مناهضة الطائفية كتاريخ بديل: مقابلة مع أسامة مقدسي


2021-03-26    |   

مناهضة الطائفية كتاريخ بديل: مقابلة مع أسامة مقدسي
أسامة مقدسي

لقد أعادت الأزمة اللبنانية الراهنة إلى الواجهة تساؤلات مصيرية حول لبنان كنظام وككيان كانت رائجة أيام الحرب الأهلية 1975-1990 لكنها طويت – أقلّه في الحيّز العام – مع طيّ صفحة الحرب. وقد أدّى ذلك إلى شبه قطيعة معرفية مع الماضي بخاصّة عند جيل ما بعد الحرب، مما سلبه الحق والقدرة في فهم أعمق ونقدي للماضي. تطرح المفكرة القانونية – عبر سلسلة من المقالات – قضايا محورية في تكوين لبنان ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المئة عام الماضية من منظور فهم الماضي لاستشراف المستقبل. (المحرّر)

 

أسامة المقدسي هو أستاذ التاريخ في جامعة “رايس” وأوّل من شغل فيها كرسيّ الدراسات العربية في المؤسّسة العربية – الأميركية للتربية. له منشورات عديدة عن التاريخ العثماني والعربي وعن العلاقات الأميركية – العربية والإرساليات الأميركية إلى الشرق الأوسط. كتابه الأول: “ثقافة الطائفية: المجتمع والتاريخ والعنف في لبنان العثماني في القرن التاسع عشر (مطبعة جامعة كاليفورنيا ،2000) ، هو نص أساسي في الدراسة النقدية للطائفية. وفي الفترة الأخيرة كتب عن مكافحة الطائفية في كتابه “عصر التعايش: الإطار المسكوني وصناعة العالم العربي الحديث” (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2019). 

تسعى المقابلة التالية إلى البحث في هذه المواضيع في إطار مساهمة مقدسي الطويلة في فهم الطائفية في منطقتنا. 

 

المفكّرة القانونية: في كتابكم الأوّل: “ثقافة الطائفيّة” تحدّثتم عن الطائفيّة بأنّها حديثة وليست قديمة، وسياسيّة بدلاً منها دينيّة. كيف تفسّرون ذلك؟

أقصد بذلك أنّ مشكلة الطائفية، مفاهيمياً وسياسياً، ارتبطت بكونها قد بنيَت وفسّرَت على أنّها معاكِسة ونقيض لما يُزعم بأنّه مجتمع سياسي قومي متماسك- تمثّل بداية بالعثمانية، ولاحقاً بمختلف أشكال القومية التي تلت العثمانية. ويعتبر مصطلح “الطائفية” جديداً ضمن المفردات السياسية العربية الحديثة إذ صيغ ليشير إلى تقويض المجتمع الوطني، على عكس التعريف الأوروبي القديم للطائفية بأنّها انشقاق الطوائف عن الكنيسة العالمية. وبتعبير آخر، لا تتعلّق الطائفية بالاختلاف الديني، بل بتسييس الاختلاف الديني والإثني في العصر الحديث الذي أعطى امتيازاً لمفاهيم المساواة والمواطنة والقومية والسيادة.

 

المفكّرة القانونية: إلى أيّ مدى تجدون أنّ الطائفية في لبنان ما بعد الحرب الأهلية تشبه أو تختلف عمّا كانت عليه وقت تأسيسها، في العام 1860 وبعده في العام 1920؟

كما هو معروف، لم يكن هناك لبنان قبل العام 1920. فقد ولدت متصرفية جبل لبنان التي تتمتع بحكم ذاتي عام 1861 من مفاوضات إمبراطوريّة أوروبيّة-عثمانيّة لم يكن اللبنانيون مشاركين نشطين فيها، وبقي فيها جبل لبنان نفسه يرزح تحت السيادة العثمانية؛ غير أنّ تلك الفترة التي تلت العام 1860 مباشرة قد شهدت كذلك بدء تحديد مشكلة الطائفية للمرّة الأولى من قبَل أفراد أمثال بطرس البستاني الذي حذّر من مخاطر التعصّب الأعمى لدى أنصار الطائفية ودعا إلى الوحدة الوطنية والوئام المجتمعي، وكان من أوائل الذين طالبوا بفصل الدين عن الدولة. وعلى الرغم من دعوات البستاني، فقد اتفقت القوى الأوروبية والمسؤولون العثمانيون على استخدام حسابات سياسية طائفية جديدة لإنشاء مجلس إدارة طائفي نخبوي لجبل لبنان تحت السيادة العثمانية. 

وبعد العام 1920، حلَّ الحُكم الاستعماري الفرنسي المباشر في فترة الانتداب محلّ السيادة العثمانية في ظل مفهوم قيام دولة لبنانية مستقلّة تحت الوصاية الاستعمارية الفرنسية. وفيما كانت الطائفية السياسية بالنسبة للعثمانيين بمثابة تنازل لصالح النفوذ الأوروبية يعكس ضعف السيادة العثمانية، فإنّها شكّلت بالنسبة للقوى الاستعمارية الأوروبية جوهر خطتهم لتقسيم المشرق العربي ما بعد الحكم العثماني والسيطرة عليه. وبخصوص الانتداب الفرنسي، فقد احتفل الفرانكوفونيون ومؤيّدو الاستعمار أمثال ميشال شيحا بالطائفية السياسية لتبرير قيام دولة تابعة لبنانية موالية لفرنسا قسِّمت السلطة فيها على أسس طائفيّة نخبوية بطريقة فضَّلت بوضوح النخَب السياسية المارونية والمسيحيين عموماً على المسلمين. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أمرين تجليّا بشكل واضح في العام 1926؛ فقد اعتبِرت الطائفية السياسية على نحو واسع معاديةً للوحدة الوطنية العلمانية لدرجة أنّه كان لا بدّ من تبريرها والاعتذار عنها بشكل متكرّر حتى من قبَل مؤيّديها البارزين أمثال شيحا. وأقرّت المادة (95) السيّئة الذكر من الدستور، التي أقِرَّت في العام 1926، بأنّ الطائفية السياسية كانت تدبيراً موقّتاً على أن تحلّ محلّها وكالة المساواة الأقوى بصرف النظر عن الاختلاف الديني. وعلى الرغم من أنّ مشروع شيحا اللبناني هذا كان عملياً منكِراً للذات وطائفياً ومؤيداً للاستعمار، إلّا أنّه كان أيضاً مشروعاً سياسياً جادّاً إلى حدٍّ ما إذ افترض طريقة واحدة للتفكير في مرحلة ما بعد السيادة العثمانية في جزء متنوّع دينياً وعرقياً من العالم. وهذا باعتقادي هو السبب الذي جعل شيحا في الوقت نفسه مبجَّلاً كثيراً وكذلك مكروهاً كثيراً حينها واليوم. فهو قد رفض القبول أو الإيمان بالقومية العربية التي كانت تصوّراً منافساً ومشروعاً سياسياً له عيوبه ومحرّماته وأوجه الالتباس فيه، ولو أنّ هذا المشروع قد تمتّع بشرعية أكبر بكثير بين غالبية العرب في فترات معيّنة من القرن العشرين.

على أيّ حال، شرعت النخَب الطائفية في لبنان في بناء دولة تخدم مصالحها. فقد وجدت النخَب المارونية وأسيادها الفرنسيون كذلك طرقاً لإغراء واجتذاب النخَب السنّية والدرزيّة والشيعية إلى نظام سياسي طائفي أوجده أساساً الاستعمار الفرنسي لكنّه دام أكثر من الاستعمار. بعبارة أخرى، ما بدأ كمشروع استعماري فرنسي بمشاركة مريديه الموارنة الرّاغبين سرعان ما أصبح- لا سيّما بعد عام 1943- مشروعاً وطنياً لبنانياً محافظاً عابراً للطوائف يتظاهر بأنّه يسلك طريقاً نحو مستقبل مناهض للطائفية في خمسينيات وستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين. وقد فشِل هذا المشروع، وأثبت ادّعاؤه بالتقدّمية أنّه وهمي، ففي أعقاب حرب 1975-1990، كان الشكل الذي ظهرت عليه الطائفيّة السياسيّة أكثر تشاؤماً وانعداماً للمساواة، يغذّيه من ناحية الفسادُ الفظيع والليبرالية الجديدة المتفشيّة، ومن ناحية أخرى الطبقة الطفيلية لأمراء الحرب الطائفيين الذين فرّغوا ما تبقّى من الدولة اللبنانية. فالمأساة والمفارقة هي أنّ ما بدأ كمشروع فرنسي- ماروني قامت الطائفية فيه بتفكيك الدولة تدريجياً بات الآن جثة طائفية سنّية- شيعية- مارونية.

 

 المفكّرة القانونيّة: ما هو دور الكنيسة المارونية خصوصاً والمؤسّسات الدينية عموماً في تأسيس النظام الطائفي؟ هل ما زالوا يؤدّون الدور نفسه؟

كانت جميع المؤسّسات الدينية ولا تزال، متواطئة كجزء من النظام الطائفي. وقد أدّت الكنيسة المارونية دوراً مهمّاً في إضفاء الشرعية على نظام سياسي أيّد الهيمنة السياسية المسيحية المارونية في لبنان. ومارست الكنيسة حملات ضغط من أجل لبنان منفصل ومن أجل إرساء الحكم الاستعماري الفرنسي. والأهم من ذلك أنّ النظام الطائفي المطبّق في لبنان (وبصراحة عبر العالم العربي) يميّز باستمرار بين المواطنة العلمانية وقوانين الأحوال الشخصية القائمة على المذهبية، كما ويقوّض مبدأ الثقافة الوطنية العلمانية لصالح الانفصالية الأبرشية والإرسالية. وقد أيّدت الكنيسة تلك الأحكام كما فعلت المؤسسات الدينيّة السنّية والشيعيّة على حد سواء (التي شرّعها الانتداب الفرنسي علانية).

ومع ذلك، فإنّ النقطة التي ينبغي التأكيد عليها مراراً وتكراراً هي أنّه بغض النظر عن مدى الاندفاع الذي كانت النخب المارونية (بمن فيها بطاركة الكنيسة ورجال الدين) تؤيّد به قيام دولة لبنانية منفصلة، فإنّ السلطات الاستعمارية الفرنسية هي التي حقّقت قيام هذه الدولة بالطريقة التي نفّذتها. وبعد كل شيء، فإنّ الدستور الذي وضع عام 1926 هو دستور استعماري صيغ على خلفية قمع الثورة الضخمة المناهضة للاستعمار في سوريا.

واليوم، فإنّ دور الكنيسة قد تضاءل بقدر الهزيمة التي منيَت بها النخَب المارونية في الحرب الأهلية. لكنّ الطائفيّة السياسية لم تتعلق أبداً بشكل أساسي بالكنيسة المارونية أو حتى بالدين بقدر تعلّقها بتقاسم السلطة بين النخب، وبقاء النظام الأبَوي بأشكاله، والتوزيع غير المتكافئ للموارد بين الأوليغارشية العابرة للطوائف التي تمسّكت (لكن بشكل ضعيف وبسخافة متزايدة) بفكرة المواطَنة اللبنانية العلمانية المشتركة وقوانين الأحوال الشخصية التي تخضع للتوسط الديني وغير المتكافئة بشكل جلي. 

والنقطة الأخيرة، هي حقيقة وجود لاهوت تحرير وإمكانية متاحة دائماً لتحقيقه: كي يكون ويمكن أن يكون لدينا مجدّداً أناس أتقياء جداً يقدّمون فهماً تحررياً للدّين مناهضاً للطائفية، وليس فهماً يساهم في نظام فاسد بوضوح ومفلس كما هو الحال بالنسبة للمؤسّسات الدينية المارونية والسنّية والشيعية في لبنان حالياً. 

 

المفكّرة القانونيّة: يتطرّق كتابك الأخير إلى تاريخ التعايش عوضاً عن الطائفية في العالم العربي. ما الدّافع إلى هذا التحوّل؟ وما هو “الإطار المسكوني” الذي تقدّمه لفهم النّضال ضد الطائفية في المنطقة؟

أردت تغيير طريقة تفكيرنا في التاريخ العربي الحديث؛ بعدم القيام ببساطة بتفكيك سردية الطائفية القديمة بل باقتراح سردية بديلة ونقدية للتعايش الحديث مبنية على مبادئ المواطنة المتساوية والمساواة العلمانية. بعبارات بسيطة، أردت إبراز الإيجابي بدل القيام فقط بتفكيك السلبي، ولكن ليس بطريقة رومانسية محرّكة للذكريات، ولا بطريقة سياسية محافظة مخادِعة، وقبل كل شيء، ليس بالطريقة التي تتلاعب فيها النّخب اللبنانية الطائفية عبر الطيف السياسي بلغة التعايش بحيث لا يعني المساواة بين المواطنين العلمانيين بل الإنصاف في البنيات الطائفية الأبوية المتنافسة التي تدير نظاماً طائفياً قمعياً وغير متكافئ.  الفكرة التي أودّ إبرازها هي أنّ تاريخنا الحديث مناهض للطائفية بقدر ما هو طائفيّ. إنّها قصة يعرفها الكثير منا، وقد اختبرناها، وعشناها، لكنّها نادراً ما تُروى خارج مجازات القوميّة العربية ومناهضة الاستعمار، وغالباً ما تقوم هاتان الأخيرتان بحجب أو إنكار أو ذمّ الاختلافات الدينية أو العرقيّة بسبب نضالهما المستمر ضد الاستعمار الطائفي الذي سعى لتطبيق مبدأ فرّق تسُد. ويعني التأكيد على مناهضة الطائفية التشديد على جانب طموحٍ وحيّ من تاريخنا الغني، وهنا يُطرح سؤال صعب: كيف وعلى أيّ أساس يمكن للمرء أن يخلق فضاءً عاماً علمانياً مشتركاً ونظاماً يدعم المساواة والتحرّر؟

كانت هناك إجابات عدّة مختلفة على هذا السؤال؛ فقد أجاب القوميون العرب بطريقة، والأَيديُولُوجِيّون الطائفيون اللبنانيون بطريقة أخرى، وقدّم الشيوعيون والإسلاميون إجابات مختلفة، وهلمّ جرا. واختلفت هذه الالتزامات الجديدة بالتعايش بشكل تام عن أشكال الالتزامات في ظل الإمبراطورية العثمانية والإسلامية القديمة لأنها افترضت أو قبلت بمبدأ جديد للمساواة، ولأنّها، بطرق مختلفة جدّاً، اعترفت بالتنوّع الديني وأكّدت عليه ساعية في الوقت عينه إلى تجاوز الاختلاف الطائفي من خلال بناء دولة مشتركة- ومن هنا جاء مصطلحِ “الإطار المسكوني”. وكما ذكرت في الكتاب، فقد أردت أن أتتبّع كيف تحوّلت فكرة المواطَنة المتساوية بين المسلمين وغير المسلمين في المشرق من فكرة متعذّرة يصعب تصوّرها في بداية القرن التاسع عشر، إلى فكرة محتملة بحلول نهاية ذلك القرن، وبعدها إلى فكرة مألوفة بحلول منتصف القرن العشرين.

 

المفكّرة القانونيّة: كثيراً ما يعتبر مؤيّدو القومية اللبنانية ومعارضوها أنّها مخالفة للقومية العربية. كيف حدتم في كتابكم عن هذا النهج؟

بالطّبع توجد اختلافات مهمّة بينهما لاحظها عدد لا يحصى من العلماء وعامّة الناس والناشطين. فمن الواضح أنّ شكل القومية اللبناني كان موالياً للاستعمار علناً أكثر من نظيره  العربي، وفكرة بناء دولة قوية ذات سيادة بعد الاستعمار، ودور الإسلام في هذه الدولة، كانا أكثر وضوحاً في الإطار العربي منه في الإطار اللبناني. لكنّ فكرتي هي أنّ هاتين القوميّتين المتنافستين انبثقتا من خلفية مسكونية عثمانية مشتركة كانت الأولى في طرح فكرة ومفهوم المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، ونشأت كلتاهما في عهد الانتداب، وحافظتا على التزام صريح مشترك بفكرة المواطَنة العلمانية وقوانين الأحوال الشخصية المتباينة دينياً والتي تميّز بشدّة على أساس الجنس، وقبلتا بالتنوّع الديني وادّعتا الحلول مكانه، وكلتاهما لديهما حدود واضحة ومحرّمات وإسقاطات. وقد حوّل طراز القوميّة اللبناني لغة العيش المشترك إلى أداة لترسيخ نوع واحد من الهرميّة يميّز النخَب المسيحية المارونية، ويقدّم المجتمعات على الأفراد وحتى على الدولة، في حين حوّل الطراز (أو الطرازات) العربية لغة الوحدة الوطنية ومناهضة الإمبريالية إلى أداة للتغلّب على الانقسامات، وإخفاء التسلسلات الهرمية المختلفة، ومنح الدولة امتيازاً على المواطنين وبالتأكيد على الأقليات غير المرغوبة. أمّا النقيض الجليّ لهاتين القوميتين فقد كان ولا يزال الاستعمار الصهيوني، وهو مشروع لم يكن غريباً على هذه المنطقة فحسب، بل أصرّ  بشكل عنيف ومنظّم على محو الطبيعة المتعددة الأديان لفلسطين تحت عنوان بناء دولة يهودية حصريّة. وما زلنا نعيش عواقب هذه الضربة المدمّرة للإطار المسكوني.

  

المفكّرة القانونيّة: لقد خرجتم أيضاً عن التأريخات الكلاسيكية للطائفية بوضعها جنباً إلى جنب مع العنصرية في الغرب. ما منافع مثل هذه المقارنة وحدودها؟

اخترت أن أضع الطائفية (sectarianism) والعنصريّة (racism) والمذهبية (communalism) والقبليّة (tribalism) جنباً إلى جنب لأنني أراها جميعها تجليّات مختلفة لمشكلة القرن التاسع عشر المشتركة المتمثّلة بكيفية التوفيق بين السيادة الحديثة والمواطنة المتساوية والتفسيرات الجديدة للاختلاف الديني أو العرقي التي غالباً ما تكون مسيّسة للغاية. وقد ظهرت مشكلة العنصرية الحديثة في الوقت نفسه تقريباً مع ظهور مشكلة الطائفية الحديثة، وقوّضتا مفهومَي المساواة والتحرّر العالميين في العصر الحديث. ومن خلال وضعي العنصرية في موازة الطائفية على وجه التحديد، هدفتُ إلى أمرين: إجبار قرّائي في الغرب على التعامل مع حقيقة أنّهم في نهاية المطاف ليسوا “تقدّميين” معنوياً أو أخلاقياً على العرب، وأنّ تاريخهم في النضال من أجل تحقيق المساواة العلمانية محفوف بالمخاطر ومخيف بصراحة بقدر ما هو ملهِم في بعض الجوانب؛ وبالنسبة إلى قرّائي العرب هدفت إلى تسليط الضوء على ما لا يعرفه معظمهم كوننا تعرّضنا لغسيل دماغ عن طريق الاستشراق وكره الذات. إنّ تاريخ العنصرية في الغرب مهم جداً ومستمر. وليس لدى معظم العرب فكرة عن مدى انتشار أعمال الشغب ضد العرق الأسود في الولايات المتحدة بعد أعمال الشغب التحرّريّة ما يضع مجازر دمشق عام 1860 في منظورها الصحيح. وهم لا يعرفون حقاً عن قوانين “جيم كرو” للفصل العنصري وليس لديهم أدنى فكرة عن مدى ضراوة واستمرارية ردّ الفعل الغاضب على تحرير السود- ناهيك عن قصّة الأميركيين الأصليين الكاملة. بل عوضاً عن ذلك، يظنّون بأنّ “الغرب” كان في فترة أفضل. إنّني أتفهّم بالطبع الإحباط الموجود في منطقتنا أو في العالم بسبب طغيان الجغرافيا السياسية والاستبداد والفساد والطائفية والاستعمار، لكنّني أرى وجوب أن ندرك أنّه مثلما كان يتم باستمرار تقويض الكفاح الرامي لبناء مستقبل متحرّر مناهض للطائفية ـ والذي لا يزال متواصلاً رغم ذلك ـ كذلك هناك نضالات مشابهة ترمي لبناء مستقبل مناهض للعنصرية والطائفية- وكما رأينا ونرى في ظلّ حكم ترامب ومودي البائسَين، يجري تقويض هذه النضالات باستمرار، إلّا أنّها يجب أن تستمر جميعها وستستمر رغم ذلك.

 

المفكّرة القانونية: تعملون حالياً على تاريخ جديد للجنة كينغ – كرين التي عُيّنت عام 1919.  أجرت اللجنة مسحاً لسكان سوريا، بمن فيهم اللبنانيون الحاليون، حول مسألة الحكم الذاتي. ماذا تخبرونا عن نتائج اللجنة حول رغبات الناس في ذلك الوقت؟ وما الذي تأملون في تحقيقه من خلال هذه القراءة الجديدة؟

كانت فكرة تقرير المصير التي اقترحها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون عنصريّة في الأساس ومرتبطة باستمرارية الحكم الاستعماري وليس بإلغائه. ومن الواضح جداً أنّه كان يعتقد بأنّ القوى الأنغلوسكسونية كانت متفوّقة عرقياً على العرب والآخرين وعليها أن تقود الشعوب الأقل شأناً إلى تقرير المصير. لكنّ ويلسون أدرك على الأقل أنّ الاستعمار القديم الطراز أدّى إلى تحارب القوى الغربية في ما بينها. وفي النهاية، تأسّست عصبة الأمم متوافقة مع خطوط ويلسون الاستعمارية الجديدة وقد سيطرت عليها بريطانيا العظمى وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، والمفارقة أنّ مجلس الشيوخ الأميركي قد رفض المشاركة في هذه العصبة. والرائع والجميل في التاريخ هو كيف أنّ هذه الفكرة العنصريّة الأوليّة لتقرير المصير المنصوص عليها في المادة 22 من عصبة الأمم التي أنشأت نظام الانتداب في الشرق الأوسط قد طُعِنت وفسِّرت من قبل الشعوب في أنحاء العالم بطرق متقّدمة وأكثر تحرّراً ومن بينهم بالطبع الشعوب العربية، كما وثّقت لجنة كينغ – كرين عام 1919. وكما نعلم، فإنّ جزءنا من العالم كان قابعاً تحت الاستعمار باسم تقرير المصير، وقد تقاسمت بريطانيا وفرنسا المشرق، وهو بالضبط ما حذّرت منه لجنة كينغ – كرين. وشرّعت بريطانيا الاستعمار الصهيوني، وهو ما حذرت منه اللجنة أيضاً. تلك كانت اللحظة التي سبقت شيْطنة العرب غرباً، لكنّها كانت كذلك اللحظة التي شهد فيها جزؤنا الخاص من العالم آخرَ استعمار في العصر الحديث. لذلك تستحق هذه الفترة من التاريخ سرداً صحيحاً. نحن بحاجة لمعرفة تاريخنا وعلينا أن نرويه بأنفسنا، مع وجود تعقيدات، ومن دون اعتذار وبتعاطف.

 

تعريب: فاطمة عطوي

 

 لقراءة المقابلة باللغة الانكليزية

انشر المقال

متوفر من خلال:

بلدان عربية أخرى ، سياسات عامة ، لبنان



لتعليقاتكم