في أواخر أيلول 2013، فجع اللبنانيون بخبر غرق عبّارةٍ أندونيسيةٍ على متنها نحو 75 لبنانيّ معظمهم من منطقة عكّار. 18 شخصاً من منطقة قبعيت العكّارية وحدها قضوا نحبهم في البحر. ضجّت وسائل الإعلام بهذه الحادثة التي تديرها "مافيا" تصطاد الأبرياء ممن ضاقت بهم سبل العيش. تعدهم بحياةٍ لائقة في المهجر مقابل مبلغٍ من المال، ثم تتركهم لمصيرهم في البحر.
وإذا كانت هذه الحادثة قد بثّت الذعر في قلوب الناس بدايةً وأدّت إلى تراجع أعداد المغامرين من لبنان بالهجرة غير الشرعية عبر البحار، إلا أنها لم تضع حدّاً لها. فالدولة اللبنانية لم تبادر إلى اتخاذ إجراءاتٍ جديّة لوقف تجارّ البشر أو مخططاتهم، ناهيك عن الأوضاع الإقتصادية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون والمتفاقمة يوماً بعد يوم.
حادثة العبّارة الأندونسية لم تأت وحدها، فقد غرقت عبّارة أخرى تقل لبنانيين من منطقة النبطية (راجع/ي مقال خديجة المعوش). واللافت في قضية عبّارة النبطية أن عدداً من الأهالي المتضررين بادر بالإدعاء على أشخاصٍ بتهمة الإتجار بالبشر، وقضيتهم اليوم تتابع في المحاكم. ولكن، لماذا لم يدّعِ أهالي عكّار على تجّار البشر الذين أخدوا منهم الأحبة؟ لفهم ملابسات اتخاذ القرار بالإدعاء وعدمه، كان لزاماً علينا العودة الى ملف "العبّارة الأندونيسية" لمعرفة ماذا حلّ بالناجين، وهل ادّعوا على من وعدوهم بالأمان في مركب الموت؟

من قبعيت إلى المحيط..
في قبعيت، التقت "المفكّرة القانونيّة" حسين خضر، المعروف أيضاً باسم حسين أبو نصر. خسر أسرته بأكملها، وعدد أفرادها الغارقين كان ثمانية، من ضمنهم زوجته. حاول حسين بذل جهدٍ كبير ليتابع حياته وينسى الفاجعة، فتزوج شقيقة زوجته التي أكدت أنهما يحاولان "نسيان ما جرى" وأنهما "لا يريدان نبش الجراح مجدداً" وأن "الله سيأخذ حقهما فلا أحد غيره قادر على ذلك".
أما أسعد أسعد الذي خسر أسرته المكونة من خمسة أفرادٍ مع الزوجة بأكملها فلم يجد مانعاً لاسترجاع تفاصيل رحلته برفقتهم، وهي رحلة ربما لن ينساها ما  دام حيّاً. وهو يتمنى لو كان بوسعه رفع دعوى على المهرّبين الذين غرّروا به وبالمئات من العائلات لينالوا القصاص.
يستذكر أسعد الشخص الذي تمّ التواصل معه في لبنان، وهو عراقيّ الجنسية اسمه "أبو صالح العراقي". ثم يشرح أن الوصول الى أندونيسيا تمّ بصورة شرعية عبر مطار رفيق الحريري الدولي: "عند وصولنا إلى أندونيسيا، إلتقينا أفراداً من العصابة أخذوا من كلّ عائلةٍ 500 دولار قبل ان نخرج من المطار. ثم قالوا لنا أنه يتوجب علينا البقاء ليومين أو ثلاثة في أندونيسيا قبل أن نسافر إلى أستراليا، إلاّ أننا بقينا هناك نحو ثلاثة أشهر. فقد وقع إشكالٌ بين العراقيّ الذي أخذنا وآخر هناك حول المال، فقتله العراقيّ وتم احتجازه في السجن، فيما تولّى أفراد عصابته تدبير أمورنا".
وبسؤاله عن كيفية  تعرفه على العراقي، شرح: "العديد من الأشخاص من منطقتي سافروا سابقاً عن طريقه، ومنهم صهري الذي وصل إلى أستراليا وأرسل لي رقمه. كان يأخذ 10 آلآف دولار على الكبار وخمسة آلآف دولار على الأطفال، ولا يشمل المبلغ تكاليف السفر إلى أندونيسيا التي تمت على نفقتنا. في أندونيسيا، زرناه في السجن وطلبنا منه أن يعيد إلينا أموالنا حتى نعود إلى لبنان، فيجيبني بالقول: خيّو بكرا بتسافرون إلى استراليا. واستمرت هذه الحال نحو ثلاثة أشهر".
لم يكن أبو صالح وحده من يصطاد الفقراء في لبنان، بل كان يعاونه شابٌ من باب التبانة يدعى عبدالله طيبا. كان بدوره ينقل قوافل إلى أندونيسا، ثم يسفّرها. وبحسب أسعد، تمّ القبض عليه أيضاً في أندونيسيا، ولا يعلم ما إذا اخلي سبيله لاحقاً. طيبا هو من أمّن لهم القارب، بالتنسيق مع عصابة العراقي.
في يوم السفر من أندونيسيا، "انطلقنا من بحيرةٍ بمركبٍ صغيرٍ إلى البحر، وقيل لنا أننا سنمضي نحو ثلاث أو أربع ساعات فيه قبل ان نصل إلى المركب الكبير الذي يحوي كلّ ما نحتاجه في الرحلة. كان معنا شخص يعرف لغة إنكليزية، فسأل قائد السفينة عن وجهتنا بعدما أصبحنا في عرض البحر، فأخبره الأخير أن لا مركب آخر ينتظرنا، وأننا سنبقى في هذا المركب إلى حين وصولنا الى جزيرة كريسماس – أستراليا"، يقول أسعد.
ويكمل: "كان قائد السفينة رجلاً كبيراً في السن، لكن ما لبث أن تبعنا زورقٌ وتم استبدال القائد بولدين أضاعا الطريق فأمضينا خمسة أيام ونحن ندور في المحيط إلى أن رأينا جزيرة في البعيد وقررنا الإقتراب منها. كان شقيق زوجتي قد حاول السفر بباسبور مزوّر، ولكن تكلفة هذا النوع من السفر هي 70 ألف دولار على الشخص الواحد. وعندما لم ينجح في تأمين المبلغ، بقي في اندونيسيا. وعندما التقط هاتفنا الإرسال، اتصلنا به وأخبرناه بما يحصل معنا. فاتصل بأشقائه في استراليا الذين أخبروا السلطات الأسترالية التي وعدت بالتصرّف. وصلنا إتصالٌ من السلطات الأسترالية طلبت منا أن نصوّر المركب وأن نبقى مكاننا حتى يصلوا إلينا. لكن قائدَي المركب لم يمتثلا للأوامر. وقبل أن نصل إلى الجزيرة بحوالي ستمئة متر، صادفنا دوامة بحر رفعت المركب عالياً وقسمته إلى نصفين. من يجيد السباحة نجا، ومن لا يجيدها غرق في اليم".
في لبنان، قدّمت "الهيئة العليا للإغاثة" تعويضاً مالياً تقارب قيمته العشرة ملايين ليرة عن كلّ شخصٍ غرق. لم يحاول أسعد أن يرفع دعوى ضد المهرّبين لعلّ تحقيقاً قضائياً يساعد على ضبط الوضع. يشرح قراره: "الذين خدعونا بقوا في أندونيسيا. اما ابو صالح العراقي فتم تهريبه من السجن. لكن اسمه موجود على لوائح الإنتربول. ومع ذلك، لا أمل في القبض عليه. فهو يملك عدّة هويات. لا يمكن لأحد أن يقبض عليه".
ورغم عدم رفع الدعوى، فإن معلومات أسعد تفيد بأنه قد تم إلقاء القبض على معظم من عاون العراقي من قبعيت. وذكر عدّة أسماء بعضها دخل السجن وخرج منه، وبعضها الآخر دخل ولم يخرج. ولكنهم سُجنوا بجرائم أخرى، لاعلاقة لها بالتهريب.
وتوقّف أسعد عند مشكلة في الأوراق يعاني منها منذ الحادثة. فهو عاجز عن إصدار وثيقة وفاة لأحد أطفاله الذي فقد أثناء غرق العبّارة، ولم يُعثَر على جثته. يقول أسعد أن نجاة طفلٍ لم يتجاوز السنتين من الغرق مستحيلة، ومع ذلك، "فإن أندونيسيا ترفض إعطاء إفادة بوفاته، وكذلك دائرة النفوس اللبنانية التي ترفض شطبه عن إخراج القيد من دون وثيقة رسمية من أندونيسا. والتواصل مراراً مع الخارجية اللبنانية لم يأت بنتيجة".

إذا تعذّر لبنان، فلنبدأ من تركيا
من روايات الهجرة غير الشرعية، يتضح أن الطريق ليست محتكرة من قبل المهرّبين اللبنانيين. فإذا تعذّر الوصول إليهم، يمكن السفر إلى تركيا والإتصال بمهرّبيها الكثر الذين يقدمون العروض على الملأ، حسبما يؤمد د. ش. (رفض نشر اسمه، لأنه لم يحصل بعد على أوراق الإقامة في السويد). وفي اتصالٍ معه إلى السويد، تحدّث عن قصة عذابه التي امتدت لأيامٍ وأيام، واجه خلالها خطر الموت.
يجد أن "أسهل شيء" هو التعرّف إلى مهرّبٍ، إذ "يكفي التوجه إلى ساحة أزمير في تركيا، والجلوس في أحد المقاهي، حتى يأتي المهرّب إليك، ويعرض عليك الهجرة. فإذا اقتنعت بالأمر، طلب إليك أن تلحق به للتحدث في التفاصيل بعيداً عن أعين الدولة. وتكتشف في وقتٍ لاحق أن كلّ تحركاتك تحصل أمام أعين الأجهزة الأمنية لقاء مبلغٍ من المال يدفعه المهرّب".
تبلغ تكلفة الهجرة غير الشرعية من تركيا إلى إحدى دول أوروبا قيمة 1200 دولار أميركيّ يتم دفعه في مكتبٍ ويحصل بموجبه المسافر على رمز code يحتفظ به إلى حين وصوله سالماً إلى جزيرة ساموس اليونانية. كما يعرض المكتب على المسافر هويةً سوريةً مزورة، لو اختار أن يحملها، يستفيد منها في اليونان، ومقدونيا، وصربيا، والمجر، وأوكرانيا، لقاء مبلغ 200 دولار إضافيّ. فالهوية السورية تعود على حامليها بـ"امتيازات" في ظلّ الأزمة السورية.
التقى الشاب د. ش. المهرّب سوري الجنسيّة في تركيا، فاصطحبه برفقة نحو ستين آخرين إلى نقطة المغادرة التي يحرسها أكرادٌ مسلحّون. هناك، انتهت مهمته، وبدأ السفر في زورقٍ مطاطيّ: "في الوضع الطبيعي، لا يتسع المركب لأكثر من 10 أشخاص. أمضينا الطريق نحن الستين شخصاً، نحاول إفراغه من الماء كي لا يغرق بنا".
يلفت الشاب النظر إلى أن التراجع عن السفر وإستعادة المال ممكنة قبل الوصول إلى نقطة المغادرة، ولكن دخول هذه النقطة يلغي هذه الإمكانية.
في "ساموس"، تستقبل السلطات اليونانية المهاجرين: يلتقطون الصور، يدوّنون الأسماء، ويعطونهم ورقة تسمح للمهاجرين بالإقامة مدة ستة أشهر. فيستخدمون هذه الورقة للدخول إلى مقدونيا بعد ركوب باخرةٍ تقلهم إلى العاصمة أثينا لقاء مبلغ ستين يورو: "على الباخرة، شعرنا بسعادةٍ عارمة لأننا نجونا من الموت. أنا حرقت باسبوري اللبناني ورميته في البحر".
الدخول من اليونان إلى مقدونيا كان بعد سيرٍ على الأقدام لحوالي الساعة. وعند الحدود، تستقبل المهاجرين قواتٌ تابعة للأمم المتحدة، تقدم لهم المياه والغذاء. بعدها، يتم توقيفهم في مخيم تابع للجيش، فيظهرون الورقة اليونانية، ويحصلون بموجبها على مهلة 48 ساعة لمغادرة مقدونيا بباصٍ يقلّهم إلى الحدود مع صربيا. هناك، يسيرون لأربع ساعاتٍ قبل الوصول إلى إقليم كوسوفو.
يلفت الشاب هنا إلى سوء معاملة الجيش الصربي للمهاجرين، إذ تعرضوا لهم بالضرب والشتائم، وأوقفوهم نحو 14 ساعة في البرد القارس قبل أن يدونوا أسماءهم مع تاريخ ميلاد موحّد هو 1/1. بعد صربيا، ينتقل المهاجرون بالباص إلى الحدود مع أوكرانيا.
بعد إنتظار 13 ساعة، سمح للمهاجرين بالدخول إلى أوكرانيا وركوب الحافلة التي أوصلتهم إلى قطار قديم: "كنا نجلس فوق بعضنا مثل علب الخضار وصولاً إلى الحدود مع أوستريا، حيث نزلنا على مقربة من نهر الدانوب، واستقبلتنا العائلات النمساوية والإعلام". هناك، سئل المهاجرون إذا كانوا يفضلون البقاء في النمسا أو التوجّه إلى بلد آخر: "فانتقل بعضنا إلى ألمانيا وبعضنا الأخر إلى السويد".
لا يمكن لهذا الشاب أن يحدّد اللحظات التي شعر فيها بالأمان. فالنجاة من الغرق لم تكن نهاية الخطر، ناهيك عن التعب الجسدي وقطّاع الطرق وحقول الألغام. وبسؤاله عن الدافع خلف ركوبه كلّ هذه المخاطر، أجاب: "كنت أعمل في السعودية وكان وضعي ممتازاً. لكن بسبب تشابهٍ في الأسماء حصل في مطار بيروت، تم احتجازي لأيام قبل التثبت من هويتي، فخسرت إقامتي في السعودية. حاولت العثور على عمل في لبنان، ولم يمكن ذلك ممكناً بلا وساطة. فلم يكن أمامي سوى الهجرة". وختم قائلاً: "أحب لبنان، فهو أروع بلد. ولكن تنقصنا دولة تحترم الإنسان وحقوقه".

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية