خلال شهري نيسان وأيار الماضيين صدرت ثلاثة قرارات عن محاكم الجنايات في منطقتي بيروت والبقاع آلت كلها الى استكمال سلسلة الدومينوالتي كانت قد بدأت العام الماضي مع صدور قرارات من محاكم مختلفة في لبنان أقرت كلها مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" في قضايا الإدمان على المخدرات[1]. وكان قد مهد لبدء هذه السلسلة قرار لمحكمة التمييز في 03/10/2013، سبق للمفكرة القانونية أن ألقت الضوء عليه[2].
 
القرار الأول، صدر عن محكمة الجنايات في بيروت التي ترأسها القاضية هيلانة اسكندر، بتاريخ 23/04/2015، وآل الى وقف السير بإجراءات المحاكمة في حق عدد من الشبان المدعى عليهم على أساس تعاطيهم لمادة مخدرة، وذلك بعد فصل ملفاتهم عن ملف سائر الأشخاص المتعاطين والمروجين المتهمين في الدعوى عينها، وذلك تمهيداً لإحالتهم أمام لجنة مكافحة الإدمان للخضوع لاجراءات العلاج. ومن المعلوم في قضايا المخدرات، أنه غالباً ما تتم ملاحقة الأشخاص المتعاطين مع المروجين والتجار الذين زودوهم بالمادة المخدرة على خلفية التلازم بين أفعالهم الجرمية. وفيما يفرض القانون إفساح المجال أمام الشخص المدمن للعلاج قبل انتهاء المحاكمة (أي وقف الملاحقة ضده)، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمروجين الذين يتعين الاستمرار في ملاحقتهم. وعلى ضوء ذلك، طلب الأشخاص المتعاطون الراغبون بالعلاج فصل دعاويهم عن الآخرين تمكيناً لهم من متابعة علاجهم، فاستجابت المحكمة لطلبهم هذا فوراً. واللافت في قرار الفصل، هو أنه الأول من نوعه الذي يصدر في هذا الاتجاه عن هذه المحكمة، الأمر الذي يؤشر الى مدى تفهمها لخصوصية استعمال المخدر. ولم تتردد المحكمة عينها في إصدار قرار ثانٍ مماثل للقرار المذكور بتاريخ 30/04/2015 (أي بعد أسبوع فقط).
 
أما القرار الثالث، فصدر عن محكمة الجنايات في البقاع التي ترأسها القاضية غادة عون، بتاريخ 18/05/2015، وقد آل الى النتيجة نفسها أي وقف السير بإجراءات المحاكمة في حق شاب مدعى عليه على أساس تعاطيه مادة مخدرة وإحالته أمام لجنة مكافحة الإدمان لمتابعة علاجه تحت إشرافها. وقد صدر هذا القرار بالرغم من معارضة أحد مستشاري الغرفة القاضي إيلي لطيف لأسباب شكلية، مفادها أن طلب المدعى عليه بفصل الدعوى يتعلق بأساسها ولا يشكل دفعاً شكلياً دون أن يعلل مخالفته هذه، بل رغم تعارضه مع القرار الحاسم لمحكمة التمييز المشار اليه أعلاه والذي اعتبر أن تلك الطلبات تشكل دفعاً شكلياً بمفهوم المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. ويُشار الى أن هذا الرأي يتبناه عموماً وبشكل شبه تلقائي عدد من ممثلي النيابات العامة الذين يبنون عليه اعتراضاتهم على الطلبات المماثلة.
 
وبالطبع، تشكل هذه القرارات خطوات هامة في اتجاه تكريس مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" واستقراره سنة فسنة في اجتهادات القضاء الجزائي اللبناني، وتالياً في تعزيز منطق العلاج من الإدمان على منطق الملاحقة والمعاقبة مع ما يستتبع ذلك من تغييرات هائلة في فلسفة قانون العقوبات برمته. الا أن استقرار هذا الاجتهاد ما يزال يصطدم بمجموعة من العوامل السلبية أهمها هوس ملاحقة الأشخاص المتعاطين من قبل النيابات العامة ومكتب مكافحة المخدرات والذين لا يجدون حرجاً في تجاهل هذه الانجازات القضائية من دون أي مبرر، سوى ربما التفاخر بارتفاع عدد الملاحقات القضائية بهذا الشأن سنة فسنة (2.709 شخص ملاحق سنة 2014 وحدها). ويسجل أنه حتى تاريخه، لم تتعدّ نسبة الأشخاص المحالين الى لجنة مكافة الإدمان نسبة الـ2.2% من مجمل الأشخاص الملاحقين سنوياً بهذا الصدد. وهنا نعيد الإشارة الى أهمية معالجة العوامل الأخرى التي لا تزال تساهم في تعطيل مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة والعقاب" والتي سبق لنا أن فصلناها في عدد سابق للمفكرة القانونية[3].

نشر في العدد التاسع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1]يراجع: كريم نمور، "مفعول الدومينو في قضايا الإدمان على المخدرات: مبدأ ’العلاج كبديل من الملاحقة‘ يتقدم في المحاكم بعد قرار محكمة التمييز التاريخي"، المفكرة القانونية، العدد الثامن عشر.
[2]للاطلاع على القرار يراجع: "محكمة التمييز تقر ’مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة‘: نهار جديد لآلاف الأشخاص المدمنين"، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[3]يراجع: كريم نمور، "العلاج في قضايا الإدمان على المخدرات لا يزال معطّلاً وملاحقة الأشخاص المدمنين مستمرة"، العدد السادس والعشرون من مجلة المفكرة القانونية.