في عددها رقم 20 الصادر في 2-9-2014، نشرت المفكرة القانونية محضر جلسة محاكمة أشارت فيها رئيسة المحكمة الابتدائية في جديدة المتن القاضية سيلفر أبو شقرا الى تعرضها لتدخل من رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد في عملها القضائي. وقد ورد في المحضر معلومات هامة عن ظروف التدخل والذي عزته القاضية للسيد فهد في عملها القضائي وطبيعته وموضوعه.

المفكرة نقلت الحدث ولم تطالب آنذاك بأي خطوة محددة، فاتحة المجال أمام مجلس القضاء الأعلى ومكتبه الإعلامي لتوضيح حقيقة الأمر والموقف الرسمي ازاءه. فاما يكون الخبر غير صحيح وتكون القاضية المذكورة قد استغلت منصة القضاء للتشهير بأعلى مرجع قضائي عن غير حق، واما الخبر صحيح ويقتضي مساءلة هذا المرجع وطبعا تنحيته أو احاطة سلطته بضوابط تفاديا لتكرار ما حصل على أقل تقدير. وقد اكتفت المفكرة آنذاك بالتذكير بخطورة التدخل "الجرمي" في العمل القضائي، وخصوصا في الحالات التي يتأتى فيها التدخل من مرجع لا سبب لوجوده الا ضمان استقلال القضاء. نشرت المفكرة الخبر تاركة للمؤسسات القضائية التفاعل معه، الا أن هذه الأخيرة لزمت الصمت: فلم يردنا لا توضيح ولا تصحيح ولا أي جواب من أي نوع كان. ولم ينم الى علمنا اتخاذ أي تدبير أو بدء أي تحقيق بحق أي من المعنيين.

ولهذا الصمت تفسيران ممكنان، كلاهما غير مقبول: فاما أن المراجع القضائية سفّهت التدخل في القضاء على خلفية انتشاره وتحوله جزءا من المشهد القضائي، فرأت انطلاقا من ذلك أنه لا يستدعي، رغم كونه جرما، أي تحرك في أي اتجاه. واما أن هذه المراجع استشعرت حرجا عميقا في التحقيق في المسألة على اعتبار أنها تمس برئيس مجلس القضاء الأعلى، فآثرت الصمت. وبذلك، تكون هذه المراجع قد تصرفت وفق قاعدة المجاملة التي هي الباب الرئيسي لانتشار التدخلات في القضاء وعرقلة أعماله.

وما يزيد من مخاوف المفكرة، هو أن هذا الخبر يأتي في فترة تشهد تناميا خطيرا جدا لصلاحيات مجلس القضاء الأعلى وبوجه خاص لرئيسه، وتاليا للهرمية القضائية وما يستتبعها من انقاص من ضمانات استقلالية القضاة إزاء كبار القضاة. وهذا ما سعت المفكرة الى اثباته في أعدادها المتتابعة والتحذير من مخاطره. فما معنى أن تحمى استقلالية القضاة إزاء السلطات السياسية اذا وجد القضاة أنفسهم عرضة لتدخل المؤسسات القضائية من دون رادع؟ وبكلمة أخرى، ما معنى ضمان الاستقلالية الخارجية للقضاة في حال تمت استباحة استقلاليتهم الداخلية؟ ومن أهم ما حذرت منه المفكرة مؤخرا المرسوم الحكومي الآيل الى انشاء أمانة سر لمجلس القضاء الأعلى والتي تشكل من منظور المفكرة أداة تتهدد حقيقة الاستقلالية الداخلية للقضاء. ومن دواعي قلق المفكرة أيضا الشروط المعلنة لمباراة الدخول الى القضاء والتي بات فيها لمجلس القضاء الأعلى ولرئيسه طبعا هامش كبير في التأثير على نتائجها من خلال إيلاء وزن أكبر للامتحانات الشفهية.
   
إزاء هذا الصمت، من واجب المفكرة أن تنبه الرأي العام مجددا الى خطورة المسألة وأن تطالب هيئة التفتيش القضائي والنيابة العامة المختصة بالتحرك. كما تدعو في الوقت نفسه مجمل الوسائل الإعلامية إيلاء المسألة ما تستحق من اهتمام. ثمة حاجة ماسة أن نعمل اليوم للحدّ من التدخلات في القضاء ومع ما تستتبعه من غلبة لأصحاب النفوذ وقهر للمواطن

 نشر في العدد الواحد و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

الصورة منقولة عن موقع al-akhbar.com