منذ اقرار قانون الايجارات، سعت المفكرة الى الاحاطة بالاشكاليات الناشئة عنه، خصوصا على صعيد التوازن المناسب بين حقّي السكن والملكية. واذ هي تنوي مع شركاء آخرين انشاء فريق متعدّد الاختصاصات لبدء العمل على مسودة مشروع قانون حول حقّ السكن، يهمّها أن توضح المنطلقات التي توجّهها في هذا الصدد مخضعةً اياها للنقاش العام. وبالامكان اختزال موقفها في هذا المكان بنقاط خمس:
 
1- حق السكن لا يعني المستأجرين القدامى وحدهم..   
أن أهم ما أسفر عنه النقاش العام الحاصل تبعا لقانون الايجارات وخصوصا قرار المجلس الدستوري الصادر في 6-8-2014 هو تكريس حق السكن، أي حق التمتع بمسكن لائق، كحق دستوري[1]. وقد تم ربط هذا الحق بمجموعة من الأهداف الوطنية "ذات القيمة الدستورية" (تحقيق العدالة الاجتماعية والانماء المتوازن) والحقوق (الحق بانشاء أسرة، الحق بالعيش بكرامة.. ألخ) دلالةً على أهميته. وبالطبع، لا ينحصر حق السكن بمعناه الدستوري بفئة المستأجرين القدامى، انما يقتضي أن تكفله الدولة لجميع المواطنين، بقدر حاجاتهم ومواردهم. وعليه، فأن يقتصر الحديث عن حق السكن وكفالة الدولة له على المستأجرين القدامى دون سواهم، انما يشكل خروجا عن مبدأ المساواة أمام القانون ويقتضي اصلاحه.   
 
2- أي ضمانات لحقّ السكن؟ وهل يشكل حق تمديد الاجارة ضمانة ممكنة؟ 
في هذا المجال، أكّد المجلس الدستوري أنه يقع على السلطات العامة مسؤولية توفير المسكن للمواطن. وقد أشار في بعض حيثياته الى المقصود من هذه الضمانات، ومنها ما يدخل ضمن مسؤولياتها العامة كوضع السياسات الاقتصادية والتنمية المتوازنة وتأمين وسائل النقل من منطقة الى أخرى، ومنها ما يتصّل بوضع سياسات اسكانية بمعناها الضيق والمباشر. واذ أحجم المجلس الدستوري عن تفصيل هذه الضمانات، فانه من المتفق عليه أنها تشمل ليس فقط تسهيل القروض أو منح مساعدات مالية أو عينية لذوي الدخل المحدود أو انشاء مساكن شعبية (وهي عموما تدابير تستهدف الفئات من ذوي الدخل المحدود)، انما أيضا التدخل في سوق الايجارات كأن يتم اعتماد سياسات ضريبية من شأنها تحفيز عرض الشقق الشاغرة للايجار. والمسألة التي قدّم المجلس الدستوري بشأنها حلا ضبابيّا تكمن في مدى امكانية تدخّل الدولة في العلاقات التعاقدية بين المؤجرين والمستأجرين. فبعدما صرّح أن حق الملكية ليس حقا مطلقا وأنه من الجائز تقييده تحقيقا لمصلحة عامة أو تجنّبا للتعسّف في استعمال الحق، عاد ليؤكّد في حيثيّة أخرى وعلى نحو لا يخلو من التناقض، على عدم جواز المسّ بالحرية التعاقدية بين المالك والمستأجر. وقد أغفل المجلس في هذا الاطار الملاحظات الأممية على حق السكن المشار اليه في المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تجيز صراحة للدول التدخّل لفرض حدّ أقصى للبدلات في مناطق معينة[2].

ويمكن وفق المنطق نفسه أن تكون آلية التمديد القانوني لعقود الاجارة، أحد أشكال تدخّل المشرع، فلا يتم النظر اليها بالضرورة على أنّها استثناءٌ يقتضي وضع حدّ له انما ينظر اليها كاحدى الأدوات الممكنة وربما الضرورية في ظروف معينة، لضمان الحقّ الدستوري بالسكن.وبالطبع، لا يبرر حقّ التدخّل عن طريق التمديد استباحة حقّ الملكية، انما يكون على السلطات العامة أن تعتمد في هذه الحالة أعلى معايير الحيطة والدقة لوضع موازنة عادلة بين حق السكن المراد ضمانه وحق الملكية الواجب صونه وفق مبدأي الضرورة والتناسب. فلا يُعطى حق التمديد لمستأجر من ذوي الدخل المرتفع ولا يحتاج تاليا لأي كفالة أو حماية خاصّة. ولا تفرض في الوقت نفسه قيود على حق المالك في كيفية استعمال ملكه خارج حالات الضرورة التي يفترضها ضمان حق دستوري آخر (حق السكن) ومع ضمان حقه بالبدل العادل في مطلق الأحوال. وهنا تجدر الاشارة الى أن المقصود بالبدل العادل هو البدل الذي يتناسب مع استثمار المالك نفسه. وهو بدل قد يختلف بشكل كبير عن بدل المثل، كما يحصل حين تؤدي المضاربات العقارية الى رفع أسعار العقارات أو كلما زاد طلب المآجير على عرضها.

وكخلاصة، لا يصحّ تقييم آلية التمديد القانوني بحد ذاتها، انما يبقى تقييمُها ملازما للشروط المرافقة لها أو النتائج المتأتية عنها. وهذا ما يتأكد بأية حال من خلال الامعان في قوانين التمديد القانوني الحاصلة في لبنان والتي اختلفت جذريا بين الفترة الفاصلة بين بدء الأربعينيات وحرب 1975 عن فترة ما بعد انتهاء هذه الحرب. 
 
ففي الفترة الأولى، التزم عموما المشرع اللبناني بشروط الموازنة المشار اليها أعلاه. فسعى خلالها الى حماية المستأجرين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط من استغلال المالك لقلة المساكن المتوفرة أو وضع السوق بنتيجة المضاربات العقارية لفرض بدلات مرتفعة من دون حرمانه من حقّ الحصول على بدل عادل. فكان يعدّل القانون دوريا لضمان هذا البدل. كما بنى المشرع آنذاك قوانين تمديد الاجارة على مبدأ "الحاجة المشروعة للمستأجر"، بدليل أن القوانين المتلاحقة لم تمنح المستأجرين من ذوي الدخل المرتفع أي حق مكتسب في هذا المجال، انما أجازت للمالك اسقاط التمديد القانوني فور اثبات تجاوز دخلهم حدا معينا.

أما في الفترة الثانية والتي دشنها قانون 1992، فقد أدت هذه الآلية (أي آلية التمديد) الى نتائج جدّ ظالمة. فقد حلّ منطق "الحق المكتسب" للمستأجر محل منطق "الحاجة المشروعة"، وتم التمديد القانوني لعقود الاجارة من دون أي تمييز بين المسـتأجرين وفق أوضاعهم، مع منح المالك بدلات جدّ زهيدة. فجاءت هذه القوانين في مبدئها ونتائجها مخالفة تماما لمبدأ التناسب بحيث أنها أعطت للمستأجرين حقا مكتسبا مجردا، وجرّدت بالمقابل المالكين من حقّهم المكتسب بالحصول على بدل عادل، وكل ذلك بمعزل عن أي ضرورة. وتبعا لذلك، حقّق المستأجرون وخصوصا ذوو الدخل المرتفع منهم، اثراء غير مشروع، فيما تحمّل المالكون القدامى وحدهم عبء اسكان المستأجرين وبكلام آخر غبنا ومسؤولية اجتماعية فائقة وغير مبررة. وما سهّل انزلاق 1992 هو انهيار البدلات الحاصل تبعا لانهيار الليرة اللبنانية في منتصف الثمانينات، فضلا عما تسببت به الحرب من تراجع في المنظومة الحقوقية اللبنانية وما تفترضه من توازنات بين المصالح والحقوق.     
 
ومن هذا المنطلق، أخطأ المشرع في عدّ التمديد أداة غير شرعية بحد ذاتها. وقد انتقل بنتيجة ذلك من موقف متطرف مفاده أن للمستأجرين حقا مكتسبا مجردا عن أي ضرورة أو حاجة مشروعة، الى موقف لا يقل تطرفا مفاده أن الملكية الخاصة مقدسة وأنه لا يجوز تحميل المالكين أي مسؤولية في مجال السكن. وهذا ما ينقلنا الى النقطة الثالثة أدناه، المتصلة في مناقشة مسألة الظلم الذي تعرض له المالكون والذي أدى التذرع به ربما الى تكريس قدسية حقهم.

3-تحرير الاجارة القديمة، انصافٌ أم اثراءٌ غير مشروع؟    
الحجة الأساسية التي تحاول الجهات المناصرة لقانون تحرير الايجارات، وفي مقدمتها نقابة المالكين، ابرازها هي أن قوانين الايجارات القديمة قد أدت الى ظلم المالكين القدامى طوال سبعين سنة، وأنه ثمة ضرورة ملحة لانصافهم من دون أي تأخير. وتبعا لذلك، يقدّم المالكون أنفسهم عن حق أو باطل (وهذا ما نناقشه أدناه) على أنهم "ضحايا" معتدى عليهم ويعانون من ظلم مديد وكبير. وبالطبع، لاعتماد خطاب مماثل (خطاب الضحية) مفعول ثلاثي: فهو من جهة أولى، يظهّر قضية هؤلاء ليس على أنها قضية مقاولة أو مضاربة أو استثمار مالي مع ما يستتبع ذلك من تساؤلات ومحاذير، بل على أنها قضية انسانية بكل ما للكلمة من معنى، قضية دستورية، قضية حقوق انسان من غير المنصف التنكر لها أو حتى التشكيك فيها أو التردد بشأنها. وهو من جهة ثانية، يبدّد التأثيرات التي قد تنجم عن الاعتبارات الانسانية التي يتذرع بها المستأجرون. فبفعله، يصبح المالكون هم الضحايا الذين يفترض بالرأي العام أن يتعاطف معهم، ويصبح المستأجرون هم المعتدين (المحتلين وفق أدبيات نقابة المالكين) الذين يواصلون اعتداءهم بدل الاعتراف بجميل هؤلاء ولا يجدر تاليا ايلاء مطالبهم أي اعتبار. فدموع المستأجرين لا تعدو كونها دموع تماسيح، وأي خطاب مدافع عنهم هو بالضرورة خطاب ظالم وديماغوجي ما لم يكن محفوفا بالمصالح المادية الخاصة. ويبدو أن كبار المتعهدين (والذين لهم مصلحة أكيدة في تحرير الايجارات القديمة) شاركوا في انجاح هذا الخطاب من خلال النأي بأنفسهم عن أي تدخل مباشر بأي شكل من الأشكال، طالما أن أي ظهور لهم قد يطرح علامات استفهام حول مدى مصداقيته. وقد بدوا من خلال ذلك وكأنما يخفون مصالحهم المالية المرتبطة بنفاذ هذا القانون، وراء وجوه بعض المالكين القدامى الذين يجسدون على غير منبر مشهدية الضحية. أما المفعول الثالث لهذا الخطاب، فهو أنه يمنع أي رجوع الى الوراء في اتجاه اعادة اعتماد آلية التمديد القانوني للايجارات، طالما أنها بحد ذاتها آلية ظالمة تتم دوما على حساب المالك ولا تتماشى اطلاقا مع مبادئ القانون. وقد حقق هذا الخطاب بالفعل نجاحات كبيرة، أبرزها ما نقرؤه في احدى حيثيات المجلس الدستوري، لجهة تأكيده أن المالكين القدامى قد عانوا فعليا من ظلم لسبعين سنة، وقد شكلت هذه الحيثية أحد أسناده لرفض آلية التمديد القانوني واعلان رضاه على الموازنة التي أجراها القانون بين مصالح الفئتين المتنازعتين.

والواقع أن هذا الخطاب ينتقص الى الدقة، بل هو الى حد كبير غير صحيح. وهذا ما نتبينه لدى التدقيق في معطيين اثنين:

الأول، ومن شأنه أن يصحح الخطاب، أن آلية التمديد القانوني لا تؤدي بحد ذاتها الى غبن المالكين، لكنها تصبح كذلك فقط في حال لم تتم وفق شروط الموازنة المشار اليها أعلاه. ومن هنا، وجب تصحيح الخطاب لجهة أن الظلم الذي لحق ببعض المالكين (وليس كلهم) قد نشأ في فترة لاحقة لبدء الحرب وليس قبلها، وتحديدا بعد انهيار الليرة اللبنانية في أواسط الثمانينات، وأنه قد نتج ليس عن آلية التمديد القانوني بحد ذاتها، بل عن اغفال المشرع عن ضمان بدل عادل للمالك كما سبق بيانه.      
    
-  الثاني، ومن شأنه أن يقوض مشروعية خطاب المالكين بشكل كبير، فهو يتصل باختزال المالكين بفئة واحدة منهم هي فئة المالكين القدامى.

والمرجّح هو أن كثيرا من مالكي المآجير الخاضعة للاجارة القديمة قد تملكوا شققهم في فترات متأخرة نسبيا، لقاء أثمان تم تحديدها بعد حسم نسبة تتراوح بين 40 و50%، وهي النسبة التي كانت تسدد اجمالا للمستأجرين القدامى لاسترداد المآجير منهم. وبالطبع، وضع هؤلاء يختلف كليّا عن وضع المالكين القدامى حقيقة. ومن الخداع وسوء النية أن يلعب هؤلاء دور الضحية: فهم لم يعانوا من أي ظلم، لا في الفترة التي سبقت شراء المساكن، ولا بعد ذلك طالما أن استثمارهم تم وهم على بينة تامة بالأعباء المترتبة عليها بنتيجة قوانين الاجارة القديمة وبالعائد المنتظر منها. ولا نخطئ اذا قلنا أن هؤلاء قد اشتروا المساكن تلك وهي مثقلة بحق انتفاع للمستأجرين ضمانا لحاجتهم بالسكن. ومن هذا المنطلق، يشكل تحرير الايجارات بالنسبة الى هؤلاء ليس انصافا لظلم لم يحصل قط، انما بالدرجة الأولى اثراء غير مشروع. فبعدما تملك هؤلاء العقارات بنسبة 50 أو 60% من ثمنها بحجة خضوعها للايجارة القديمة، ها هم يحرزون ربحا هائلا (40 الى 50% من ثمنها) بفعل قانون الايجارات الجديد. وهنا، تجدر الاشارة الى أن هذا الربح يتم ليس فقط على حساب المستأجرين الذي فقدوا حق التمديد، انما قبل كل شيء على حساب المالكين القدامى الذين تفرّغوا لهؤلاء عن عقاراتهم لقاء أثمان متدنّية بسبب اثقالها بأعباء الاجارة القديمة.

ومن هذه الزاوية، يظهر مالكو الشقق الخاضعة للاجارة القديمة ليس فقط على أنهم فئات ذات أوضاع متباينة، بل أيضا على أنهم فئات ذات مصالح متناقضة طالما أن بعضهم قد حقق ربحا على حساب بعضهم الآخر. واللافت أنه رغم هذا الفارق الهائل من حيث الوضعية، فلا المشرع ولا المجلس الدستوري تكلّفا عناء تحديد نسبة هؤلاء ولا حتى عناء التمييز بين الفئات المختلفة للمالكين، فتم وصفهم جميعا على أنهم ضحايا. والواقع أن هذين المرجعين اقترفا بذلك خطأً كبيراً انعكس طبعا على النتائج التي توصلا اليها. فبعدما انطلقا من الرغبة برفع الغبن عن المالكين القدامى، انتهيا الى فتح باب للاثراء غير المشروع أمام عدد كبير من المالكين الحاليين. وبالطبع، تزداد هذه النتيجة قابلية للنقد بقدر ما ترتفع نسبة المالكين الجدد من مجموع المالكين القدامى. 

وهذه الاعتبارات انما تفرض البحث عن نسبة المالكين الجدد من بين مجموع مالكي الشقق الخاضعة للاجارة القديمة (وهي نسبة ما برحت مجهولة بل مغيبة)، على أن يتم التمييز بين هاتين الفئتين في أي معالجة للوضع القائم.     
 
النقطة الرابعة: في عدم جواز الغاء ضمانات لحق دستوري من دون ايجاد ضمانات موازية:
في هذا المجال، نجد خطأ آخر للمشرع وللمجلس الدستوري الناظر في قانون تحرير الايجارات على حد سواء. ومفاده أنه لا يجوز الغاء ضمانات لحق دستوري من دون ايجاد ضمانات بديلة عملا باجتهاد راسخ للمجلس نفسه. والمقصود طبعا بالضمانات الملغاة هو حق تمديد الاجارة بالنسبة لذوي الدخل المتوسط والمحدود أو المعدوم. فالأُوَل (أي ذوو الدخل المتوسط) يحتاجون الى كفالة الدولة لحقهم بالتمتع بمسكن لائق ببدل عادل (يقل بكثير عن بدل المثل تبعا لعوامل المضاربات والسوق)، فيما يرجّح أن يعجز الآخرون عن تسديد البدل العادل حتى، ويحتاجون تاليا الى ضمانات اضافية (مالية أو مساكن شعبية) في هذا السياق. بالمقابل، لا يشمل هذا المبدأ المستأجرين ذوي الدخل المرتفع والذين ليس بامكانهم التذرع بأي حاجة مشروعة في هذا المجال.

ورغم هذا الاجتهاد الثابت والراسخ، فان المشرع لم يجد حرجا في أن يضع جانبا مجمل القوانين التي كان يعدها بهدف وضع سياسة اسكانية، صوّرت على أنها ضرورية لتأمين حقّ السكن تبعا لتحرير عقود الاجارة. فتم الغاء الضمانة من دون استبدالها بضمانات موازية لها.

ولا يرد على ذلك بأن المشرع منح المستأجر مدة سماح قبل تحرير الاجارة تمكينا له من ايجاد بدائل وأنه وضع آلية لمساعدة ذوي الدخل المحدود، ذلك اما لأن هذه الضمانات غير كافية أو لأنها وهمية.

فالبدل المعتمد كمعيار من قبل المشرّع في فترة التمديد السابقة للتحرير ليس البدل العادل المشار اليه أعلاه، بل ولا حتى بدل المثل الرائج في السوق، بل هو بدل يزيد على بدل المثل (5% من قيمة المأجور). وتاليا، فان الضمانة المتمثلة في فرض نسب معينة من بدل المثل تدريجيا في السنوات الستّ للتمديد (وليس كله دفعة واحدة) تكاد تمحّي بفعل ارتفاع البدل المعتمد كمعيار للحساب. وبذلك، بدا المشرع وكأنه يلغي بفعل البدل الباهظ الذي فرضه الضمانة المتمثلة بمنح فترة سماح.

كما أن المشرع لم يول الأشخاص المتقاعدين وكبار السن أو ذوي الحاجات الخاصة أي خصوصية من أي نوع كان، علما أنه يستبعد أن يتمكن هؤلاء من زيادة مداخيلهم خلال فترة السماح، أو من ايجاد بدائل للسكن بغياب أي سياسة اسكانية تشملهم بأحكام خاصة.

وأسوأ من ذلك كله، هو أن بعض هذه الضمانات قد تكون مجرّد وهم. فالمشرع نص على تقديم مساعدات مالية للمستأجرين من ذوي المداخيل المحدودة خلال فترة معينة، وذلك من خلال صندوق أنشئ خصيصا لهذه الغاية. وقد نص على تمويل هذا الصندوق اما من خلال الموازنة العامة للدولة واما من خلال الهبات. وبالواقع، تبدو الضمانة هذه بغياب الموازنة العامة منذ أكثر من عشر سنوات، وكأن نفاذها معلق على تدفق هبات على الصندوق (وهو أمر مستحيل منطقيا). وهذا ما أسمته المفكرة في عددها 18 الصادر في نيسان 2014 سياسة الصناديق الفارغة.  
      
ولم يكن موقف المجلس الدستوريّ أفضل. فاذ سجّل واجب السلطات العامة بوضع السيّاسات الاسكانية وما يرتبط بها من سيّاسات تنموية، فانه تجاهل بالمقابل الأثر المترتب على عدم قيام السلطات بذلك في موازاة الغاء حق التمديد، أو على عدم كفاية الضمانات الممنوحة بموجب هذا القانون.
 
الخلاصة: نحو قانون حق السكن؟

انطلاقا من كل ما تقدم، أمكن تسجيل الخلاصات الآتية:

-  أن حقّ السكن هو حقّ مضمون دستوريّا وبموجب المواثيق الدولية،

- أنه يقع على عاتق السلطات العامة ضمان الحق المذكور من خلال وضع سياسات اسكانية عامة تتجاوز حدود المآجير القديمة، ومع أخذ أوضاع المواطنين (بما فيهم المستأجرين القدامى) المالية والاجتماعية والعمرية بعين الاعتبار. ومن هذه الضمانات طبعا حق التدخل في سوق الايجارات وتحديدا في الحرية التعاقدية بين المؤجر والمستأجر،

- من شأن آلية التمديد القانوني أن تشكل في ظروف معينة أداة لضمان حق السكن، على أن تبقى مشروعيتها وقفا على توفر شرطي الضرورة والتناسب (وجود حاجة مشروعة للمستأجر وضمان بدل عادل للمالك). وتاليا، ثمة ضرورة لتجاوز مفهومين لا يقل واحدهما تطرفا عن الآخر: مفهوم حق الملكية المقدس والذي يحرر المالك من أي مسؤولية، ومفهوم الحق المكتسب للمستأجر القديم والذي يؤدي الى اعلان حق جميع المستأجرين القدامى –بما فيهم المستأجرين ذوي الدخل المرتفع- بتمديد اجارتهم بمعزل عن أي ضرورة أو حاجة،  
 
- أن وضعية مالكي الايجارات القديمة ليست واحدة وكذلك انتظاراتهم وحقوقهم ومصالحهم، وهي تختلف وفق تاريخ تملكهم للمساكن الخاضعة للاجارة القديمة. ففيما أن ثمة ضرورة في انصاف من تم تحميله لسنوات طوال مسؤولية اسكان المستأجر في ملكه، يؤدي تحرير الايجارات بالنسبة الى الآخرين (بعد 1992) ليس الى انصافهم، انما الى تحقيق اثراء غير متوقع وغير مشروع، على حساب المالك القديم الذي تفرغ له عن ملكه بنصف ثمنه لخضوعه لنظام الاجارة القديمة. فاذا به يحقق ربحا هائلا يقارب المائة بالمائة من خلال تحريره من هذا النظام. ومن هنا، لا بد لأي قانون اجارة جديد أن يميز بين المآجير المملوكة من هاتين الفئتين،      
     
- أنه لا يجوز الغاء ضمانة لحق دستوري من دون ايجاد ضمانات موازية عملا باجتهاد دستوري راسخ. وهذا ما تم بفعل قانون تحرير الايجارات بحيث بقيت الضمانات الممنوحة غير كافية وأحيانا وهمية. وهذه القاعدة تستوجب التسليم بوجود ارتباط وثيق بين معالجة الايجارات القديمة ووضع سياسات اسكانية فعلية، وذلك لسببين اثنين:

o اما أن تحتم هذه السياسات الابقاء على تمديد الاجارة القديمة ضمن شروط مغايرة أكثر عدالة للمالكين وصرامة ازاء المستأجرين من ذوي المداخيل المرتفعة، واما أن توفر هذه السياسات ما يمكّن السلطات العامة من منح المستأجرين القدامى من ذوي الحاجات المشروعة ضمانات مساوية للضمانة التي يوفرها لهم حاليا حق التمديد، الأمر الذي يسمح اذ ذاك، وفقط اذ ذاك في تجاوزه والغائه،

o أن أي ضمانة من أي نوع كان تعطى لمستأجر قديم (كأن تقدم له مساعدة مالية) تفترض منح الضمانة نفسها للمواطنين الذين هم في الوضعية نفسها، لجهة الاحتياج الى كفالة الدولة بتأمين مسكن لائق، وذلك عملا بمبدأ المساواة أمام القانون. 
   
انطلاقا من كل ما تقدم، ثمة ضرورة للعمل على وضع مسودة مشروع قانون جديد ناظم لحق السكن وللسياسات الاسكانية العامة. فمن شأن هذا المشروع أن يعيد ترتيب الأولويات، فيعاد حق السكن الى مقدمة النقاش العام، والأهم، أن يضمن شمولية في معالجة المسألة من دون تمييز أو اجتزاء. فلنبدأ العمل.   

نشر في العدد السادس و العشرون من مجلة المفكرة القانونية

[1] "الحق في سكن لائق هو من الحقوق الدستورية الأساسية استنادا الى الشرعات الدولية واجتهادات دستورية مستقرة".
[2] tenants should be protected by appropriate means against unreasonable rent levels or rent increases.
يقتضي حماية المستأجرين بتذابير ملائمة ضد بلوغ البدلات أو زيادتها بشكل غير منطقي.