تغطية “التفوّق العرقي” في الإعلام الغربي


2023-11-15    |   

تغطية “التفوّق العرقي” في الإعلام الغربي

تعريب فاطمة عطوي

يبدو أنّ القيَم المعلَنة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تحرص أغلب الحكومات الغربية دائماً على الدفاع عنها، تذوب وتتلاشى حين يتعلّق الأمر بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد ظلّت هذه الحكومات، ولعقود من الزّمن، تدعم الديكتاتوريات والانقلابات في أرجاء المنطقة غاضّة الطّرف عن الانتهاكات المروّعة لحقوق الإنسان التي ترتكَب هناك. أمّا اليوم، فإننا نشهد ضربتهم الصاعقة التي يوجّهونها لحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات لأيّ شخص يجرؤ على التعبير عن تعاطفه مع الفلسطينيين الذين يتعرضون لهجوم إسرائيلي وحشي.

وقد بات مستوى التعصّب تجاه مثل هذا النوع من التعبير عن التعاطف صارخاً. فلنأخذ كمثال العبارة التالية التي قالها الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967: “تُعِدّ اسرائيل اليوم، على الأراضي التي سيطرت عليها، لاحتلالٍ لا يمكن أن يكون من دون ظلم وقمع وتهجير. وفي حال واجهوا أيّة مقاومة، سيعتبرونها إرهاباً”. التصريح كهذا، لو صدر اليوم، لأثار موجة غضب لدى الحكومات الغربية، وسط أجواء رفض وإدانة.

إذن، نشهد حالياً انزلاقاً خطيراً باتجاه شكل متطّرف من أشكال المكارثية. وفيما اعتاد الشعب العربي على العدوان الإسرائيلي الدموي المتكرر، يشعر كثيرون، اليوم، بالصدمة إزاء الدعم الغربي الكامل وغير المشروط لإسرائيل.

ولا يقتصر هذا الموقف المذهل من الدعم غير المشروط على دوائر صنع القرار فحسب. فقد فشلت وسائل إعلام دولية عريقة بدورها في توفير تغطية متوازنة للأحداث، حتى أنّها انخرطت في تطبيق أساليب تضليلية. بل وأكثر من ذلك، فقد قلّلت من أهمية التصريحات الصادرة عن جماعات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، والعديد من وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، التي تحذّر من جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزة. وفُتحت المنصات الإعلامية وحلقات النقاش أمام أكثر الأصوات تطرفاً للتعبير عن كراهيتهم، وأحياناً، من دون أيّ ردّ من قبل مستضيفيهم. وتنحدر تلك البرامج في معظم الأحيان إلى وصم الفلسطينيين بالسوء والقبح، بلهجة قوية يعتريها التفوّق العرقي supremacism وبغيضة إلى أقصى حدّ ممكن. وتكثر الحجج التي تعكس الموقف التفوّقي الذي تتبناه هذه المنافذ الإعلامية، أبرزها الادعاء بأنّ “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”.

لكن هناك ما يكفي من الأدلّة لفضح زيف ذلك الادّعاء. فعلى سبيل المثال، تكلّم وزير التراث الإسرائيلي، عميحاي إلياهو، بكل صراحة ومن دون أية مواربة عندما لم يستبعد إسقاط قنبلة ذرية على قطاع غزة باعتباره “أحد الاحتمالات”. ويعتقد إلياهو بأنّ “على الفلسطينيين أن يذهبوا إلى أيرلندا أو الصحاري”، وأنّ “أي شخص يلوح بأعلام فلسطين أو حماس لا ينبغي أن يستمر في العيش على وجه الأرض”.

وقد وصل إنكار إنسانية الفلسطينيين ذروته، حين وصف وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الفلسطينيين بأنّهم “حيوانات بشرية”، وهو تصريح تبناه كاملاً الممثل الكوميدي الفرنسي ميشال بوجناح، الذي قال لراديو “جي” المؤيّد لإسرائيل ومقرّه باريس إنّ حماس تتصّرف مثل “النازيين”.

أمّا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تصفه معظم وسائل الإعلام الغربية بالعلماني، فقد تبنّى الخطاب الديني واستشهد، في رسالة وجهها إلى قواته العسكرية، بقصة “العماليق”، وهم قوم ذكرهم الكتاب المقدس العبري، لتبرير قتل أهل غزة. وقال: “يجب أن تتذكّروا ما فعله العماليق بكم”. يذكَر أنّ الاقتباس الذي أشار إليه نتنياهو حول العماليق هو في سفر صموئيل، الإصحاح 15، الآية 3: “اذهب واضرب عماليق، وأهلِك كلَّ ما لهم، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل الرجالَ والنساء والرُضّع والبقر والغنم والجِمال والحمير “. وكان نتنياهو قد استحضر تصورات النور الذي يحارب الظلمة، مضيفاً: “سنحقق نبوءة إشعياء”.

واستخدم السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بدوره خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي المسياني messianic نفسه معبّراً عن اعتقاده بـ “أننا في حرب دينية”، وأضاف: “وأنا من دون أيّ أسف، أقف مع إسرائيل”. وجاء تصريح غراهام بمثابة تذكير بأنّ الحرب على غزّة يقودها تحالفٌ دولي. فقد انضمّتْ سفن حربيّة وطائرات بريطانية وقوة من مشاة البحرية الملكية إلى مجموعة حاملة طائرات تابعة للبحرية الأميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط من أجل دعم إسرائيل، في حين انخرط مرتزقة من إسبانيا وفرنسا في القتال مع القوات الإسرائيلية، برواتب تتجاوز 12 ألف دولار شهرياً. أمّا الوسطاء السياسيون فمعظمهم قد فقَد مصداقيته. وغنيّ عن القول إنّهم رغم الإبادة الجماعية المتواصلة في القطاع، وإلى حين كتابة هذا المقال، لم يدعوا حتى إلى وقفٍ لإطلاق النار.

وكما علّمنا التاريخ، فإن أيّ فعل مناهض للقمع والظلم لا يعتبر شكلاً من أشكال المقاومة إلاّ حين يُتفّق على أنّ القضية عادلة. وقد كسر ألكسندر سولجينتسين أحد المحرّمات عندما كتب في روايته “أرخبيل غولاغ” عن الشعب الشيشاني: “كانت هناك أمة واحدة لم تستسلم، ورفضت قبول ذهنية الخضوع، ليس فقط المتمردون الأفراد منها، بل الأمة بأكملها”. إلّا أنّ سولجينتسين نفسه، تراجع عن موقفه، في العام 1999، عارضاً دعمه لموسكو في “مكافحة الإرهاب”. لكن، كلّنا يعلم أنّ الأمر كان وما زال وسيبقى مسألة حرّية. إنّ الثمن باهظ، لكن ليس أبهظ من كلفة الحرب.

لقراءة المقال باللّغة الانكليزية

انشر المقال

متوفر من خلال:

مؤسسات إعلامية ، مقالات ، فلسطين ، إعلام



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني