في اطار الاعداد لهذا العدد، كان للمفكرة القانونية حديث مع النقابي أديب بو حبيب الذي شغل منصب ممثل عن الأجراء في عدد من مجالس العمل التحكيمية. وقد تناول بشكل خاص أربع ثغرات في مجال عمل مجالس العمل التحكيمية، هي على التوالي: بطء وتيرة عملها والنقص في تخصص أعضائها وعدم الاعتراف بالطابع الجماعي للنزاعات وأخيرا قصر المهلة للتقدم بدعاوى صرف تعسفي. وقد أرفق ملاحظاته بتذكير بعدد من الحلول التي تم تضمينها في مشروع لتعديل قانون العمل منذ 2001 من دون أن يتسنى للحكومة أو للبرلمان مناقشته (المحرر).  
بطء مجالس العمل التحكيمية

خلال عرض تجربته، يشدد بو حبيب على طابع الاستعجال في عمل مجالس العمل التحكيمية.  ويرى بأن يبت مجلس العمل التحكيمي بالدعاوى في مهل أقصاها ثلاثة أشهر، الأمر الذي لا يحصل حالياً بسبب عدم وجود نصّ واضح وصريح لتنظيم نزاعات العمل وفق أصول خاصة تضمن سرعة بتها.
ويقول بو حبيب: "أن قانون المحاكمات المدنية واضح حيث يتقدم المدعي بدعوى ثم يتم تبادل اللوائح. واذا كان هناك طرف ثالث فهو عموما صندوق الضمان الإجتماعي، وأحياناً يحصل تأجيل متعمد من قبل أصحاب العمل الذين يستمهلون لتقديم اجابة خطية أو لتقديم طلب إدخال. وعليه، وعوضاً عن أن تحل القضية خلال ثلاثة أشهر، قد تستغرق سنة واثنتين وأكثر.

في سنة 2001، شكلت في عهد وزير العمل علي قانصوه لجنة كلفت بالقيام بتعديل قانون العمل حتى يتماشى مع المتطلبات الحياتية المستجدة وقد عملت هذه اللجنة طوال عام كامل على المواد التي من شأن تعديلها أن يُسهم في تحريك وتيرة العمل في مجال العمل التحكيمي الا انه حتى اليوم وبعد مرور نحو 14 عاماً على هذا الأمر، لم يجد لا مجلس الوزراء ولا مجلس النواب الوقت اللازم للنظر في هذه التعديلات".
 يجد بو حبيب "أن عرقلة العمل في المجالس تبدأ من مشكلة حصر انشاء مجالس العمل التحكيمية في مراكز المحافظات التي قد تلزم على سبيل المثال أجيراً من عمشيت الى التوجه نحو بعبدا لتقديم شكوى أمام مجلس العمل التحكيمي". وفي هذا الخصوص، يقول: "لقد قمنا في اللجنة المكلفة بتعديل قانون العمل بإدخال تعديل على هذا الفقرة وقلنا انه يجب أن ينشأ في المحافظة وليس في مركز المحافظة. ومعنى ذلك أنه أينما يوجد تجمعات عمالية أو محاكم مدنية، يمكن أن يكون هناك غرف لمجالس العمل التحكيمية بحسب الحاجات الموجودة. فمن الممكن أن يكون هناك محكمة في بعلبك أو البقاع الغربي أو جونية أو جبيل... حيث تقتضي الحاجة ويوجد تجمعات عمالية ومؤسسات اقتصادية".

تعزيز التخصص لدى القضاة وممثلي الأجراء

النقطة الثانية هي في عدم إلمام بعض القضاة بقضايا نزاعات العمال، لا سيما حين يؤتى بالقاضي من محاكم الجزاء الى محاكم العمل ليكلف بحل قضايا العمال وأصحاب العمل. ويردف في هذا المجال قائلاً: "كان لدي تجربة في هذا المجال مع اثنين من القضاة: الأولى كان لديها باع طويل في مجال قضايا العمل. ومعها، كنا نصدر بين 12 و15 حكما  في الجلسة الواحدة، بينما كان القاضي الآخر من قضاة الجزاء ومعه كنّا نصدر بالكاد حكمين في الجلسة، لنقص معرفته بخصوصية قضايا العمل".

أضاف: "تقوم منظمة العمل الدولية بعدد من الدورات المتخصصة لقضاة العمل التي ترتبط بنزاعات العمل الفردية وحتى الجماعية استناداً الى القوانين المحلية والاتفاقات الدولية. وبين العام 2003 و2004، تناقشنا معهم وطلبنا منهم اجراء دورة مماثلة لقضاة العمل في لبنان. فرحّبت المنظمة بهذا الموضوع. وتواصلنا مع وزارة العمل، لكن لم يحصل أي متابعة له. علماً ان لدى منظمة العمل تجربة في هذا السياق مع قضاة في الجزائر".
تابع:" لاحظت عندما كنت عضوا في مجلس العمل التحكيمي أمورا غريبة تحصل، منها مثلاً أن يصدر اجتهاد في محكمة طرابلس حول حالة ما واجتهاد آخر في محكمة صيدا لحالة مماثلة، من هنا كان اقتراحي للاتحاد العمالي العام ان يدعو على الأقل مرة واحدة في الشهر أعضاء مجلس العمل التحكيمي لحضور اجتماع لتبادل الآراء حول ما يصدر من أحكام عن مجالس العمل التحكيمية والبحث في المشاكل الموجودة لتوحيد المواقف. لانه عندما يعلم ممثل العمال في طرابلس بما يحصل في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان مثلاً عندها يستطيع أن يتنور أكثر ليدافع عن وجهة نظره في حالات مماثلة. ولكن مع الأسف دعينا مرة واحدة لإجتماع ولم يتكرر ذلك".

عدم الاعتراف بالطابع الجماعي للنزاعات

النقطة الثالثة هي قيام وزارة العمل بتحويل بعض أنواع نزاعات العمل الجماعية الى نزاعات فردية علماً أن هذا النوع من النزاعات يخضع لأصول خاصة وللجنة تحكيمية خاصة[1] بموجب قانون الوساطة والتحكيم. الا أن وزارة العمل وبحجة "أن كل عامل لديه حقوق مستقلة عن الطرف الثاني أي العامل الثاني تقوم بتحويل النزاعات الجماعية الى نزاعات فردية". وقد أعطى بو حبيب مثالاً نزاع اتحاد موظفي المصارف حيث هو في الأساس نزاع جماعي ولكن في كل مكان هناك للموظفين مكتسبات محددة. وقال: "في موضوع النقل يحق للموظفين في بيروت وضواحيها عدد محدد من تنكات البنزين وخارج بيروت عدد آخر. وعوضاً عن أن تكون القضية نزاعا جماعيا نظروا اليها على انها نزاع فردي ولكل واحد حقوق منفردة. فهل يعقل ان يتقدم نحو 13 او 15 ألف موظف في المصرف يقومون بنفس الدعوى على أساس نزاع فردي؟"

وتابع مضيفاً"أناعتراضي على رفض الطابع الجماعي للنزاعات لا يمكن أن يبرر رد دعوى أقامها أجير للمطالبة بحقه بشكل افرادي. بل يستحسن في هذه الحالة اصدار أحكام لها طابع نموذجي يمكن لفئة واسعة من العمال الاستفادة منها لتحسين شروط عملها. وأكثر ما يُخشى على هذا الصعيد هو تقاذف المسؤوليات بين الهيئات ذات الطبيعة القضائية أنفسها على نحو يؤدي الى ضياع الحق، كأن ترفض اللجان التحكيمية اختصاصها بحجة أن النزاع ليس جماعيا وترفض مجالس العمل في الآن نفسه اختصاصها بحجة أن النزاع جماعي".

مهلة قصيرة لطلب تعويض عن الصرف التعسفي

وبالانتقال الى العامل وكيفية ضمان حقه في حال تعرضه للصرف التعسفي، عبّر بو حبيب عن قلقٍ بالغ ازاء قصر المهلة القانونية لتقديم دعوى أمام مجلس العمل التحكيمي وهي مهلة شهر واحد. وفي هذا السياق، عرض بو حبيب مجموعة من الأمثلة التي سقط فيها حق العامل في الصرف التعسفي دون أن ينتبه إما بسبب مواجهة الاساليب الملتوية لأصحاب العمل أو غرقا في الروتين المعتمد من قبل وزارة العمل. وقال: "في بعض الأحيان، يطلب صاحب العمل من العامل الذي قام بصرفه من العمل مهلة حتى آخر الشهر حتى يصفّي له حسابه. ولكن الذي يحصل أن مهلة صاحب العمل تنتهي ويذهب حقه في تقديم دعوى صرف تعسفي. من ناحية أخرى قد يتقدم العامل بشكوى أمام وزارة العمل، وحتى تقوم الأخيرة بتحديد موعد الجلسة قد تأخذ نحو 15 يوماً وأكثر، فتمر مهلة الشهر وبالتالي يسقط حقه في تقديم دعوى الصرف التعسفي".

كما ذكر قيام اللجنة المولجة بتعديل قانون العمل باضافة فقرة تهدف الى منع إغراق مجالس العمل في الدعاوى عبر تدخل وزارة العمل لحل النزاع قبل الذهاب الى مجلس العمل التحكيمي مع اعتبار أن الفترة الزمنية المخصصة لوساطة وزارة العمل لا تسقط حق العامل في تقديم شكوى في الصرف التعسفي.

وفي الختام رأى أديب بو حبيب أن وتيرة عمل مجالس العمل التحكيمية لن تتحسن طالما لم يؤخذ بالتعديلات التي اقترحتها لجنة 2001 وطالما اننا ما زلنا محكومين بمركز المحافظة معتبراً أن الزيادة في عدد غرف مجالس العمل التحكيمية ان تمت[2]، فإنها لن تعالج القضية وانما ستكون أشبه بالمسكنات.

نشر في العدد الثامن والعشرين من مجلة المفكرة القانونية 

 

[2]تم استحداث غرف جديدة في مجالس العمل التحكيمية بموجب المرسوم الصادر في 2-10-2014 وذلك بغية تحسين وتيرة عملها وتسريع الإجراءات فيها. لكن، يبقى هذا المرسوم حتى حينه حبرا على ورق رغم انقضاء ستة أشهر على صدوره.