بعد إنتظار أن يبت قاضي التحقيق الأول في المحكمة السعكرية رياض أبو غيدا نهار الجمعة 16/10/2015 في طلبات إخلاء السبيل للموقوفين الخمسة في مظاهرة 8/10/2015 جاء القرار سياسياً بإمتياز. فقد أفضى الى إطلاق سراح ثلاثة أشخاص وأبقى على وارف سليمان وبيار الحشاش قيد التوقيف.

وعلى الرغم من أن هذا القرار جاء محبطاً للناشطين المعتصمين أمام المحكمة العسكرية منذ نهار الاثنين الفائت، الا أن الامر لم يكن مستبعداً، لا بل إنه جاء ليفضح محاولة السلطة المستمرة لضرب الحراك الشعبي والسعي لإنهاكه وتشتيت أهدافه. والأهم من كل ذلك أنه أعاد الى النور مجدداً موضوع "صلاحيات المحكمة العسكرية لا سيما في محاكمة المدنيين ومدى استقلاليتها وعدالتها في إصدار أحكامها".

ميدانياً، أثار قرار القاضي أبو غيدا غضب لجنة المحامين والناشطين على حد سواء وقد تجمع أهالي بيار الحشاش ووارف سليمان وأصدقاءهما أمام المحكمة العسكرية نهار الجمعة في اعتصام تضامني غاضب. على أن حالة اليأس والغضب بلغت ذروتها لدى الشاب محمد حرز فأقدم، وبمبادرة فردية منه لا علاقة للحراك بها، على إحراق نفسه بعد ان سكب عليه مادة البنزين وكاد أن يتسبب بحرق صديقه يوسف الجردي الذي كان ملطخاً أيضاً بالبنزين. وصودف وجود فتاة على مقربة من "حرز" لحظة اشتعاله بالنيران فتسبب بحرق جزء من شعرها. وقد حاول الشاب إياد الشيخ حسين إطفاء "حرز" فإنزلق الى النيران قبل أن ينجح مما أدى الى إحتراق يديه حرقاً درجة ثانية. وتم نقل المصابين الى مستشفى "الجعيتاوي" لتلقي العلاج المناسب.
اذاً كيف يقرأ الناس  قرار القاضي "رياض أبو غيدا"، وما هو موقفهم من محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية وكيف السبيل الى منع هذا الأمر. أسئلة طرحتها "المفكرة القانونية" على عدد من الناشطين والمحاميين المشاركين في الحراك الشعبي.

يرى المحامي واصف حركة في عملية اطلاق سراح الموقوفين على دفعات محاولة لانهاك الحراك من خلال إنشغال الناشطين في متابعة الموقوفين. الاّ انه يؤكد فشل هذه الخطة ويقول: "هذا كان هدفهم ولكنه انقلب عليهم لانه فتح أمامنا معركة كنّا بصدد تأجيلها بعض الشيء هي معركة تسييس القضاء واستغلاله. نحن لن نسكت ولن يقوموا بإنهاكنا وسوف يستعيد الحراك نشاطته من خلال عودة التحركات في بيروت والمناطق."

يجد حركة أنه:"يتم توسيع صلاحيات المحاكم العسكرية بشكل مخيف ويجب الحد من ذلك وعدم محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية لانه لا يتوافر للمتهم شروط حق الدفاع التي منها موضوع التمثيل وأنه لا يوجد هيئات استئنافية. كما ان القضاة الذين يسيطرون على المحكمة هم عسكر أكثر مما هم قضاة ولا يملكون شهادات في الحقوق فضلاً عن الظروف الخاصة المرتبطة بعمل هذه المحاكم". وأشار الى أن: "الصراع سيكون طويلاً للحد من صلاحيات المحكمة العسكرية لمحاكمة المدنيين"، وأنه:" بإمكان القضاء العدلي ان يضع يده مباشرة على الملفات ويأخذ الاختصاص له وهذا برسم النيابة العامة التمييزية. وبإمكانها عندما تطلب الملف من مفوض الحكومة أن تضع يدها عليه وبالتالي وان تحقق فيه الى حين تصحيح المسار".

تؤكد المحامية نادين موسى ان الابقاء على وارف سليمان وبيار الحشاش قيد الاعتقال جعل منهم "معتقلي رأي" وأن قرار توقيفهم هو"سياسي بإمتياز". وعن صلاحيات المحكمة العسكرية قالت: "أبدت لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة منذ 1997، قلقها الشديد من توسع صلاحيات المحكمة العسكرية خاصة فيما يتعلق بالمدنيين وطالبت الدولة اللبنانية التوقف عن ملاحقة اي من المدنيين امام القضاء العسكري. وان هذا التوسع خطر جداً على الديمقراطية والنظام الديمقراطي ودولة القانون والمؤسسات وهو انتهاك كبير للدستور اللبناني". وشددت على ضرورة ان "تكرس استقلالية القضاء المصانة في الدستور، اذ إن الجسم القضائي لا يزال تحت قبضة السلطة السياسية لاسيما التنفيذية لذا يجب المطالبة بإستقلالية القضاء وتعديل صلاحيات المحكمة العسكرية التي هي محكمة استثنائية. وبالتالي يجب ان ينحصر عملها بالنظر في القضايا الاستثنائية التي تتضمن الجرائم ضد امن الدولة الخ..".

"يظنون انهم عن طريق الاعتقالات بالامكان ان ينالوا من ارادة الشباب وارادة الحراك، ولكن تبين العكس تماماً" هذا ما يشدد عليه النقابي حنا غريب. ويتابع قائلاً:"لقد استطاع هذا الحراك ان يمتص هذه الضربة وينتقل من الدفاع الى الهجوم. لكن هذا الهجوم يجب ان يكون فيه برنامج وان يقوم بتنظيم وضعه". وفيما خص صلاحيات المحكمة العسكرية ان هناك حاجة الى"المزيد من الضغط الشعبي لكسر هذا النظام القمعي" وان يطرح الحراك نفسه كبديل عن السلطة العاجزة. وقال:"نحن نواجه نظام الفساد، ونظام نهب المال العام، ونظام القمع. يجب كسر هذا النظام القائم على هذا المثلث. عندما تلجأ السلطة الى القمع معنى ذلك أنها باتت عاجزة عن حل أي مشكلة من مشاكل اللبنانيين، ولكن المشكلة بالبديل عنها. يجب على هذا الحراك عوضا عن ان يستمر "بالمطالبة"، ان يلعب دور المبادر ويطرح نفسه بديلاً للتغيير. وهو ان لم يقم بطرح نفسه على هذا النحو فهو سوف يبقى مكانه او يتراجع الى الوراء".

تجد الناشطة نعمت بدر الدين أن "القضاء تحول الى أداة بطش بيد السلطة وخصوصاً القضاء العسكري، فهو  يعلم ان هذه السلطة فاسدة وساقطة أخلاقياً ولا يزال يستمر بحمايتها عبر اعتقالات عشوائية غير قانونية". وحمّلت وزيري الداخلية والعدل مسؤولية حادثة إحراق الشاب محمد حرز لنفسه. وعن محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية قالت: "ان مجرد ربط اي شيء يحصل معنا بالمحكمة العسكرية معناه انهم يقومون بتجريدنا من صلاحياتنا. نحن نصرّ على انه ان كانت هناك محاكمات فيجب أن تقام أمام المحاكم المدنية. وأضافت: "ان نزولنا الى الشارع هو من أجل اصلاح كل هذه المؤسسات ومنها القضاء وبالتالي نرفض طبعاً محاسبة المدنيين أمام القضاء العسكري. ونتوجه للقضاء العسكري ونقول له أننا لا نقبل أن يهان هذا القضاء فيكفي هذه الممارسات وأن يكون أداة. والى القاضي "ابو غيدا" نقول أن هذا القرار سيتبعك الى التاريخ".

يرى الناشط وديع الأسمر في اعتقال وارف وبيار،" إعلان من قبل السلطة السياسية بتحكمها في القضاء ومحاولة لانهاك الحراك. وعن مسألة مثول المدنيين أمام المحكمة العسكرية قال:" فيما خص الشباب اليوم لا يجب أن يحاكموا لا أمام المحكمة العسكرية ولا المحكمة المدنية، فهم قد تمّ توقيفهم أثناء ممارستهم لحقهم في التظاهر. أما في الاطار الأوسع للموضوع فإن المحكمة العسكرية في لبنان هي خارج القانون وخارج الدستور والقوانين الدولية ولا يجب ان تكون موجودة. وللأسف فإن إصلاحها هو اصلاح للدولة بأسرها والنظام ككل. واليوم ان كانت الدولة تبقيها لأنها تحت خدمتها ولتعاقب بها المدنيين في حالات مثل هذه الحالات".

يعتبر الناشط الياس ابو مراد أن الذي حصل مع وارف وبيار "هو تكريس للنظام القمعي الذي كان معتمد ايام النظام السوري الذي كان موجود وربما أسوء". وقال:"من الواضح ان توقيف الشباب هو سياسي، ولا أعلم إن كانوا يحاولون اسكاتنا بعملية الإطلاق التدريجية للموقوفين. ولكن الناس باتت تشعر بالقرف من السياسيين ومن العسكريين والأمنيين ومن القضاء. وعن صلاحيات المحكمة العسكرية، قال:"أنا لست محامي ولا أعرف عنها الكثير إلاّ أننا لا نريد هذه المحكمة على النحو الذي هي عليه اليوم. فاذا ارادت الاستمرار يجب ان تشهد تغييرات جذرية وإلاّ فلتلغى المحاكم الاستثنائية ونقوم بخلق محاكم عدلية متخصصة".

على عكس باقي الناشطين والحقوقيين لا يجد المحامي مروان معلوف الظرف مناسب للحديث عن اصلاح داخل المحاكم العسكرية ويقول:"الآن ليس وقتها. فهذا الامر يحتاج معركة طويلة أما معركتنا الآن فهي اطلاق سراح الموقوفين. ان إلغاء المحكمة العسكرية بحاجة الى قانون وفي ظل وجود مجلس نيابي غير شرعي لا يمكن تمرير هكذا قانون. نحن طبعا، نرفض مثول المدنيين أمام المحاكم العسكرية، لكن المعركة اليوم هي للافراج عن الموقوفين. ان توقيف وارف وبيار تم قبل وقوع اي عملية شغب. والتهمة التي وجهت اليهم هي انهم قاموا بالمساس بالشريط الشائك ولديهم إرادة الدخول الى ساحة النجمة؛ فما هي هذه التهمة وأين أصبحنا؟ نعود ونكرر إن أراد القضاء الاستمرار بمحاكمته للمتظاهرين ليفرج عنهم ثم يقوم بمتابعة التحقيقات والمحاكمات".

"لأنو الشريط هزن... نازلين نهز الشريط" كان هذا شعار الاعتصام الذي نفذه الحراك المدني  عند الساعة الخامسة من بعد ظهر السبت 17/10/2015 في ساحة رياض الصلح. وكانت الخطة الأبرز إقدام محاميو الحراك على المشاركة في هز "السياج" وذلك تعبيراً عن رفضهم للقرار الجائر بحق سليمان والحشاش. كما شهد الاعتصام توزيع الورود على القوى الأمنية في محاولة لتأكيد الناشطين أن المشكلة الأساسية ليست معهم وإنما مع السلطة القابضة على زمام الوضع المهترئ في هذا البلد.

اذاً في بلد تعاني فيها السلطة من فساد مستشري، يصبح القمع الأداة الامثل لمنع الناس عن المطالبة بحقوقهم الأساسية. وعندها يصبح التمرد على الفاسدين جريمة عنوانه "هز الشريط"، فيما المخاطر المتوقعة مع مجيء الشتاء الى لبنان  في ظل استمرار أزمة النفايات لا تعد جريمة تهزّ ضمائر المسؤولين المخلّين في واجباتهم.