نقاشات حول دستورية أداءات في تونس


2014-08-11    |   

نقاشات حول دستورية أداءات في تونس

كشفت نهاية النصف الاول من سنة 2014 عن الحاجة لمراجعة قانون المالية لسنة 2014 بسبب تقلص الموارد العامة في مقابل تضخم التعهدات المالية العمومية. ودفع ذلك الحكومة التونسية لتقديم مشروع ميزانية تكميلية للمجلس الوطني التأسيسي في محاولة منها لحل الاشكاليات القائمة  خارج اطار التداين الخارجي بعد ان تم استنفاذ سبله. ورغم ان مشروع الموازنة التكميلية كان تحت عنوان "نحو الانتعاش الاقتصادي" بما قد يوحي بكونه مشروعا اصلاحيا بالأساس، الا ان النظر في احكامه يبين ان الجانب الاهم  منه كان مخصصا لتحسين موارد الدولة الجبائية في سياق تدخل يهدف لايجاد موارد ذاتية لميزانية الدولة.

وبرز السعي لتحسين الموارد المالية في قانون المالية التكميلي كما صاغته الحكومة  على مستويين، أولهما يتمثل في تطوير استخلاص الجباية المباشرة من خلال تدعيم آليات الرقابة والتصدي للتهرب الجبائي وثانيهما يقوم على تعبئة موارد اضافية من خلال فرض مساهمات استثنائية على الخاضعين للاداء مخصصة لميزانية 2014 أو فرض اداءات غير مباشرة مستحدثة ستضاف للاداءات الجاري العمل بها مع الترفيع في نسب احتساب اداءات أخرى.

لم يلق فرض أداء إضافي معارضة من نواب المجلس الوطني التأسيسي بعد ان تأكد ان الاجراء استثنائي بما منع من اعتباره عبئا دائما على المطالبين به.

ولقيت اجراءات "التصدي للتهرب الجبائي" ترحيبا لكونها تحقق احدى قيم العدالة الجبائية التي تفترض التقاسم العادل للاعباء الجبائية. فيما كشف مشروع قانون المالية التكميلي ان  هاجس "دعم موارد الموازنة بالاداءات غير المباشرة " جعل الحكومة التونسية تلتفت على تعارض عدد من الاداءات التي اقترحتها مع  الحقوق والمبادئ الاساسية التي يحفظها دستور البلاد التونسية. اذ تضمن مشروع القانون في نسخته التي قدمت للمجلس التأسيسي ثلاثة اداءات غير مباشرة كانت الاكثر اثارة للجدل من جهة مسها بالحقوق والحريات. وتتمثل الاداءات المذكورة في اداء على عقود الزواج والاداء على نشر القضايا وضريبة مغادرة البلاد التونسية التي تحمل لكل غير مقيم قضى مدة بالبلاد التونسية عند اعتزامه مغادرتها.

وفي مقابل اهمال الحكومة في اعدادها لمشروع موازنتها التكميلية الاهتمام بدستورية الضرائب التي تسعى لفرضها، لم يمنع الاستعمال الرسمي للواعز الوطني في الدعاية لمشروع القانون المجتمع المدني التونسي من التصدي للضرائب التي يشكل فرضها تعديا على الحقوق الاساسية.

وقد لقيت فكرة فرض ضرائب على عقود الزواج معارضة من المجتمع المدني الذي اعتبر ان سعي الحكومة لجمع اتاوات من عقود الزواج يعد قيدا على الحق في الزواج ويفتقر للكياسة. كما اصطدم اقتراح فرض "أداء على  نشر القضايا" بمعارضة حقوقية لتعلق الامر بحق التقاضي ومجانيته. فيما لم يتم الاهتمام في مرحلة اولى بفكرة فرض ضريبة على غير المقيمين عند مغادرتهم البلاد التونسية. وعند طرح مشروع قانون المالية بالجلسة العامة عارض طيف من نواب المجلس الوطني التأسيسي فرض الضريبة على التونسيين المقيمين بالخارج وكان سند الرفض حماية مصالح مواطنيهم  المهاجرين.

دفعت الاعتراضات المبدئية على فرض الاداء على نشر القضايا وعقود الزواج الحكومة التونسية لسحب مقترحها بشأنهما قبل احالة مشروع القانون على المناقشة بالجلسة العامة. فيما ادت اثارة نواب المجلس التشريعي لاعتراض على فرض ضريبة المغادرة على التونسيين غير المقيمين بالحكومة الى اقتراح استثناء التونسيين غير المقيمين من دفع الاداء المستحدث. ليتم فرض الضريبة الجديدة التي ستجعل الاجنبي غير المقيم يطالب بدفع اداء جبائي قدره ثلاثون دينارا تونسيا عند مغادرته تونس.

ومما تقدم، بدا تراجع الحكومة عن أداء الزواج ونشر القضايا انتصارا للحقوق والمبادئ التي ارساها الدستور فيما كان التراجع الجزئي عن الاداء الثالث ترضية لنواب المجلس التأسيسي طالما يصعب تبرير تمييز التونسيين غير المقيمين عن غيرهم من غير المقيمين بشكل مبدئي، الأمر الذي يخرق مبدأ العدالة الجبائية. علاوة على ذلك، ان ضريبة المغادرة التي تم إرساؤها تمس بحق الأجنبي غير المقيم بالتنقل إلى خارج  البلاد التونسية. وقد يثير إعمالها  إشكاليات  تطبيقية في صورة عجز الخاضع لها عن دفع معينها او امتنع عمدا عن ذلك وهي أمور متى تحققت تطرح السؤال حول أثرها على مبدأ حرية التنقل. كما تدفع للسؤال حول حق البلاد التونسية في احتجاز الأجنبي غير المقيم ومنعه من مغادرتها بدعوى عدم خلاصه لأداء المغادرة.

سمح التعامل المبدئي مع ضريبتي "نشر القضايا" وعقود الزواج من تحقيق تكامل بين المجتمع المدني والمجلس النيابي في الدفاع على حماية المبادئ الدستورية. فيما ادى اعتبار غيرهما من الاداءات من المسائل الفنية التي يعود نظرها لمختصي الجباية ورغبة نواب المجلس التأسيسي في توظيف نقاشاتهم حول "ضريبة المغادرة لغايات انتخابية" عنوانها ترضية المهاجرين الى تفويت فرصة هامة لتعميق السؤال حول الحدود الحقوقية لحق الدولة في فرض الاداءات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية