه العلاقة تقوى على اختصارها هي، وإنما تراها تختصر موقعنا في حياتها.

أهمية القرار الصادر عن جاد معلوف أنه نظر إلى القضية من عينيها هي. لم يكتفِ بالإستناد إلى الدستور والشرعة، وإنما قرأ الموقف من مُعاش صاحبة الدعوى، أكّد حقّها باستخدام القانون، ولم يسقط العدالة عليها ببشاشةٍ فحسب. فالتمييز ضد العاملات لا ينتج فقط عن "قلّة أخلاق" أرباب العمل، وإنما هو علاقة قوّةٍ يرسّخها أولاً قانون "الكفالة"، ثم تُترك للفرد حريّة اختراع حدود العلاقة وهندسة الحقوق والواجبات في مملكته الصغيرة، البيت. الحُكم قال له: هذه العلاقة ليست شأناً خاصاً.

مع الوقت والحملات والمرافعات والنقاشات العامّة، يبدو أن الواقع يتغيّر. ببطءٍ ربما، لكنه يتغيّر. من القضاء إلى الإعلام، ومن البيوت إلى الحيّز العام، هناك شيءٌ ما يتفكّك، وببطءٍ يتغيّر.

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة المفكرة القانونية