25/1/2015 هو يومٌ هام بتاريخ لبنان، حيث سجل خلاله خطوة فريدة في مسيرة العمل النقابي ليس على الصعيد المحلي وحسب بل على مستوى العالم العربي أجمع فقد تم الإعلان عن بداية إشغال المؤتمر التأسيسي لنقابة عاملات وعمال المنازل والتي هي إحدى النقابات المؤسسة للنقابة العامة لعمال التنظيفات والرعاية في لبنان، وذلك في بيروت، منطقة وطى المصيطبة، قاعة رست بالاس، مقابل مقر الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين.

عقد المؤتمر تحت شعارات عدة"إقرار حق التنظيم النقابي لجميع العمال أساس للعمل اللائق، نحو تحقيق العدالة الاجتماعية" وشعارات تدعو الى اسقاط  نظام الكفالة. وقد جاء نتيجة عمل تشاركي استمر سنتين ونصف بين العاملات المنزليات المهاجرات والاتحاد الوطني في لبنان بين أيار 2012 وكانون الثاني 2014. وقد هدف بالدرجة الأولى الى إعادة صياغة العمل على قضية عاملات المنازل في لبنان والسعي الى بلورة خطة عمل وطنية تقوم على تعزيز مشاركة العاملات المنزليات واعتبارهن الشريك الأساسي في الدفاع عن مصالحهن عبر التنظيم النقابي وبالتالي إعادة الاعتبار الى دور الحركة النقابية في التصدي للإنتهاكات وتعديل قانون العمل. وقد تم هذا الجهد بدعم من منظمة العمل الدولي ومشاركة عدد من منظمات المجتمع المدني.

يقارب عدد العاملات والعمال الاجنبيات في المنازل 158000 وذلك بحسب الرقم المعلن عنه من قبل وزارة العمل بالاستناد الى عدد إجازات العمل التي أصدرتها في 2012. ويضاف اليهم العديد ممن يعملون بصورة غير نظامية أي من دون إجازة عمل. وعلى الرغم من هذا العدد الكبير، الا ان هؤلاء يبقون عرضة لحرمانهم من أبسط حقوقهم بالراحة، وحرية التنقل، والأجر اللائق، ولشروط عمل قسري يقرب من العبودية، بفعل غياب الضمانات القانونية. فعدا عن أن قانون العمل اللبناني ما يزال يستثنيهم من حمايته، فان السلطات العامة تمنح بفعل نظام الكفالة، امتيازا لأصحاب العمل من خلال ربط علاقة العمل بصحة الاقامة في لبنان. فبموجب نظام الكفالة، تفقد العاملة حقها بالاقامة في لبنان وتصبح غير نظامية معرضة للتوقيف والترحيل بمجرد تركها العمل، وحتى لو تم الترك على مسؤولية صاحب العمل. وقد بدت السلطات العامة في لبنان من خلال ذلك وكأنها تشرعن الإستغلال الذي تتعرض له شريحة هامة من العاملات المنزليات.

بقمصان قطنية رمادية اللون وقبعات حمراء كتب عليها "نقابة عاملات المنازل" احتشد في القاعة الخاصة بالمؤتمر عدد كبير من العاملات من جنسيات مختلفة من أثيوبيا وبنغلادش وسرلانكا والسودان والفليبين والنبال و الكوت ديفوار، والكاميرون، وقد رفعت شعارات "نريد الحرية" و"كلنا سواسية والتنظيم حق لنا"، "نعم لإقرار وتصديق الاتفاقات الدولية 87 و189"، و"نعم لإلغاء نظام الكفالة". أما السعادة المرسومة على ملامحهم فكانت تشي بأمل كبير بعد سنوات من التواصل والنضال. وكان الاتحاد قد تقدم في وقت سابق (منذ أسبوعين) الى وزارة العمل بطلب ترخيص لتأسيس نقابة بتسمية "النقابة العامة لعمال التنظيفات والرعاية الاجتماعية"، وهي نقابة مؤسسة من أشخاص من التابعية اللبنانية ويفترض أن تشكل "نقابة عاملات وعمّال المنازل" المؤلفة من عاملات وعمل مهاجرين لجنة داخل هذه النقابة.

رأى آدم من "السودان" أن تأسيس النقابة يعني انه بات لديه في لبنان كلمة وان صوته سيصل وقال:"ان هذه النقابة ستعمل على حماية حقوقنا وحقوق العديد من العاملات والعمال الذين لا يعرفون بوجودنا". تحمل مريم من "أثيوبيا" وجعاً كبيراً تتشاطره مع جميع العاملات من بلدها وترى أن هذه الخطوة ترسم طريقاً للمستقبل لكل العاملين في لبنان والذين سيأتون لاحقاً وقالت:"نريد من خلال انضمامنا الى هذه النقابة ان يعرف الآخرون أننا بشر لدينا حقوق مثل جميع الناس ولسنا حيوانات تبحث عن الطعام نريد فقط أن نحسن وضعنا في بلدنا". مضى على وجود ليا من "السنغال" في لبنان نحو 12 سنة الا انها تعترف انه لم يمر عليها يوم شعرت فيه بسعادة مماثلة وقالت:"الناس في لبنان لا يصنفوننا ضمن خانة البشر يحملوننا المسؤولية والذنب بكل شي فإن كنت جيدة فهذا واجبي وان كنت سيئة فالحق علي وحدي بذلك. الآن بت أشعر بالقوة وان أحداً لن يغتصب حقوقي". هربت كازون من "النيبال" من منزل ربة عملها جراء سوء المعاملة وقالت:" كنت أريد 300 دولار معاش الا ان صاحبة البيت لم تقبل سوى ب250 ومع ذلك لم تكن تعطيني راتبي. كنت أريد أن آكل ثلاث وجبات في النهار الا انني لم اكن آكل الا وجبة واحدة عند الصباح فلم يكن أمامي سوى الهرب والآن انا أعمل بصورة غير نظامية وأخشى أن أقع بقبضة الشرطة عسى ان تساعدني النقابة على تحسين وضعي".
لم يكن مفاجئاً غياب أي ممثل لوزارة العمل عن هذا المؤتمر لاسيما بعد أن أشيع عن تهديدات وجهها وزير العمل سجعان قزي الى أعضاء من الاتحاد الوطني لإلغائه تحت طائلة حله بواسطة القوى الأمنية. الاّ ان الوزير لم ينفذ تهديداته، وربما خشي أن يؤثر ذلك على صورته امام ممثلي السفارات والمنظمات الدولية. ولعله استصعب تنفيذ تهديده في ظل حضور المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم ممثلاً بالعقيد كميل نعوم والذي يشكل حضوره دعماً كبيراً لهذه الفئة من المستضعفين. من هنا، اكتفى الوزير قزي بتصريح له لوكالة "فرانس براس" أعلن فيه عدم مباركته لهذه النقابة مستنداً الى حجة ان"القانون اللبناني واضح ولا يحق فيه للاجنبي تأسيس نقابة". وعليه، بدا الوزير وكأنه يختبئ وراء تطبيق القانون لاطلاق العنان لخطاب قمعي. وهكذا بدل أن تقر الوزارة بفشلها الذريع في حماية عمال المنازل وتعتذر عن كل الاستعباد الذي يلقونه في لبنان، جاءت تجابههم بخطاب قمعي في محاولتهم لتحسين أوضاعهم بأنفسهم.

الاّ انه ورغم ذلك، أعرب رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين عن أمله في تغير سياسة الوزارة، فالنقابة باتت بنظره أمراً واقعاً وستباشر عملها مثل أي نقابة لتصبح جزءا من الاتحاد الوطني في المستقبل وقال:"ان هؤلاء الفتيات يأتين الى لبنان بموافقة مسبقة تدخل ضمن القوانين كذلك يحصلون على فيزا وإقامة وعقد عمل وتأمين ضمن القوانين، لكن اهدار حقوقهم والاعتداء عليهم هو أمر خارج القوانين من هنا ضرورة تعديل التشريعات وحصولهم على الترخيص ضمن القوانين". واعتبر عبدالله:"ان الحصول على موافقة وزارة العمل هو أمر مهم الاً أن الترخيص الحقيقي هو الذي يأتي من الشارع والناس والحشود المشاركة في المؤتمر التي تمنح النقابة سلطتها وشرعيتها".

بقي أن نذكر أن المفكرة القانونية كانت تناولت الجهود التمهيدية لتأسيس هذه النقابة في عددها التاسع الصادر في أيار 2013  

الصورة من أرشيف المفكرة القانونية