اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية: مثابرة ضد سلطة مسكونة برهابها


2018-05-18    |   

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية: مثابرة ضد سلطة مسكونة برهابها

"31% من مجمتع الميم  عانوا  في لبنان من العنف على خلفية ميولهم الجنسية، 5 أشخاص تعرضوا لمحاولات قتل بالسلاح للسبب نفسه، 10% من أفراد المجتمع عينه  قضوا فترة من حياتهم مشردين بلا أي مسكن في لبنان، و 41% من بينهم لا يعرفون شيئاً عن حقوقهم": هذه بعض الأرقام التي عرضها ريبال معتوق من جمعية موزاييك في إطار المؤتمر الصحفي الذي عقدته جمعية حلم بتاريخ 17 أيار 2018، ضمن فعاليات اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية والعبور الجندري.

النسب والأرقام هي نتائج  إحصاءات أجرتها موزاييك بين عامي 2014 و2016، وتبين حجم التهميش والهشاشة التي يعيشها المثليون/ات، وعابروا/ات الجندر في لبنان. واقع تعرض الأشخاص لأسوأ أشكال القمع بسبب ميولهم الجنسية إشكالية أساسية تناولتها الجمعيات المشاركة في الفعالية من جوانبها كافة . يتأتى هذا التمييز السلبي والقمع من إمتناع الدولة اللبنانية عن تنفيذ التزاماتها الدولية بحسب ما بيّنه جوزيف عون من جمعية حلم، مروراً بممارسات الملاحقة والمعاقبة الممأسسة والممنهجة بحق مجتمع الميم وفقاً للمحامي كريم نمّور من المفكرة القانونية، وصولاً إلى الوصول إلى الحماية كما يوضح المعالج النفسي من جمعية مرسى للصحة الجنسية ميلاد أبوجودة. ومن الناحية الصحية،  عرضت الناشطة قي جمعية حلم نايا (من عابري الجندر) التوصيات المطلوب تنفيذها لتأمين إطار حمائي لأفراد مجتمع الميم.

وتطرق المؤتمر إلى أهمية دور الإعلام في تحسين واقع الفئات المهمشة وتظهير مطالبها. وهو ما شرحته ميرا عبدالله من  مركز GAB  الإعلامي التابع للمؤسسة العربية للحريات والمساواة.

الرهاب ممنهج في لبنان

للعام الثاني على التوالي، يتم قمع[1] ووقف أنشطة مرتبطة باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية. فيوم الإثنين الفائت، تم توقيف منظم فعالية "بيروت برايد" هادي دميان لدى مخفر حبيش في بيروت، حيث بات ليلته وتم إستجوابه وتركه في اليوم التالي. وعادة، يوضع في حبيش الموقوفون بجرائم "آداب" وجرائم "مخدرات". توقيف دميان، يتصل بالأمسية التي إستضافها "إستديو زقاق"، والتي تخللها قراءة لنص المسرحي "غيلان (Ogres)"، وهي مجموعة من القصص التي تحاكي جرائم واعتداءات نفذت بإسم كره المثليين والرهاب تجاههم. وتم توقيف دميان بعد حضور عناصرأربع 4 جهات "أمنية": الأمن العام والإستقصاء والرّقابة والآداب". أما تركه فكان وفقاً لصيغة مشروطة يبينها بيان "بيروت برايد" : "عرض عليّ مخرجَين إثنين: يتمثل الأوّل بإلغاء جميع أنشطة بيروت برايد المدرجة في البرنامج حتّى ٢٠ أيّار ٢٠١٨، وتوقيعي على تعهّد بذلك ليُطلق سراحي  بعد توقيع ثانٍ على سند إقامة. أما المخرج الثّاني فيقضي وفق البيان نفسه ب"إلغاء جميع أنشطة بيروت برايد المدرجة في البرنامج حتّى ٢٠ أيّار ٢٠١٨، وعدم توقيعي على التعهّد المذكور أعلاه، لأُحال إلى قاضي التحقيق ليتمّ استجوابي بعد الإدّعاء عليّ بمواد الحضّ على الفجور والإخلال بالآداب العامّة بسبب تنسيق النشاطات". ويتبين أن المخرجيّن كانا يتضمنان  إلغاء الأنشطةوإختار دميان أن يوقع التعهد.

 ما واجهه دميان هو مثال صريح على ما يتعرض له أفراد مجتمع الميم من ملاحقات تعسفية مستمرة. يوضح عون أن عدد الاعتقالات للأفراد على خلفية ميولهم الجنسية زاد خلال عام 2016 بنسبة 100%. كل هذا يحدث "في ظل سوء إستخدام كبير لنص المادة 534، وغموضها أيضاً". والتوقيفات "تعسفية"، وتتم بناءً على "تحقيقات تجري بصيغ غير رسمية على الطرقات وفي الأماكن العامة". أيضاً، خلال التوقيف "تحصل تجاوزات  وإنتهاكات فاضحة، مثل أن يجبر ثلاثة أشخاص على إجراء فحوصات نقص المناعة على حسابهم الشخصي، ومن دون مبرر قانوني يبيح هذا الإجراء، باستخدام الإبرة نفسها ". أيضاً كأن "يتم إيهام شخص خلال توقيفه انه مصاب بفيروس نقص المناعة خلافاً للواقع". إلى ذلك، لا يزال بعض المدعين  العامين يشيرون إلى الضابطة العدلية بإجراء الفحوصات الشرجية رغم منعها منذ العام 2012.

في سياق الانتهاكات التي ترتكبها أجهزة الملاحقة، يستعيد نمّور مضمون نص المادة 534 التي تتم ملاحقة أفراد مجتمع الميم على أساسها. وهي تجرم "المجامعة على خلاف الطبيعة"، أي أن "حصول علاقة جنسية هو عنصر من عناصر الجرم الذي تتناوله المادة". وفيما أن وصف "على خلاف الطبيعة، هو بحد ذاته فلسفي ومطاط، فإنه يرتبط بكل الأحوال بشرط إرتباطه بقيام علاقة جنسية" وفقاً لنمّور. خلافاً لذلك، فإنه تتم ملاحقة الأفراد  جزائياً خارج هذا السياق، أي خارج أي نص قانوني، على خلفية "التشبه بالإناث، أو النعومة، أو أن يقول شخص أنه مثلي الجنس خلال التحقيق معه بأي جرم غير مرتبط بالـ 534، أو في سياق إدلائه بشهادة عن جريمة لا دخل له بوقوعها". ما يفاقم خطورة هذه المسألة هي وسائل الإثبات التي يستند إليها لتجريم ميول الافراد الجنسية. يشير نمّور لهذه الناحية أنه غالباً ما يستند إلى "إفادة الشخص، صور على هاتفه، أو بعد إخضاعه لفحوص شرجية". وهي أساليب تنتهك الحقوق الأساسية للأفراد، لا سيما لناحية الفحوصات الشرجية التي تصنف تعذيباً.

إذن، تستمر مؤسسات الدولة بإتباع هذا النهج تجاه  أفراد مجتمع الميم، على الرغم من كل التطور العلمي والحقوقي في هذا المجال. يقول نمّور أن "العلم أثبت أن المثلية ليست مرضاً ولا اضطراباً، وبنى علم الإجتماع والإقتصاد العديد من النظريات التي وصل بعضها إلى حد إظهار أهمية الاختلاف على صعيد الميول الجنسية والفائدة منه، وكذلك تكرس المبادئ والحقوق الأساسية حماية أفراد الميم،  حتى أن مبادئ القانون الجزائي اللبناني تلزم القاضي بتفسير النص لمصلحة الشخص الملاحق عندما يكون النص القانوني غامض". وهو ما يعني، بالنسبة لنمّور، أن إستمرار أجهزة الدولة ومؤسساتها باتباع السلوك القمعي نفسه يشكل "شذوذاً عن العلم، وشذوذاً عن المبادئ الدولية، وشذوذاً عن القانون نفسه". والحال أن "رهاب المثلية ممنهج و ممأسس في لبنان".

حماية متعددة الأقطاب

على الصعيد القانوني، وفي ظل وجود المادة 534 كواقع، فان الحماية تكون "بضمان استقلالية القضاء في لبنان، ليتمكن القضاة من لعب دورهم في تفسير القوانين وتطويرها وحماية الحقوق والحريات". ومن الأدوات الممكنة لدفع القضاة بهذا الإتجاه حالياً، المرافعة النموذجية التي نشرتها المفكرة القانونية.

غير أن "الحماية لا تتجزأ"، وهو المبدأ الذي ينطلق منه أبو جودة للحديث عن الصعوبة في الوصول إلى الخدمات الصحية، لا سيما بالنسبة للمصابين بفيروس الإيدز. يضيف أنه "لا بد من جعل العلاجات متاحة بوسائل وآليات أسهل من المتّبعة، بشكل خاص لناحية مركزية مكان العلاج وضرورة إنتقال المصاب اليه للحصول على الدواء". وهذا يتعارض مع "نظريات الصحة العامة الأساسية، والتي تقول أن مساعدة الأشخاص بالوصول إلى الخدمات وتوعيتهم على كيفية حماية أنفسهم، هو ما يتيح لهم أن يبدأ بالاهتمام بالآخرين وصحتهم بالتالي يمكّنهم من تغيير المجتمع". في هذا السياق يوصي مركز مرسى بـ "تحسين الخدمات وإتاحتها، بناء القدرات لكي يكون للأشخاص القدرة على التغيير وتعزيز مفهوم المواطنة المستندة إلى المساواة التامة".

من جهته يبيّن عون الخطوات التي تتخذها "حلم" على الصعيد الدولي، لتحقيق المساواة لأفراد مجتمع الميم مع باقي مواطني وسكان ولة اللبنانية. واستطاعت الجمعية من خلال تنظيمها تقارير الظل التي نظمتها خلال الأعوام الفائتة تحقيق بعض الخطوات. فقد أوصت العديد من الدول لبنان إتخاذ إجراءات لوقف ملاحقة الأشخاص وقمعهم على خلفية ميولهم الجنسية. وتتراوح التوصيات للبنان بين "تفسير المادة 534 وتوضيحها، إلغاء التمييز ضد المثليين/ات والعابرين/ات،  إصلاح القوانين، وإلغاء المادة 534". يضيف عون أن ممثل الدولة اللبنانية "دوّنَ هذه التوصيات، وهي ي خطوة إيجابية نحو الأمام".

تحقيق هذه الأهداف والتوصيات يرتبط بشكل أساسي بالدور الذي يلعبه الإعلام في هذا المجال. هذا ما توضحه ميرا عبدالله التي تشير إلى أن "وجود صحافيين مناصرين لحقوق الإنسان فتح مجالاً امام أشخاص ينتمون إلى فئات مهمشة لإيصال وجهة نظرهم". المشكلة أنه على الرغم من كل الجهود المبذولة على هذا الصعيد، "تأتي  حلقة تلفزيونية تتوخى رفع نسب المشاهدة من خلال تكريس صور نمطية عن المثليين لا تعبر عن واقع أفراد المجتمع كنمط إنما فقط عن بعض الأفراد الذين لديهم واقع خاص، وتعيدنا كثيراً إلى الوراء". لذا تشدد عبدلله على أن الإعلامين والصحافيين قادرون على إحداث فرق من خلال تبنيهم فهماً عال لـ"الموضوعية". في هذا السياق تسأل عبدالله "أين الموضوعية من وضع فرد مثليّ بكل الأحكام المسبقة المعلقة عليه أصلاً، في مواجهة رجل دين يتمتع بمكانة وسلطة في الأساسً".  وترى عبدالله أن الصحافي مطالب أن يسأل نفسه "هل أنا مطالب فقط أن أنقل الخبر أم أيضاً أنني ألعب دوراً في نشر ثقافة رفض العنف وخطاب الكراهية". والحال أن "دور الإعلام أساسي في دعم القضاة والناشطين المناصرين لقضايا حقوق الانسان، وذلك  لتكوين كتلة مناصرة توصلنا إلى تمثيل متوازن ومحق".


[1] – فيفيان عقيقي، الدولة خاضعة لرهاب المثلية، جريدة الأخبار، مجتمع، الإثنين 15 أيار 2017

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني