في الآونة الأخيرة، كثُر الحديث عن حالات رفضت فيها وزارة الداخلية والبلديات إعطاء علم وخبر بالبيانات التي قدّمها مؤسسو جمعيات عدة، وغالباً عملاً بتوصيات الأمن العام الذي يتولى الاستقصاء عن هؤلاء. وبناءً على ذلك، قررت جمعية "المفكرة القانونية" إطلاق مبادرة عبر صفحتها على موقع "فايسبوك"، حيث دعت من واجه مثل هذه العرقلة إلى إعلامها، بغية توثيق هذه الممارسة غير القانونية، صوناً لحرية إنشاء الجمعيات. مئات أبدوا إعجابهم likeبالمبادرة، البعض علّق مؤكداً أن المعلومات صحيحة مئة في المئة، محامون أسرّوا بمعلومات طلبوا عدم نشرها درءاً لأي متاعب قد يتعرض لها وكلاؤهم. الحالة الوحيدة التي أعلن مؤسسوها رغبتهم في تحويلها الى قضية عامة، هي حالة جمعية بيئية تحمل تسمية "الطبيعة الأم"، وهي جمعية بادر الى تأسيسها الناشط أجود العياش في منطقة عاليه. وقد رفضت وزارة الداخلية إعطاء العلم والخبر تبعاً لاستقصاء أجراه الأمن العام، على أساس أن إنشاء هذه الجمعية سيؤدي إلى "مشاكل بين أهل القرية". وهي خطوة تنسف مبدأ حرية تأسيس الجمعيات في لبنان، الذي يستند إلى قانون الجمعيات الصادر في العام 1909 والذي كفلته "المادة 13" من الدستور اللبناني.

وفي حديث مع "المفكرة القانونية"، يؤكد العيّاش أنّه قدّم بيان العلم والخبر إلى مديرية السياسة واللاجئين والجمعيات في وزارة الداخلية في 05-11-2013، بعدما أسس الجمعية المذكورة مع المواطنين نضال العياش ورامي العياش. ويشير إلى أن وزارة الداخلية طلبت منه إجراء بعض التصحيحات على المعاملة لمرتين متتاليتين. وتبعاً لهذين التصحيحين، "أعلموني أن المعاملة اكتملت وأصبحت جاهزة، وأعطوني إيصالاً باستلام المعاملة، بانتظار تسليمي رقم العلم والخبر". لكن، يلفت العياش الانتباه إلى أنه بعد مراجعة الوزارة للمرة الثالثة، أُعلم بأن بيان العلم والخبر رُفض بعد عرضها على الأمن العام لأن عمل الجمعية سيؤدي إلى "افتعال مشاكل بين أهل القرية". ويشير العياش إلى أنه حاول الاتصال بوزير الداخلية نهاد المشنوق حوالي ثلاث مرات من دون جدوى، مضيفاً أن المسؤولين عن مكتب الوزير أكدوا له أنه إذا لم يتلقّ أيّ جواب من المشنوق، فإن ذلك يعني أنه لا يريد الالتقاء به.

ويعتبر العياش أن عرقلة تأسيس هذه الجمعية التي ستُعنى بموضوع النفايات ومطمر الناعمة، هي "عملية محض سياسية وتعسّف وظلم" للحدّ من نشاطه وعمله البيئي، متسائلاً "كيف يمكن التفكير بأن جمعية بيئية ستؤدي إلى افتعال مشاكل بين أهل القرية؟". ويقول إن "رؤساء البلديات المجاورة لمطمر الناعمة وضعوا أنفسهم في خانة العداء لي وحاولوا إبعاد الناس عني"، مشيراً إلى أن الأمن العام استجوب رؤساء بلديات مجاورة لهم محسوبيات سياسية خاصّة، وقالوا إنني سأفتعل مشاكل بين أهل القرية. والجدير بالذكر هو أن أجود العياش كان قد بادر في 2013 الى إطلاق حملة لإقفال مطمر الناعمة. وقد بلغت هذه الحملة أوجها مع الاعتصام أمام المطمر في 17-11-2013، حيث افترش المعتصمون الطريق المؤدي من أوتوستراد الساحل الجنوبي إليه لمنع شاحنات "سوكلين" من الدخول اليه، ونصبوا خيماً ورفعوا لافتات منددة بالمطمر وبنتائجه المدمرة للبيئة. واستمر الحراك أسبوعاً كاملاً، حتى قامت القوى الأمنية في 24-11-2014 بتكسير الخيم ووقف الاعتصام بالقوة واعتقال أجود عياش بتهمة "تحريض المعتصمين" من دون أي مذكرة توقيف. وقد أُفرج عنه بعد ساعات من احتجازه في مخفر الدامور. وقد طالب العياش مراراً بعد ذلك كلاً من وزير البيئة محمد المشنوق ورؤساء بلديات قرى الناعمة بالاستقالة لدورهم في التدمير البيئي الذي ينتج من مطمر الناعمة. وهنا، يتضح أن هذا المشهد أصبح مألوفاً في لبنان، حيث تبرعت الطبقة السياسية في تحوير سلطاتها لحماية مصالحها: فتارة تعتقل ناشطاً بيئياً اعتقالاً تعسفياً لتفكيك اعتصام وشرذمته، وطوراً تمنعه من تأسيس جمعية تسمح له بمأسسة وسائل نضاله في الدفاع عن البيئة. وتحصل كل هذه الممارسات من دون أي مسوّغ قانوني. 

ويذكّر وزير الداخلية الأسبق زياد بارود، في حديث مع "المفكرة"، بأنه "لفترة طويلة من الزمن، أُخضِعت الجمعيات قسراً لنظام الترخيص المسبق في مخالفة صارخة لقانون 1909، إلى أن قرر مجلس الوزراء في آب 2005 الالتزام بالقانون مجدّداً، حيث كان لوزير العدل حينها خالد قباني دورٌ أساسيٌ في الدفع في هذا الاتجاه". وعند سؤاله عن التعميم الذي أصدره[1] في العام 2008، والذي ثبّت فيه دور الأمن العام في إجراء استقصاء عن الجمعيات ومؤسسيها قبل تسليمها العلم والخبر بتأسيسها، نفى بارود إصداره أي تعميم يعطي دوراً للأمن العام قبل التأسيس، موضحاً أن "وزير الداخلية والبلديات بالوكالة أحمد فتفت أصدر تعميماً في العام 2006 يفرض على دوائر وزارة الداخلية التزام الآلية التي نص عليها قانون 1909، ثم عدت في العام 2008 وأكّدت مضمون هذا التعميم بتعميم آخر".

ويشدد بارود على أنه "ليس لأي جهاز أمنيّ أيّ دور في القانون لجهة التدقيق مسبقاً في تكوين الجمعيات، بحيث لا يعتبر، مثلاً، استطلاع رأي الأمن العام لا إلزامياً ولا ملزماً، موضحاً في الوقت ذاته أنه "قد يعود لوزارة الداخلية أن تبلغ الأمن العام بالعلم والخبر، ولكن بعد صدوره، وإنما قطعاً ليس قبل ذلك. أما إذا فعلت، فلا يمكن أن يقيّد الرأي المذكور الإدارة في إصدار العلم والخبر، لأن صلاحيتها أصلاً هي صلاحية مقيّدة لجهة قبول بيان التأسيس". ولتأكيد ذلك، بحسب بارود، من الواضح أن القانون يفرض، إذا رغبت الإدارة (وزارة الداخلية) بحل الجمعية لمخالفتها النظام العام أو القانون، أن ترفع الأمر إلى مجلس الوزراء لإصدار مرسوم الحل، ويبقى هذا المرسوم خاضعاً للرقابة القضائية.

ويشرح بارود أنه "في الخلاصة، إن تأسيس الجمعية هو بمثابة ولادة الجنين: لا أحد يستطيع أن يمنع الولادة. أما إذا تحوّل الجنين إلى مجرم عندما يكبر، فتتم محاكمته"، موضحاً أنه "هكذا بالنسبة إلى الجمعية: تنشأ بالتقاء مشيئة مؤسسيها ويتم إيداع بيان التأسيس لدى وزارة الداخلية التي تقبله دون أي سلطة استنسابية برفضه. ثم، إذا رأت أن أهداف الجمعية أو أنشطتها مخالفة للقانون، تستطيع حلّها لكن بمرسوم في مجلس الوزراء وفي حالات محددة حصراً، بحيث لا استنساب في الحل". وبالتالي، بحسب بارود، ليس من شأن رأي الإدارة أو الجهاز الأمني المسبق أن يحول دون "ولادة" الجمعية. ثمّ إن الرأي المذكور لا يمكن أن يؤدي حتى إلى حل الجمعية بمرسوم إلا إذا كان ثمة ما يثبت أنها (مثلاً) تخالف القوانين والآداب العمومية أو تقصد "الإخلال براحة المملكة وبكمال ملكية الدولة" أو أيضاً "تغيير شكل الحكومة الحاضرة". ويعتبر أن "المؤسف هو أن نعود في كل مرة إلى تأكيد حرية تأسيس الجمعيات من دون تدخل من السلطة إلا من خلال الرقابة اللاحقة التي تقتصر هي الأخرى على حالات محددة جداً في المواد 3 و4 و5 من قانون الجمعيات". وفي ما خص قضية جمعية "الطبيعة الأم"، يؤكد بارود أنه بمجرد أن المؤسسين قدّموا إلى وزارة الداخلية بيان التأسيس كاملاً وحصلوا على إيصال باستلام المعاملة، يقتصر على الإدارة تسليمهم رقم العلم والخبر، ولا يحق لها طلب استقصاء الأمن العام قبل إعطاء العلم والخبر، حيث إن القانون يسمح للقوى الأمنية بإجراء الاستقصاءات اللازمة بعد إعطاء بيان العلم والخبر، أي بعد التأسيس.
وفي سياق متصل، صرح مصدر مطلع في وزارة الداخلية طلب عدم الكشف عن اسمه، للمفكرة بأنه "في ظل هذه الأوضاع المزرية، من الطبيعي أن تقوم القوى الأمنية بإجراء الاستقصاءات اللازمة لمعرفة خلفيات هذه الجمعيات ومؤسسيها، لأن الرقابة ضرورية في ظل هذه الأوضاع الأمنية الصعبة"، مشيرا إلى أن بعض الجمعيات "تختبئ وراء العلم والخبر لتنفيذ مصالح خاصة ومطامع مالية"، ومؤكدا في الوقت نفسه أنه "إذا راجعنا الجريدة الرسمية، نرى الترخيص لعشرات الجمعيات التي لا تخالف القانون أو تلتفّ حوله". وشدد المصدر المذكور على أنه "من الطبيعي أن تطلب المديرية المعنية من الأمن العام إجراء الاستقصاءات اللازمة لأن لا عناصر كافية في الأمن الداخلي تُعنى بهذا الموضوع". وقد أصرّ هذا المصدر على أن قانون الجمعيات الصادر في العام 1909 "أصبح قانوناً قديماً يجب تعديله". وبالطبع، تتضح هنا ازدواجية المعايير والاستنسابية في التعاطي مع هذا الأمر، حيث توقف الإدارة المعنية من تلقاء نفسها قوانين سارية المفعول بحجة أنها قديمة العهد، في حين أنها ترفض رفضاً قاطعاً مجرد الحديث عن وجوب تعديل قوانين لا تقل قدماً عنها، كقانون الجنسية أو الأحوال الشخصية. وأضاف المصدر ما حرفيته "لو كان البت بالأمر من صلاحيتي، فسأحلّ الجمعيّات كافّة وأرفض إعطاء العلم والخبر لأي جمعية جديدة في ظل هذه الأوضاع، لكن المشكلة هي في أن حلّ الجمعية، بحسب القانون، يحتاج إلى مرسوم صادر عن مجلس الوزراء". وفي ما يخص قضية جمعية "الطبيعة الأم"، شدّد المصدر على أن رفض الموافقة على إعطائه العلم والخبر له "أسبابه الواضحة والصريحة"، حيث جاء عندما اتضح "عدم رضى أهالي القرية والتخوّف من أنها قد تسبب مشاكل بينهم". وأشار المصدر في الوقت ذاته، إلى أن وزارة البيئة رفضت مؤخراً أن يُعطى العلم والخبر لجمعيات بيئية، وطلبت مؤخراً أن يكون أحد المؤسسين لأي جمعية بيئية متخصصاً في مجال البيئة.  

وعند توجهنا إلى المديرية العامة للأمن العام للاستفسار عن الموضوع، تلقينا جواباً من أمانة السر مفاده أنه "عندما تُعلم وزارة الداخلية المؤسسين برفض التأسيس بعد عرضها على الأمن العام، يكون الأمر واضحاً لناحية الأسباب التي تعرضها الوزارة، والتي أدت إلى رفض إعطاء العلم والخبر بعد إجراء الاستقصاءات اللازمة عنها". وقد أكدت أمانة السر أن الأمن العام يجري الاستقصاءات التي تطلبها المديرية المعنية في وزارة الداخلية. وعند عرض إيصال العلم والخبر الذي تلقاه العياش من وزارة الداخلية، كررت أمانة سر الأمن العام ما أفادتنا به وزارة الداخلية بشأن رفض التأسيس بعد استقصاء أجراه الأمن العام، مؤكدة أن الأسباب التي أعلمتنا بها الوزارة بشأن الاستقصاء ونتائجه هي فعلاً الأسباب التي أدت إلى  رفص التأسيس.

وعليه، تبدو الإدارة متفقة على حجب العلم والخبر عن جمعية بيئية عمد الى تأسيسها ناشط بيئي نجح في لفت أنظار الرأي العام لفتاً جدّ فعّال الى مشكلة مطمر الناعمة[2]، بحجة أن من شأن ذلك أن يتسبب بـ"زعل في القرية". ويتحصل من هذه الحالة أن الصلاحية المعطاة للأمن العام بإجراء استقصاءات لا تهدف بالضرورة الى المحافظة على الأمن، بل ربما وقبل كل شيء الى المحافظة على النظام السائد

نشر في العدد السابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1]تعميم رقم 15 / أم / 2008 (12 أيلول 2008) و مفاده: "يُحال بيان العلم و الخبر فور توقيعه إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء التحقيقات الازمة و الإستعلام عن كافة نشاطات الجمعية و مؤسسيها, و يُصار بعدها إلى إفادة المديرية العامة للشؤون السياسية و الاجئين مباشرة عن نتيجة هذة التحقيقات بالسرعة الممكنة, بحيث يمكن للمديرية العامة للأمن العام و المديرية العامة للشؤون السياسية و الاجئين إقتراح رفض تسليم العلم و الخبر و حل الجمعية إذ تبين وجود أي مانع يحول دون إستمرارها على أساس مخالف لأحكام المادة الثالثة من قانون الجمعيات, بحيث يصار بعدها إلى رفع الأمر من قِبل الوزير إلى مقام مجلس الوزراء لإقرار الازم
[2]رائد شرف،  عن طمر للنفايات والطبيعة والسكن والكلام، المفكرة القانونية- لبنان، العدد 14، شباط 2014.