بتاريخ 23/6/2016، أصدر القاضي المنفرد الجزائيّ في جبيل فادي ملكون حكماً في قضية عدم إغاثة المواطن إبراهيم شقير الذي وصل إلى باب المستشفى مصاباً بكسورٍ بليغة، لعدم توفر المال لديه. وكان شقير قد أصيب في العام 2006 إصابةً بليغة جرّاء إنقلاب صخرةٍ عليه، بينما كان يعمل في أرضه. على الأثر، طلب إبنه أحمد الذي كان برفقته النجدة من "الصليب الأحمر". وقد جهد هذا الأخير لنقله الى مستشفى قريب كونه يعاني من نزيف، فتوجه أولاً إلى "مستشفى المعونات". إلا أن مسؤولة قسم الطوارئ في المستشفى أعاقت دخول المصاب من باب القسم، مانعةً المسعفين من إدخال شقير. وقد فارق الأخير الحياة بعد 4 دقائق من مغادرته المستشفى. ومنذ ذلك الحين، أيّ منذ ما يزيد عن 10 سنوات، رزحت الدعوى المقدّمة من قبل الورثة أمام القضاء الذي أصدر أخيراًقراره.
 
مضمون الحكم
اعتبر القاضي ملكون في قراره أن الدليل المقدّم من قبل الورثة غير كافٍ لإثبات أن امتناع المستشفى عن استقبال شقير هو ما أدّى الى وفاته، أيّ أن تدخّل المستشفى في إسعافه كان ليحول دون هذه الوفاة. وعليه، رفض القاضي الحكم على مسؤولة قسم الطوارئ بجرم التسبّب بالوفاة، مكتفياً بإدانتها بجرم الإمتناع عن الإغاثة سنداً للمادة 567 من قانون العقوبات. وبينما عقوبة الامتناع عن الإغاثة هي الحبس لمدة تتراوح ما بين شهر وسنة بالإضافة إلى غرامة تتراوح قيمتها ما بين مئتي ألف ومليوني ليرة، أو واحدة من هاتين العقوبتين، فإن القاضي اكتفى بالحكم على مسؤولة قسم الطوارئ بغرامة قدرها مليون ليرة فقط. كذلك، اكتفى القاضي ملكون بتغريم الجهة المالكة للمستشفى، أيّ "الرهبانية المارونية"، بمبلغ قيمته مليوني ليرة لبنانية بصورة تبعية، بناء على المادة 210 عقوبات التي تنصّ على: "أن الهيئة المعنوية مسؤولة جزائياً عن أعمال (...) وعمالها عندما يأتون هذه الأعمال بإسم الهيئات المذكورة أو إحدى وسائلها". في المقابل، وإزاء هذا التسامح النسبيّ في تحديد المسؤولية الجزائيّة والعقوبات، أبدى القاضي ملكون حرصاً على جبر ضرر الورثة، ملزماً المستشفى بتسديد مئة مليون ليرة لهم، تعويضاً عن الضرر المعنوي الذي تكبدوه نتيجة إمتناع المستشفى عن إغاثة والدهم.
 
وملاحظات عليه..
يستدعي هذا الحكم الملاحظات الآتية:
  • كرّس القاضي ملكون المسؤولية عن الأضرار المعنوية كجزءٍ لا يتجزأ من مسؤولية المستشفيات عن تبعات أخطائها بحقّ المرضى و/أو أسرهم. فقد اعتبر ملكون أن مجرد شعور ورثة شقير بـ"حسرة كبيرة نتيجة اعتقادهم المشروع أنه كان بالامكان إنقاذ حياة مورثهم فيما لو جرى إسعافه وفقاً للأصول..."  يشكل ضرراً معنوياً تتحمل مسؤوليته المستشفى بالتضامن مع مسؤولة قسم الطوارئ، وتلتزمان بالتعويض عنه. وبالتالي، ربط بين الإمتناع عن الإغاثة والإعتقاد بإمكانية إنقاذ الوالد، ليقرّ بالمسؤولية المدنية عن الضرر المعنويّ. كما اعتبر أن هذا الإعتقاد مشروعٌ بالنسبة إلى الأبناء لتعويضهم معنوياً، حتى ولو رأى القاضي في مكانٍ آخر أن صحّة هذا الإعتقاد غير ثابتة. وبذلك، بدا القاضي وكأنه حريصٌ على التعويض على الجهة المتضررة وإنصافها، رغم عجزها عن تقديم إثبات حول تسبب عدم إنقاذ المريض بالوفاة.
  • أفرد القاضي مساحةً واسعةً لتوصيف الطبيعة الأخلاقية لمهنة التمريض وقسم الطوارئ في أيّ مستشفى. وفي هذا المجال، ذهب ملكون إلى حدّ تضمين حكمه حيثية مفادها أنه على الموظف أن يرفض تنفيذ الأوامر التي قد يتلقاها من رئيسه، في حال كانت مخالفة لأخلاقيات الدور الذي يؤديه. وهو أعاد بالتالي ترتيب أولويات الموظف في قسم الطوارئ، بشكل تعلو فيه الممارسة الأخلاقية والاحترافية لمهنة التمريض على موجب تلقي الأوامر من الإدارة. بهذا المعنى، جاء في القرار أنه "(...) كان يتوجب عليها (أيّ، رئيسة قسم الطوارئ) إدخال المصاب إلى قسم الطوارئ من دون انتظار أيّ موقفٍ من قسم الدخول، وأنه على فرض وجود قرار أو توجيه إداري من قسم الدخول إلى المدعى عليها بعدم استقبال المصاب في قسم الطوارئ، فإن مثل هذا القرار أو التوجيه لا يؤلف بحد ذاته سبباً تبريرياً للمدعى عليها من شأنه أن يعفيها من موجب الإغاثة الملقى على عاتقها... سيما وأنها وجدت بمواجهة شخص في حالة الخطر وأنه كان بالإمكان بحكم كونها ممرضة ومن صلب مهامها الطبية والفنية والإنسانية والأخلاقية ألا تلتزم قرار قسم الدخول...".
  • في المقابل، وبقدر ما توسّع القاضي في ضمان حقوق الجهة المتضرّرة أو تكريس الموجبات الأخلاقية للعاملين في الطب والتمريض، بقدر ما اعتمد قراءةً ضيّقة في مجال المسؤولية الجزائية، سواءً لجهة التثبّت من حصول الجرم أو لجهة العقوبة. إذ بدت حساسيّة القاضي العالية إزاء مخالفة أخلاقيّات مهنة التمريض، في حال انفصالٍ عن العقوبة التي قرّرها. ففيما تعاقب المادة 567 عقوبات على عدم إغاثة شخص في حال الخطر بالغرامة، أو بالحبس الذي قد يصل حتى سنة، أو الإثنين معاً، حدّد القاضي العقوبة بغرامة مليون ليرة لبنانية فقط. ومن هذه الزاوية، بدت العقوبة في تعارضٍ مع مبدأ تناسب العقوبة مع خطورة الجرم (الإمتناع عن إغاثة شخص)، وخصوصاً عند ارتكابه من قبل شخص يمتهن الإغاثة (ممرضة ورئيسة قسم طوارئ). فهل يعقل أن يعاقب فعلٌ كهذا من شأنه في حالاتٍ معينة (وربما في هذه الحالة أيضاً) أن يؤدي إلى وفاة إنسان بعقوبةٍ محض شكليّة؟ ألا يتوجّب في حالاتٍ كهذه إختيار العقوبة الأقسى المتاحة، وذلك في سبيل ردع هذه الممارسة بالغة الخطورة وغير الإنسانية والتي بات يعتمدها للأسف عددٌ كبير من المستشفيات؟
  • على صعيدٍ آخر، يعكس القرار القضائيّ سعياً إلى التخفيف من المسؤولية الجزائيّة للمستشفى التي تعود إلى "الرهبانية المارونية". وقد تجلى ذلك في أمرين اثنين: أولا، تجنّب القاضي البحث في مدى وجود مسؤولية مباشرة من قبل المستشفى في الامتناع عن إغاثة المصاب، وثانياً، الإكتفاء بتحميل المستشفى مسؤولية تبعية على أساس المادة 210 عقوبات، وهي المسؤولية الجزائية التي تتحملهاﺍﻟﻬﻳﺋﺎﺕ ﺍﻟﻣﻌﻧﻭﻳﺔ عن الأعمال التي يقوم بها مستخدموها باسمها. والحكم على هذا الوجه هو في عمقه بمثابة تبرئة معنوية للمستشفى من الاشتراك الفعلي بالجرم.
وفي هذا السياق، يقول وكيل ورثة الضحية المحامي خالد مكي لـ"المفكرة القانونيّة": "الخصم لم يكن سهلاً، فهو الرهبانية المارونية". يضيف: "ليس من السهل أن يقول القاضي أن الرهبانية المارونية (بصفتها الهيئة المعنوية الممثلة لمستشفى المعونات) إمتنعت عن إغاثة شخص أو تسببت بوفاته". يجد مكي أن ملكون كان شجاعاً باصداره القرار أخيراً. فقبله، "مرّ الملف على 10 قضاة بين النيابة العامة والمحكمة، بينما الذين اتخذوا قرارات سيّرت الملف قلة قليلة". يضيف، أخيراً: "القضاة بدوا عموماً أكثر رغبة بإجراء مصالحة مع المستشفى من الحكم في الدعوى. وقد أطالت هذه الرغبة أمد الدعوى لتصل إلى عشر سنوات". تصريح مكي، الذي استأنف القرار نفعاً للقانون وفقاً لقوله، ليس تفصيلاً عابراً، وهو بدا بمثابة اعتراض على واقع مكروه أكثر مما هو مرافعة لصالح الموكل. فكثيرة هي القضايا التي تبرز مدى اتساع سيطرة الهيئات الدينية وتأثيرها على القضاء وتداخلها معه. وربما يكون القرار سعى في هذه القضية إلى التوفيق بين جبر ضرر الضحية مع التخفيف قدر الممكن من حدّة المواجهة مع "الرهبانية المارونية"، فلا تدان لا بالتسبب بوفاة الضحية ولا مباشرة بالامتناع عن إغاثته، وإن ألزمها القاضي بتسديد تعويضات مرتفعة نسبياً. وكانت النتيجة أن اجتمعت في الحكم ميزتان قد تبدوان متناقضتين: فمن جهة، مراعاة حقوق الضحايا، ومن جهة ثانية، تساهل فائق في الحق العام والذي تمثل في تخفيف غير مبرر للعقوبات المحكوم بها.
 
بقي أن نتساءل في ختام هذا المقال، وفي ظل العقوبات الخفيفة المحكوم بها، حول ما إذا كانت العدالة تقتضي إجراء تعديلٍ على المادة 567 في اتجاه تشديد عقوبة ممتهني الإغاثة من الجسم الطبيّ (مستشفيات وعاملون في مجال الطوارئ)، نظراً إلى الخطورة الفائقة لمخالفاتهم في هذا المجال.

يمكنكم/ن أيضاً قراءة: قضيتا إيلا وصوفي تنتظران التقارير: لا آليات رقابةٍ فاعلة على عمل المستشفيات

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية