وُضعت القوانين التي تنظّم ساحل بيروت خلال الإنتداب الفرنسيّ. وقد صاغ القرار رقم 144 الصادر عن "مكتب المفوّض السامي للجمهورية الفرنساوية" سنة 1925 حقوق الوصول إلى الموارد الطبيعيّة، محدّداً "الأملاك العموميّة" بأنها "جميع الأشياء المعدّة بسبب طبيعتها لإستعمال مصلحةٍ عموميّة. وهي لا تُباع ولا تُكتسب ملكيتها بمرور الزمن."يُصنّف القرار البحر كمجالٍ عامّ غير قابلٍ للإنتقال، ويمتد الشاطئ إلى أبعد مسافةٍ يصل إليها الموج في الشتاء بالإضافة إلى شواطئ الرمل والحصى.
منذ ذلك الحين، ومن ضمن القرار نفسه، سجّل إرث الإستثناءات القانونيّة ظهوره،إذ فتح القرار مجالاً لإشغال الملك البحريّ العام.فعلى الرغم من تثبيت شروطٍ تؤكد أهمية الحفاظ على طبيعة الشاطئ والحقوق العامّة، جاءت المادة 14 من القرار على الشكل التالي: "يمكن للدولة أو البلديات أن ترخّص على أملاكها العمومية بصفة مؤقتة قابلة للإلغاء ومقابل رسمٍ ما بإشغال قطعةٍ من الأملاك العمومية إشغالاً شخصياً مانعاً، لا سيما إذا كانت المسألة تتعلّق بمشروعٍ ما. يعتبر المشروع إمتيازاًإذا كان مُنشأ كمصلحةٍ عمومية (...) بشرط المحافظة على حقوق الأخرين".
 
تفاقم "الإمتيازات"
بدأت الإمتيازات والإستثناءات تتفاقم في عمليات التشريع المتتالية، ما أدّى إلى بروز عددٍ من التناقضات القانونيّة. ففي العام 1966، صدر نظام إشغال الأملاك العامّة البحريّة عن مجلس الوزراء اللبنانيّ في المرسوم رقم 4810. يبدأ المرسوم بالتالي: "المادة 1: تبقى الأملاك العامّة البحرية باستعمال العموم ولا يُكتسب عليها لمنفعة أحدٍأيُّ حقّ يخوّل إقفالها لمصلحة خاصة". لكن الهدف من المرسوم كانالسماح بتخصيص جزءٍ من الشاطئ لإستعمال أفرادٍ أو مجموعات، ما أدّى إلى تغييرٍ جذريّ في طبيعة الساحل اللبنانيّ بأكمله. فيسمح المرسوم لصاحب عقارٍ ملاصقٍ للأملاك العموميّة البحريّة بأن يستخدم المساحة العامة ويشغّلهامن أجل منفعةٍ خاصّةٍ، "على أن يكون عملاً إستثنائياً يمكن تطبيقه في حالاتٍ خاصّة".
وُضعت شروطٌ لذلك، أولها يملي أن يكون المشروع ذا صفةٍ عامّةٍ وسياحيّةٍ. وبطبيعة الحال، كان المبرّر حينها تشجيع قطاعَيّ السياحة والخدمات. ومع ذلك، شدّد المرسوم في أسسه العامة على أن لا يشكّل إستثمار الشاطئ البحريّ "عائقاً لوحدة الشاطئ في حال وجود مساحاتٍ يتوجّب إبقاؤها مفتوحة للعموم". إذا قمنا بنزهةٍ على طول الشاطئ اللبنانيّاليوم، يتبيّن لنا أن الشاطئ كان موّحداً بالفعل، وأصبح مليئاً بالعوائق. فإذا أخذنا مدينة بيروت كمثال، نجد أنّ 75% من شاطىء بيروت الإدارية أصبح غير متاحاً للعام.أغلق بوجه العموم، وذلك بفعل هذا المرسوم وكيفية تطبيقه.    
ورغم "تسامحه" مع الإستثمار، نُظر إلى المرسوم بصفته "عائقاً" أمام المزيد من الإستثمار. ولذلك، كرّت، وما زالت تكرّ، سلسلة الإستثناءات. فاستُهدف معدّلالإستثمار السطحيّ والعام على الأملاك البحريّةالذي سمح به المرسوم،بحجّة أنه غير كافٍ لما سمّي لاحقاً بالمشاريع الكبرى.
في العام 1995، صدر القانون 402 القاضي بإستثناء إنشاء الفنادق من بعض أحكام قانون البناء، الذي سمح بمضاعفة عامل الإستثمار في مشاريع الفنادق في العقارات ذات مساحة أكبر من عشرين ألف مترٍ مربّع،والواقعة بين الأملاك العمومية البحريّة والطرق الساحليّة الرئيسيّة.ويتوجب على مَن يرغب بالإستفادة من الأحكام الإستثنائيّة المنصوص عليها في هذا القانون أن يتقدّم بطلب مرسومٍ إستثنائيّ بموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدنيّ ومجلس الوزراء. كانت حِجّة إصدار هذا القانون وقتها إعادة إطلاق عجلة الإقتصاد اللبنانيّ، بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحرب الأهليّة.
 
.. واليوم، شاطئ كفر عبيدا
ثلاثة تشريعاتٍ صدرت في مراحل وحقبات مختلفة (القرار 1441925، المرسوم 48101966، القانون 4021995)، لم تعد تعبّر اليوم عن حاجاتنا، ولم تعد كفيلة بحماية حقنا في الولوج الحرّإلى الشاطئ، والإستمتاع المتساوي بالمساحات الخارجيّة الطبيعيّة في مدننا وبلداتنا. هذه التشريعات الثلاثة هي التشريعات الأساسيّة التي تعتمد عليها المشاريع الإستثماريّة الراهنة التي تقضي تدريجيّاً على ما تبقى من الشاطئ اللبنانيّ.
إلا أن العامين الآخيرين شهدا بروز حملاتٍ في مدنٍ وقرى لبنانيّةٍ عديدةٍ وضعت قضية الدفاع عن الشاطئ ضمن أولوياتها. منها، نذكر: المطالبات للدفاع عن ملّاحات أنفة بوجه بناء مشروع تجاري ضخم (مول)، ومدافن الأرمن في جبيل حيث منوي إقامة منتجع بحريّ خاص، وشاطئ طبرجا حيث يخطط مشروع سياحيومارينا، وشاطئ برج حمّود حيث يُحكى بمشروع "لينور" المخطّط له منذ سنوات التسعينيات، ودالية بيروت بوجه مشروع "مول" وشاليهات ومارينا لليخوت، وشاطئ الرملة البيضاء بوجه الخصخصة، وساحل صيدا حيث يتم ردم البحر على أهم موقعين تاريخيّين في المدنية، وشاطئ عدلون التاريخي المهدد بالدمار بسبب مشروع ميناء لليخوت، واليوم شاطئ كفر عبيدا. تلك الحملات تشكّل الدليل ليس فقط على فساد مؤسّسات الدولة وفشلها، وإنّما أيضاً على إشكاليّة القوانين القائمة والمتناقضة التي تجد فيها المشاريع الخاصة ركيزةً قانونيّة لها.
مشاريع كهذه، لا سيما المشروع المنوي إقامته على شاطئ كفر عبيدا، لا تمثّل سوى تجسيداً للجشع الذي حفّز عمليات البناء على كامل الساحل اللبنانيّ. وصارت القاعدة في صياغة إستثناءا للقوانين بغرض تثبيت هيمنة قلّةٍ من المستثمرين على إقتصاد البلد،وتحكّمها بحقّ السكّان في التواصل مع بيئتهم الطبيعية وتأسيس عيشهم ومدخولهم عليها.
في ظلّ تكثّف الإستثمارات على الشاطئ اللبنانيّ وضيق المتبقي منه للعامّة، صار مطلوباً اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى إطلاق حملةٍ وطنيّةٍ تعمل على تغيير قاعدة "الإستثناء"، وإنتاج خطابٍ مطلبيّ من شأنه أن يلبّي حاجات المواطنين والإستجابة لمختلف رغباتهم المشتركة. يمكن للقانون أن يكون مدخلنا لفتح نقاشٍ واسعٍ حول تعريف المصلحة العامّة، وبدائل التنمية المتوازنة، التي بحجّتها تُرسَم المشاريع وتُصدَر المخطّطات.

لذلك، هذه دعوةٌ من فريق حملة الدالية إلى كافة المهتمين والحريصين على الشاطئ اللبنانيّ، للعمل بشكلٍ تعاونيّ على البدائل. بإمكانكم /ن مراسلة الحملة عبر البريد الإلكترونيّ التالي للمتابعة والمشاركة:
info@dalieh.org
 
لقراءة المزيد عن القضايا المختلفة:


 نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية