بتاريخ 19-9-2016، قدّمت الباحثة د. سوسن عبد الرحيم من "الجامعة الأميركية في بيروت" دراسة أعدّتها[1] بالتعاون مع "منظمة العمل الدولية"، عن مقاربة أصحاب العمل لعلاقتهم مع عاملات المنازل. تنبني هذه الدراسة على عيّنةٍ ممثّلةٍ لأصحاب العمل (1200 صاحب/ة عمل غالبيتهم نساء ومن مناطق عدّة)، وعلى مقابلات معمّقة مع 29 صاحب/ة عمل، وتتّصل معظم مخرجاتها بشروط العمل التي تخضع لها عاملات المنازل. ومن هذا المنطلق، تميّزت الدراسة ليس فقط بطابعها العلميّ، إنما أيضاً بكونها تستند على أقوال أصحاب العمل، والتي جاز وصفها بالإقرارات في كثيرٍ من الحالات. وفيما ضَمَن الطابع العلميّ أن تعكس المخرجات الصورة التي يرى أصحاب العمل فيها أنفسهم أو الصورة التي يودّون إظهارها في هذا المجال، فإنّه يرجّح أن تكون هذه المخرجات (أو هذه الصّورة) أقلّ سوءاً ممّا هي عليه في الواقع. ومردّ ذلك هو أن الفئة المُجيبة تميل منطقياً في وعيها أو لا وعيها إلى تجميل صورتها، وليس العكس. ما يعزّز القوّة الثبوتية لهذه المخرجات/ الإقرارات.

ومن أكثر الإجابات خطورة، تلك الآتية:

- أن ما يناهز 38% من أصحاب العمل المستطلعين، صرّحوا أنّ الأجر هو أقلّ من 200$ (في 2% من الحالات، لا يتجاوز الراتب 150$). وأن ما يناهز 80% صرحوا أنه أقلّ من 300$،

- أن ما يناهز 40% من هؤلاء صرّحوا أنهم لا يسدّدون أجور العاملات في آخر كلّ شهر، علماً أن 1% منهم صرّحوا أنهم يسدّدون الأجور عند انتهاء العقد،

- أن أكثر من 73% منهم صرّحوا أن العاملات لا يحصلن على نسخة من العقد الموقّع لدى كاتب العدل، علماً أن الدراسة خلت من أيّ معطيات متّصلة بمدى تطابق الأجر الذي ينصّ عليه العقد مع الأجر المتفق عليه. إذ يحصل في كثيرٍ الحالات أن ينصح كتّاب العدل أصحاب العمل بتخفيض الأجر المذكور في العقد توفيراً للرسم، مما يجرّد العقد من أيّ فائدةٍ حمائيّة،

- أن ما يناهز 94% من هؤلاء صرّحوا بأنهم يحتفظون بجواز سفر العاملة، علماً أن أكثر من 51% منهم عبّروا عن اعتقادهم بأن العقد يسمح لهم صراحةً بذلك، وهو أمرٌ غير صحيح،

- أن ما يزيد عن 57% منهم صرحوا أن العاملات يعملن لسبعة أيامٍ في الأسبوع، ولا يستفدن من أيّ راحةٍ أسبوعيّة. ويشار إلى أن قلّة من المستفيدات من هذه الراحة تتمكّن من الإستفادة منها كما ترغب خارج أماكن العمل. وقد خلت الدراسة من أيّ إجاباتٍ تتّصل بالأعياد والعطل الرسميّة أو العطل السنويّة المدفوعة، ما يعكس تطبيعاً معيناً مع غياب هذه العطل،

- أن ما يزيد عن 11% من أصحاب العمل صرّحوا أنّ العاملات يعملن لديهم أكثر من 10 ساعات يومياً (منهن 3% يعملن أكثر من 12 ساعة)، فيما صرّح ما يزيد عن 53% بأنهن يعملن أكثر من 8 ساعات يومياً. ويُرجّح هنا أن يكون الواقع أكثر سوءاً، ولا سيّما أن الدراسة بيّنت أن 14% منهم أجابوا بأنهم لا يعرفون عدد ساعات عمل العاملات لديهم. وارتفاع نسبة هؤلاء إنما تثبت غياب مفهوم الدوام في علاقات العمل المنزليّ. كما يقتضي بنا أن نقرأ هذه الأرقام على ضوء النسبة العالية للعاملات اللواتي يعملن سبعة أيام في الأسبوع وفق ما أشرنا إليه أعلاه،

- أنّ أصحاب العمل الذين صرّحوا بأنهم يسمحون بخروج العاملة بمفردها في يوم راحتها الأسبوعيّة لا يتعدى 25%. ولم تتضمّن الدراسة المنشورة أيّ إجاباتٍ بشأن إمكانيّة الخروج خلال أيام العمل، بعد إنتهاء الدوام. ويعكس هذان المعطيان تطبيعاً معيّناً مع ظاهرة إرغام العاملات على البقاء في أماكن العمل من دون أن يكون ذلك مرتبطاً بحاجات العمل، فضلاً عن أن هذه الظاهرة هي مؤشرٌ إضافيّ على غياب مفهوم الدوام في هذا النوع من التعاقد،

- أن نسبة الذين صرّحوا أنهم يقفلون على العاملة باب المنزل ناهزت 23.6%، علماً أن 13.9 % منها أقرّوا أنهم يفعلون ذلك دائماً، والبقية قالت إنها تفعل ذلك من حينٍ إلى آخر،

- تؤكّد الدراسة على وجود شبه إجماعٍ لدى أصحاب العمل على رفض حقّ العاملة بالتمتع بحياةٍ خاصّة، على اعتبار أنّهن قدِمن إلى لبنان من أجل خدمتهم، وأنّ أيّ علاقة من هذا النوع ستؤثر حكماً على نشاطهن ومثابرتهن على العمل،

- أن الدراسة تُثبت أن تحديد أجور العاملات يتّصل بالدرجة الأولى بجنسيتهن، فيما يبقى معيار الأقدميّة ذا تأثيرٍ أقلّ. فأغلبية العاملات البنغلاديشيّات والأندونيسيّات يتقاضين أقلّ من 200$ (72% من البنغلاديشيّات و64.3% من الأندونيسيّات)، فيما غالبية الفيليبينيّات يتقاضين أكثر من 300$ (65.4%). ما يكشف تمييزاً عنصرياً في تحديد الأجور.

هذه مجموعةٌ من أبرز مخرجات الدراسة. وهي تسمح لنا بتكوين فكرة عن مدى التعسّف الذي يمارس بدرجات مختلفة على العاملات. ويخرج عنها أنّ عدداً كبيراً من العاملات يعملن بأجورٍ متدنيّة من دون دوامٍ محدّدٍ، ومن دون الإستفادة من راحةٍ أسبوعيةٍ أو من العُطَل المدفوعة. ولا يقبضن أجورهن إلا بعد أشهرٍ من إستحقاقها، ويُمنعن من الخروج من أماكن العمل التي بالإمكان إقفالها عليهنّ، وبشكل أعمّ لا يتمتعن بأيّ حقٍ بالخصوصيّة. يُضاف إلى ذلك أنّ أصحاب العمل يحتفظون بأوراقهن الثبوتية.
إنّ خلوّ الدراسة من بعض الأسئلة مثلما أشرنا أعلاه، كمسألة منح العاملات عطلةٍ سنوية أو عطل في الأعياد الدينية، أو تمكينهن من الخروج في أيام العمل بعد الدوام، إنما يشكل مؤشراً لا يقلّ بلاغةً على حجم التطبيع الحاصل مع كمّ من ممارسات التعسّف في هذا المجال. وبالطبع، ما كان حجم التعسّف هذا ليحصل لولا هشاشة أوضاع العاملات في ظلّ نظام الكفالة المعمول به. ومن هذا المنطلق، جاز القول من دون أيّ مبالغة أنّ هذه الدراسة هي بما تثبته، بمثابة مضبطة إتّهام بانتهاج العمل القسري (وهو شكل من أشكال الإتجار بالبشر)، في حالات كثيرة.

أمام مخرجات مماثلة، التوصية الأولى التي قد تتبادر إلى الأذهان هي مطالبة النيابة العامّة التمييزيّة بمباشرة التحقيقات حول ممارسات العمل القسريّ في العمل المنزليّ في لبنان. فمن غير المقْنع أن يتمكّن فريقٌ بحثيّ من إثبات من هذا الكمّ من المخالفات، فيما تبقى النيابات العامة بما لها من صلاحيات تحقيق وزجر واسعة، عاجزةً عن ذلك. فحتى اللحظة، لا نجد أيّ حالة إتجار بالبشر ضدّ صاحب عمل في أيّ من محاكم الجنايات، رغم انقضاء ما يزيد على خمس سنوات من صدور قانون بهذا الشأن. لكن، هُنا أيضاً، تأتي التوصيّات مُخيّبة وبمثابة مؤشّر آخر على حجم التطبيع مع التعسّف. إذ خلت من أيّ إجراءاتٍ عمليّة لضمان تمتّع العاملات بحقوقهن أو لردع التعسّف الحاصل ضدهن. فالعبارة الوحيدة المتصلة بالضغط على أصحاب العمل للإلتزام بموجباتهم وردت ضمن فقرة مخصّصة لمنح هؤلاء حوافز مالية وإجتماعية، وقد جاءت بصيغة عامّة يصعب ترجمتها بإجراءاتٍ واضحة. وبدلاً من التأكيد على وجوب توعية العاملات وتمكينهن لتعزيز قدرتهن على المطالبة بحقوقهن وعلى الولوج إلى القضاء، نصّت التوصيات على وجوب تعريف أصحاب العمل بحقوقهم وموجباتهم. ورغم أن الدّراسة أثبتت أنّ 40% من هؤلاء انْتهكوا موجبهم الأكثر وضوحاً وجلاءً وهو دفع الأجر شهريّاً، أوصَتْ الدّراسة بإنشاء مؤسّسات عامّة تتولّى تعريف العاملات على حقوقهن، والأخطر من ذلك، تعريفهنّ على مضمون نظام الكفالة، ما يعكس نيّةً في التطبيع معه. وبلغة المنظمات الدوليّة، توصيات كهذه تعني إعادة توجيه الموارد: فبدلاً من أن تُستخدم الموارد في مساعي تعديل التشريعات والأنظمة القانونية خصوصاً في إتجاه إلغاء نظام الكفالة والمساعدة القانونية والتقاضي الإستراتيجي والمناصرة والدعم وتوعية الفئات المنتهَكة حقوقها (الضحايا)، تُستخدم في توعية الفئات المنتهِكة، أملاً في إقناعها بأن تكون أقلّ سوءاً أو أكثر احتراماً لحقوق هؤلاء. بهذا المعنى، يصبح الحقّ مجرّد أمنية، والعمل الحقوقي مجرد استعطاف.

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  شارك في إعداد  الدراسة الباحثة المعاونة زينب شري.