في أواخر 2014، تم انشاء لجنة نيابية غير دائمة ad hocلمتابعة تنفيذ القوانين، وذلك بعدما "راع" النواب عدد القوانين التي تُعرض الحكومة عن اتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان تنفيذها. وقد باشرت اللجنة عملها على أساس 30 قانونا ارتفع عددها فيما بعد الى 33. ولانفاذ هذه القوانين، يقتضي اما اصدار مرسوم لتحديد دقائقها واما تعيين أعضاء هيئات أو مجالس ادارة منشأة بموجبها. وهذه الخطوة الهامّة تشكّل ربما المؤشّر الأساسيّ على تعزيز الدور الرقابيّ للمجلس النيابي والذي بقي في السنوات الأخيرة في حده الأدنى ولا نبالغ اذا قلنا في غالب الأحيان معدوما، بدليل ندرة جلسات الاستجواب أو الأسئلة الموجهة الى الحكومة. ولكن، على أهمية هذه المبادرة، فانها تطرح تساؤلات عدة تتصل بأبعادها الدستورية والقانونية والاجتماعية. وهذا ما سنحاول مناقشته أدناه:

1- والموازنة؟ وتنفيذ الدستور؟
فما معنى أن ينشئ المجلس النيابي لجنة لمتابعة تنفيذ القوانين، فيما لا يحرك ساكنا لوقف الانتهاك المتمادي والخطير للدستور والمتمثل بالاعراض عن وضع قانون الموازنة العامة منذ أكثر من عشر سنوات؟ وما يزيد هذا السؤال الحاحا هو أمران:

الأول، أن هذا التحرك حصل بالتزامن مع المراجعة القضائية التي تقدّم بها عدد من الشخصيات العامة لانشاء هيئة قضائية تراقب الايرادات والنفقات الى حين اقرار قانون للموازنة العامة[1]. وقد رأى مقدّمو الدعوى أنّ استمرار هذا الانتهاك يعني حلول دولة الزعماء بما فيها من استقطاب وهيمنة محل دولة القانون القائمة على المساواة أمام الأعباء العامة،

الثاني، أن عددا من القوانين المطلوب تنفيذها تتطلب رصد موازنات لها كالقوانين الايلة الى انشاء صناديق (قانون الحماية من العنف ضد المرأة، قانون الايجارات الجديد، قانون حماية البيئة، قانون المعوقين الخ..). وهو أمر يستحيل حصوله من خارج اقرار قانون للموازنة العامة. وألا يشكّل غضّ الطرف عن قانون الموازنة العامة مؤشّرا على أنّ تعطيل العدد الأكبر من القوانين قد يكون سببه النقص في الارادة السياسية في البرلمان، وفي الحكومة على حدّ سواء؟ 

2- فصل للسلطات أم هيئة للاتفاق على شروط المقايضة وفق منطق السلة؟
ثم، ماذا تعني السلطة الرقابية للبرلمان على أعمال الحكومة في لبنان؟ وهل هي تهدف حقا الى تعزيز مبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ وبالطبع، يجرنا هذا التساؤل الى مناقشة طبيعة النظام وآليات الحكم في لبنان. فان صحّ أن الحكومة تنال الثقة من البرلمان، فالصحيح أيضا أن التصويت على الثقة غالبا ما يكون شكليا ويأتي نتيجة توافق حاصل بين القيادات السياسية والتي هي على اتصال مع القوى الاقليمية، وكل ذلك خارج اطار المؤسسات العامة. وغالبا ما تأخذ طابع المحاصصة وتقاسم السلطة. ومن هذا المنظار، تبدو السلطات والمؤسسات العامة في لبنان خاضعةً للقوى السياسية نفسها، على نحو يشوّش على نظام فصل السلطات ويجرّده من كثير من مضامينه. وهذا أصلا ما يؤكده تصريح رئيس اللجنة النائب ياسين جابر للمفكرة القانونية ومفاده إنه بصراحة ليس للجنة "أي وسائل ولا يمكننا معاقبتهم (الوزراء) في حال التقصير في الوضع الحالي". فالأسلحة الديموقراطية المتاحة للنواب كطرح الثقة أو استجواب أي وزير يتخلّف عن تطبيق القوانين، غير قابلة للاستعمال لأن "الوضع العام لا يساعدنا على ذلك". وتاليا، وعلى ضوء هذا التصريح، تبدو مهمة اللجنة مهمة تقنية هدفها تذكير الوزراء المعنيين بموجباتهم و"حثهم على تطبيق القوانين" من دون ممارسة أي نوع من أنواع الضغط أو "السلطة". وبذلك، نكون ليس أمام تجسيد لمبدأ فصل السلطات، انما بأحسن الأحوال أمام تعاون تقني بين السلطات لتحسين الأداء التنظيمي للدولة. وهي مهمة بامكان أي جمعية غير حكومية مختصة أن تقوم بها من خلال توجيه كتب الى الوزراء لحثهم على تنفيذ المهام المناطة بهم، وربما بدرجة أعلى من المثابرة والشمولية.

ولكن، يبقى هذا التفسير غير وافٍ. فتصوير الوزراء المتقاعسين أو غير الراغبين بتنفيذ القوانين في مواجهة مع النواب الحريصين على ذلك يعكس واقعا غير صحيح، بدليل اعراض المؤسستين عن القيام بموجباتهما المتصلة بابرام قوانين الموازنة، من دون أن ينتقد أي منهما الآخر. وهنا، ربما يقتضي التمييز بين فئتين من القوانين:

-       قوانين من شأنها أن تؤدي الى منافع فئوية أو مالية لأحد أطراف الطبقة السياسية أو لجميعها، والأرجح أن يكون تعطيلها ناتجا عن اختلاف بين الكتل السياسية على اقتسام الحصص بشكل مرضٍ لها جميعها أو عن اختلاف على تنفيذه بانتظار اتمام مقايضة ما. وفي هذه الحالة، لا يمكن أن نستبعد تماما أن تتحول لجنة مماثلة (مكونة من نواب يمثلون جميع الكتل) الى ضابط لتوقيت تنفيذ القوانين على نحو يضمن احترام شروط المحاصصة بين الجميع وفق "منطق السلّة". فينفّذ قانون يهم كتلة معينة بالتزامن مع قانون يهم كتلة ثانية، كأن يتم تنفيذ قانون المنطقة الاقتصادية في طرابلس في موازاة تنفيذ قانون يؤدي الى منافع معينة للفريق السياسي المهيمن في مناطق أخرى، فلا يشعر أي منهما بالغبن. وبهذا المعنى، يصبح عمل اللجنة مناسبة لتقاسم الغنائم التي قد تنجم عن تنفيذ القوانين بشكل عادل كشرط لمباشرة تنفيذها.

-       واما قوانين تم اقرارها من باب مجاملة فئات من المواطنين من دون أي ارادة بتنفيذها أو تخصيص أي امكانات مالية لاتمام ذلك كما قد يكون عليه حال الأشخاص المعوقين. وفي هذه الحالة، يخشى أن يوضع بعض هذه القوانين ضمن سلة الاصلاحات، من باب رفع العتب أو تمريرا لاقتسام الغنائم تحت رهج من التأييد الشعبي. 
   
 والى ذلك، أمكن طبعا اضافة فرضية ثانية مفادها أن يكون مردّ انشاء هذه اللجنة الرغبة في تحسين موقع رئيس المجلس النيابي ووسائل تحركه، في لعبة المحاصصة التي غالبا ما تشمل مؤسسات الدولة.   
   
3- حق المواطن بمطالبة القضاء بالزام الحكومة بتنفيذ القوانين؟ 
ثم، أي دور للمواطن في تنفيذ هذه القوانين، وخصوصا بالنسبة الى القوانين التي تكرس حقوقا اجتماعية أو اقتصادية له أو تعنيه مباشرة؟ ومردّ طرح السؤال هو أن تنفيذ القوانين ليس مصلحة نيابية أو لكتل نيابية معينة، انما هو في حالات عدة يلبّي مصالح المواطنين. وما يزيد هذا السؤال الحاحا هو خشية أن يقتصر عمل اللجنة على قوانين تهم الطبقة السياسية أو جزءا منها كقوانين الخصخصة في قطاعات الكهرباء أو الاتصالات أو المنطقة الاقتصادية في طرابلس، فيما يبقى اهتمامها بالقوانين الأخرى هامشيا ومن باب رفع العتب أو من باب الزينة من دون اي ارادة سياسية حقيقية في تنفيذها كما سبق بيانه. وفي هذا المجال، يهمنا لفت النظر الى الخيارات التي انتهى اليها المشرع الفرنسي عند تطور "ظاهرة التأخير في تنفيذ القوانين". فجبها لهذه الظاهرة، لم يكتف المشرع بتعزيز وسائله لمراقبة تنفيذ القوانين، انما اتجه في 1995 قبل كل شيء الى تمكين المواطنين من الزام الحكومة على تنفيذ القوانين من خلال القضاء الاداري. فباتت المحاكم الادارية مخوّلة الزام المراجع الوزارية أو الحكومية اتخاذ الاجراءات الضرورية لتنفيذ القوانين تحت طائلة تغريم الدولة عن كل يوم تأخير، وذلك بخلاف مجلس شورى الدولة اللبناني الذي يمتنع وفق اجتهاده الحالي عن الزام الحكومة بالقيام بعمل معين. وبالطبع، لتوجّه مماثل منافع عدة: فهو يسهم في دحض المخاوف المبينة أعلاه، وهو يعيد لمبدأ فصل السلطات رونقه، ليس فقط في علاقة البرلمان بالحكومة ولكن أيضا في علاقة السياسة بالقضاء، وهو ثالثا، يؤدي الى تعزيز الطابع المؤسساتي لهذه المبادرة من خلال تحريره من تجاذبات اللعبة السياسية.    
              
4- أي منهجية؟
وأخيرا، ما هي المنهجية التي تستند اليها اللجنة، سواء لتحديد القوانين المتأخر تنفيذها أو لتحديد الأولويات؟ الملاحظة الأولى في هذا المجال تتصل في انتقائية اللائحة التي لم تتضمن عددا كبيرا من القوانين التي لم تصدر مراسيمها التطبيقية أو تنشأ الآليات الضرورية لضمان تنفيذها.  
ومن أهم هذه القوانين في هذا المجال، قانونا التعليم الالزامي والمجاني الصادران في 1998 و2011. وكان القانون الأول قد نص على الزامية التعليم ومجانيته في المرحلة الابتدائية معلقا نفاذه على صدور مرسوم تنفيذي. وقد جاء قانون 2011 ليجعل التعليم الزاميا ومجانيا حتى نهاية المرحلة الاعدادية مع اعادة تعليق نفاذه على صدور مرسوم تنفيذي لم يصدر حتى اللحظة. وفي هذا السياق، لم يكلف أي من النواب نفسه عبء التساؤل عن أسباب عدم تنفيذ قانون 1998 قبل رفع طموحاته التشريعية بموجب قانون 2011. ومن هذه القوانين أيضا، قانون تعديل نظام شورى الدولة والذي يتعين بموجبه انشاء محاكم ادارية في المناطق ضمانا لمبدأ التقاضي على درجتين وقرب القضاء من المواطن. وما الى ذلك من قوانين عديدة بالغة الأهمية لا مجال لتعدادها في هذا الاطار.

ولعله يتعين على اللجنة أن تضع منهجية أكثر قدرة على رصد القوانين المتأخر تنفيذها، كأن تعين فريقا تقنيا يتولى دراسة عدد القوانين غير المنفذة في كل سنة، ويستوضح أسباب عدم تنفيذها. أما أن يبقى عملها انتقائيا على هذا الوجه، فذلك أمرّ يدعو الى القلق أكثر مما يدعو الى التفاؤل. وما يعزز مشاعر القلق هذه هو تصريح النائب جابر بأن اللجنة قد اختارت بدء العمل على خمسة قوانين شملت بمحض الصدفة الخصخصة في مرافق حيوية.

نشر في العدد السابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية
 


[1] نزار صاغية، دعوى لاعادة تأسيس النظام العام: الجمهورية أمام القضاء، المفكرة القانونية- لبنان، العدد 22، تشرين الأول 2014.