الحق في التعليم الجامعي معلّق على “الفريش” دولار


2022-02-02    |   

الحق في التعليم الجامعي معلّق على “الفريش” دولار
النادي العلماني في الجامعة العربية في بيروت

“ما بعرف حالي كيف بخلّص الصفوف، بقسّم وقتي بين الشغل والجامعة بطريقة بتجبرني إني أحياناً ما إحضر بعض المواد”. بهذه العبارة لخّص كريم (اسم مستعار) معاناته لدفع أقساط جامعته “الأنطونية” التي ارتفعت كثيراً في العامين الماضيين، وصولاً إلى القرار الذي أصدرته مؤخراً بزيادة 180 دولاراً “فريش” عن كلّ فصل، مخالفةً بذلك القوانين اللبنانية التي تعتمد الليرة كعملة للإيفاء والإبراء.

المأساة التي يعيشها طلبة “الأنطونية” مماثلة لزملائهم في الجامعة العربية في بيروت التي قررت فضلاً عن رفع سعر صرف الدولار من 2750 إلى 5000 ليرة، فرض مبلغ مقطوع بالدولار “الفريش” حصراً بقيمة تتراوح بين 300 و600 دولار عن كل فصل حسب الاختصاص، وسط أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع مهول في سعر الصرف ناهز في الآونة الأخيرة 30 ألف ليرة.

ما يكابده طلاب الجامعتين لجمع قيمة أقساطهم، ينطبق على كثر من طلاب الجامعات الخاصّة الذين أجبروا إمّا على العمل في أكثر من وظيفة لتغطية مصاريف الجامعة، أو على التوقف عن الدراسة أو تغيير اختصاصهم في بعض الأحيان، وذلك نتيجة ارتفاع الأقساط وكلفة التنقّل والسكن الجامعي إضافة طبعاً إلى تراجع قيمة رواتب أهاليهم أو حجز ودائعهم في المصارف التي كانوا يخصّصونها لدفع أقساط أبنائهم.

معاناة الطلاب لتأمين الأقساط ومصاريف الجامعة

يعمل كريم كما روى لـ”المفكرة القانونية” في وظيفتين: الأولى بدوام جزئي في أحد المقاهي البيروتية، والثانية مع إحدى المنظمات غير الحكومية، كلّ ذلك ليؤمّن أقساط سنته الجامعية الثالثة والأخيرة في الأنطونية. ومع ارتفاع الأقساط وفرض نسبة بالدولار، بقي عليه دفعات متأخرة ومتراكمة. 

ويضيف أنّ إدارة الجامعة رفضت للمرة الثالثة إعطاءه بياناً بعلاماته من بداية العام الدراسي حتى تاريخ تقديمه طلب، مشترطة تسديد الدفعات المتأخرة والمتراكمة عليه. مع أنه يحتاج إلى هذه العلامات حتى يتمكّن من الحصول على فرصة استكمال دراسة “الماستر” في الخارج.

ولا ينفي كريم أنّه فتّش عن جامعة أخرى يكون قسطها أقل وأقرب إلى مكان سكنه، ولكن كونه في عامه الجامعي الأخير، فضّل أن ينجز هذا العام بأي طريقة لكي لا يكون قد أهدر سنتين جامعيتين بلا جدوى. 

عادل (اسم مستعار) يدرس في الجامعة العربية في بيروت. اختار الإقامة في أحد المساكن الطلابية القريبة من الجامعة لتوفير مصاريف التنقّل. يعمل ممرضاً بشكل مستقل حيث يتوجّه إلى المنازل لتركيب مصل أو إعطاء حقن أو تغيير جروح. إلّا أنّ العمل في هذا المجال “غير مستقر ومردوده بات قليلاً بعدما اشتدت الأزمة الاقتصادية”، إلّا أنّ المردود على قلّته يساعد عادل في دفع إيجار غرفته الذي يصل أحياناً مع اشتراك الكهرباء إلى مليوني ليرة شهرياً، بعدما كانت قيمة الإيجار قرب الجامعة العربية لا تتعدى 450 ألف ليرة للغرفة. أما القسط الجامعي، فيساعده أهله في دفعه. 

كارم العريضي، طالب سابق في الجامعة الأنطونية، يروي لـ “المفكرة” أنّه تسجّل عام 2020 في اختصاص مختبر الأسنان، لكنّ الجامعة رفضت أن يُحضر المعدّات التي تملكها شقيقته التي درست الاختصاص نفسه في الجامعة ذاتها. وأجبرته الجامعة على شراء معدّات جديدة ودفع ثمنها بالدولار وقد وصلت قيمتها إلى 750 دولاراً فيما سُمح له بتقسيطها على 3 أشهر. وإضافة إلى قسطه الجامعي والنسبة التي أصبح يتعيّن عليه دفعها بالدولار، على كارم أن يتحمّل كلفة التنقّل التي ارتفعت هي الأخرى، حيث يدفع مثلاً ما لا يقلّ عن 200 ألف ليرة للتنقّل من مكان سكنه في بيصور إلى بعبدا حيث مقرّ الجامعة. 

تحت هذه الضغوط، فضّل العريضي ترك الاختصاص الذي اختاره عن قناعة وترك الجامعة الأنطونية والانتقال إلى جامعة أخرى لدراسة اختصاص التسويق الذي “لا أحبه ولكن القسط منطقي أكثر” على حدّ تعبيره. ويجد في خياره الجديد فرصة للحصول على شهادة جامعية يمكن أن تساعده في الهروب من لبنان بعد التخرّج. 

الحراك الطالبي يتصدّى

تحرّكت القوى والأندية الطالبية في الجامعتين الأنطونية والعربية ضدّ زيادة الأقساط ودولرتها، بدءاً بحملة إلكترونية تحت وسم #علمي_مش_فرق_عملة، وسينتقل طلاب “العربية” إلى تنفيذ سلسلة من التحرّكات أمام مدخل الجامعة وداخل حرمها وصولاً إلى تعطيل الأعمال الإدارية الأكاديمية إذا اضطرّ الأمر، وذلك بحسب ما يقول ممثل الحراك الطالبي عبد الرحمن قصّار في اتصال مع “المفكرة”. 

ويلفت قصّار إلى أنّ ممثلين عن الحراك الطالبي كانوا قد التقوا عميد شؤون الطلاب في الجامعة صبحي أبو شاهين في محاولة للتفاوض مع الإدارة، إلّا أنّ الجلسة تحوّلت إلى جلسة نقاش أوضح خلالها أبو شاهين مبرّرات هذه الزيادة. وقد سبق لـ”حراك الطلاب” في جامعة بيروت العربية أن ناشد في بيان رئيس الجامعة عمرو جلال العدوي، التراجع عن قرار الزيادة، حيث لفت البيان إلى أنّ الجامعة التي “اعتادت مراعاة ظروف طلابها في ظل أوضاع لبنان المنحدرة يومياً إلى الأسوأ في كل المستويات” قد أغفلت معاناة الطلاب وأهاليهم لناحية احتجاز أموالهم في المصارف وضع سقف سحوبات شهرية “لا تلبّي حتى نصف المبلغ المذكور في جدول الأقساط الجامعية”، فضلاً عن تدنّي قيمة الأجور وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وعلى صعيد حراك طلاب الجامعة الأنطونية، أصدر النادي العلماني في الجامعة بياناً وصف فيه قرارات الجامعة بغير العادلة “بوضع رسوم إضافية بمبلغ لا يقل عن ٣٠٠ ألف ليرة لبنانية عن كل امتحان معاد لأسباب طارئة (make-up exam)، كذلك إضافة رسوم تسجيل على الفصل الواحد عوضاً عن السنة كاملة، كما إضافة ١٨٠$ على الأقساط بعملة الدولار لتعويض الخسائر ودفع معاشات الأساتذة”، وهي قرارات تُثبت أنّ الجامعة الأنطونية “مؤسسة تبغى الربح على عكس ما تزعم، فتساهم بذلك بتسليع العلم على حساب مستقبل طلابها وطالباتها”. 

ويقول حازم المغربي من النادي العلماني في الجامعة الأنطونية إنّ تحرّك الطلاب هو لمواجهة “عشوائية رفع الأقساط في جامعة تدرّس عن بعد وتقلّص من مصاريفها التشغيلية بشكل كبير جداً”. 

وقد علمت “المفكرة” بأنّ أعداد الطلاب في الصفوف يصل إلى 60 طالبا، وهو عدد كبير جدا في جامعة خاصة، لتكون إدارة الجامعة قد استغلت ظروف الجائحة والتعليم عن بعد لترفع من قدراتها الاستيعابية بشكل كبير لتحصيل مزيد من الأرباح، في وقت تطلب فيه زيادة في الأقساط. ويشكو الأساتذة أيضاً من هذه الخطوة، لا سيما أنها تؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم، فالأساتذة لا يستطيعون المتابعة بشكل فعّال مع هذا العدد من الطلاب في كل صف.

ويتابع المغربي أنّ الجامعة “تملك استثمارات تدرّ لها مالاً، وهي حالياً تقوم بتشييد أبنية جديدة لها ما يدل على أنّها قادرة على تسديد رواتب الأساتذة من دون رفع الأقساط على الطلاب”.

التسعير بالدولار غير قانوني ورفع الأقساط ضرب للحق في التعلّم 

يؤكد المحامي علي عباس أنّ بدعة التسعير بالدولار “الفريش” مخالفة للقوانين اللبنانية، لا سيّما قانون النقد والتسليف الذي يعتمد العملة اللّبنانية كعملة للإيفاء والإبراء الكامل. 

لكنّ المشكلة الفعلية لا تكمن هنا، فوفقاً لعباس إنّ تحصيل الطلاب لحقوقهم من خلال اللجوء إلى القضاء بات أمراً صعباً في ظلّ تعطيل القضاء وأجهزة الدولة. 

ورفع الأقساط بهذه الطريقة يُعدّ ضرباً للحق في التعليم لشريحة كبيرة من الطلاب، وبحسب منظمة الأونيسكو، تتحدث كافة المعاهدات الدولية الخاصة بالتعليم عن ضرورة جعل فرص التعليم العالي متساوية للجميع بناء على قدرات الأفراد، وذلك عبر توظيف جميع الوسائل الملائمة من قبل السلطات. والدولة اللبنانية صادقت على هذه الاتفاقيات، إلّا أنّها لم تتدخّل فعلياً إزاء ما يحصل بحق الطلاب من زيادات في الرسوم والأقساط تفوق قدرتهم وقدرة ذويهم على تحمّلها.

“الأنطونية” و”العربية”: “مجبرون” على تحصيل “الفريش” 

يشرح عميد شؤون الطلاب في جامعة بيروت العربية، صبحي أبو شاهين، في مقابلة مع “المفكرة” الأسباب التي دفعت إدارة الجامعة “العربية” لاتخاذ هذا القرار، فتحدّث عن أزمة مالية تعاني منها الجامعة منذ مطلع العام 2020. يقول إنّ الجامعة “رغم الأزمة الاقتصادية وحجز المصارف لأموال الجامعة، لم تفرض أي زيادات على الطلاب حتى بداية العام الحالي”. 

والقدرة على تغطية النفقات التشغيلية الكبيرة بالدولار كعقود الصيانة وكلفة المحروقات وغيرها، والمحافظة على جودة التعليم السببين الرئيسيين لطلب هذه الزيادات، “فعدم دفع رواتب مقبولة للأساتذة والموظفين دفعت بقسم منهم لترك الجامعة وآخرين تركوا البلد نهائياً”.   

وقد شدد أبو شاهين على أنّ الجامعة ستدرس وضع الطلاب وستولي اهتماماً للحالات الخاصة، ويقول إنّ الجامعة “تتحمّل أساساً 75 بالمئة من النفقات فيما لا يتحمّل الطلبة سوى 25 بالمئة فقط”، ويضيف بأنّ الجامعة تحاول “الاستمرار بالحدّ الأدنى خاصة أنّ 90% من موارد الجامعة تعتمد على أقساط الطلاب”. 

يتفق أمين عام الجامعة الأنطونية الأب زياد معتوق مع أبو شاهين حول مسألة ضرورة رفع الأقساط من أجل الحفاظ على جودة التعليم، ويقول لـ”المفكرة” إنّ تسرّب الأساتذة والموظفين من الجامعات بات يشكّل تهديداً فعلياً للتعليم العالي في لبنان. ويلفت معتوق إلى أنّ الرهبانية الأنطونية نجحت حتى العام الماضي بتغطية الجزء الأكبر من النفقات إذ لم يتخطّ سعر الدولار الطلابي في الجامعة 2650 ليرة، إلّا أنّ هذا الوضع لا يمكن له أن يستمر. ويضيف معتوق أنّ الزيادة المطلوبة بالدولار “الفريش” من كلّ طالب تبلغ بين 500 و600 دولار لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب والأجور، “إلّا أنّ الطالب لا يدفع سوى 180 دولاراً مقسطاً على ثلاث دفعات فيما تغطي الرهبنة المبلغ المتبقي”. 

وحول مخالفة الجامعة للقانون نتيجة طلبها مبلغاً مقطوعاً بالدولار “الفريش” حصراً، يقول إنّ “الجميع ضحايا فلتان أسعار الصرف في البلد”. ويعتبر أنّ “الجامعة كما الطلاب ضحية هذه الأزمة الاقتصادية”. 

ونفى معتوق ما يُحكى عن المبنى قيد الإنشاء، ويقول بأن الأعمال توقفت منذ العام 2017 نتيجة الأزمة الاقتصادية. كما نفى معتوق قيام الجامعة باستقبال طلاب 60 طالباً في كلّ صف بما يفوق القدرة الاستيعابية، ويقول إنّ ذلك حصل في مقرّر أو مقررين نتيجة السماح لطلاب الجامعة في الفروع البعيدة أن تنضم لزملائها في فرع الأنطونية لإجراء الصفوف أونلاين عوضاً عن حرمانهم من المشاركة في هذه المقررات نتيجة عدم توفر الأساتذة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

حركات اجتماعية ، الحق في التعليم ، لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني