بحسب قانون الجمعيات العثماني الصادر في العام 1909، فإن الجمعيات لا تخضع للترخيص المسبق، بل لنظام العلم والخبر، حيث تنشأ الجمعية بمجرد التقاء مشيئة مؤسسيها وتصبح قائمة تجاه الدولة بإيداع أوراقها (أي بيان تأسيسها: النظام الأساسي والنظام الداخلي وهويات المؤسسين وسجلاتهم العدلية، وأهداف الجمعية وعنوان مركزها) لدى وزارة الداخلية. فـ"المادة 2" من قانون الجمعيات تنص على ما حرفيته: "إن تأليف الجمعية لا يحتاج إلى الرخصة في أول الأمر ولكنه يلزم في كل حال بمقتضى المادة السادسة إعلام الحكومة بها بعد تأسيسها". كما تنص "المادة 6" على أنه "يجبحالاً عند تأسيس الجمعية أن يعطي مؤسسوها إلى نظارة الداخلية بياناً موقعاً ومختوماً منهم يحتوي على نسختين من النظام الرسمي وعنوان الجمعية وبيان مقصدها ومركز إدارتها وأسماء المكلفين بأمور الإدارة وصفتهم، على أن يُعطى لهم مقابل ذلك علم وخبر".وبالتالي، فإن الجمعية تنشأ بمجرد التقاء مشيئة مؤسسيها وبتوقيعهم على أنظمتها، من دون الحاجة إلى أي ترخيص من السلطات الإدارية، حيث يكون كل ما يتوجب على الجمعية القيام به بعد التأسيس، إعلام الإدارة (أي وزارة الداخلية) بذلك. وتالياً، إن القانون واضح وصريح من هذه الناحية، وبمجرد استلام مؤسس الجمعية إيصال المعاملة من وزارة الداخلية بعد تقديمه بيان العلم والخبر الذي يلحق تأسيس الجمعية، يبقى على الإدارة إعطاؤه العلم والخبر بهذا البيان.

وفي فترة ما بعد الحرب، أوجدت وزارة الداخلية ممارسة غير قانونية مفادها استلام الأوراق من دون إعطاء أي إيصال بها. وقد عمدت في هذه الفترة الى تعزيز دور الأمن العام في إجراء الاستقصاءات. فلم يمنح العلم والخبر إلا لجمعيات موالية تحظى برضى النظام السائد آنذاك. وقد تولّى النائب غسان مخيبر وجمعية "عدل" الدفاع عن حرية الجمعيات، وذلك من خلال وسائل عدة: الأولى، التوعية والمشورة القانونية بحيث جوبهت الممارسة الإدارية بعدم استلام الأوراق بممارسة مفادها إبلاغ الوزارة الأوراق بواسطة موظف رسمي يتثبت من ذلك (مباشر) وقد أسهمت هذه المشورة في تأسيس جمعيات كان لها دور أساسي آنذاك كالجمعية اللبنانية لمراقبة ديموقراطية الانتخابات. والثانية، اللجوء الى القضاء لوقف هذه الممارسة. وقد نجح هذا المسعى حين أقر مجلس شورى الدولة في قراره الصادر في 18-11-2003 أن "الجمعية تتمتع بأهلية التقاضي بمجرد تسليمها بيان تأسيسها المذكور في المادة السادسة المذكورة من قانون الجمعيات وبحكم القانون إلى وزارة الداخلية، الملزمة في المقابل تسليم العلم والخبر من دون إبطاء، ولا تتمتع في ذلك بأي سلطة استنسابية، ذلك أن الجمعية تؤسس بإرادة مؤسسيها (...) وإن دور الإدارة يقتصر ما دامت الجمعية مجرد اتفاق، على قبول البيان الذي يقترحه القانون وإعطاء أصحاب الشأن علماً وخبراً وإيصالاً يثبت المعاملات المقررة بالقانون".
وبعد التغير الحاصل في 2005، انتهجت الحكومة توجهاً مختلفاً، بدأت هذه الممارسة بالتغير. وقد تكلل هذا التغيير بالتعميم الذي أصدره في 2006 وزير الداخلية بالوكالة آنذاك أحمد فتفت بإعلان التزام الوزارة بحرية تأسيس الجمعيات. وتراجع إذ ذاك دور الأجهزة الأمنية. وفي 2008، صدر تعميم آخر عن وزير الداخلية آنذاك زياد بارود أكد توقيع العلم والخبر من الوزير فور استلام بيان المؤسسين، على أن يرسل الملف الى الأمن العام قبل تسليمه لهؤلاء.    

نشر في العدد السابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية