مقترح منع “السياحة الحزبية” في النظام الداخلي للبرلمان التونسي: عندما نترك المرض لنعالج أحد أعراضه


2020-05-11    |   

مقترح منع “السياحة الحزبية” في النظام الداخلي للبرلمان التونسي: عندما نترك المرض لنعالج أحد أعراضه

صادقت لجنة النظام الداخلي والقانون الانتخابي في مجلس نواب الشعب على تعديل جديد للنظام الداخلي يقضي بفقدان كل نائب يستقيل من الحزب أو الإئتلاف الذي ترشح في قائماته عضويته في البرلمان، وذلك لمنع ظاهرة الانتجاع السياسي ((transhumance politique، أو ما يعرف في تونس ب «السياحة الحزبية والبرلمانية». ورغم أن هذه الظاهرة تساهم في عدم استقرار المشهد السياسي وفي اهتراء ثقة المواطنين في المؤسسات، وأن التصدي لها، إن تمّ، لن يكون بدعة تونسية، فإن منعها في النظام الداخلي بهذه الطريقة يثير جملة من الإشكاليات القانونية، في ظل شكوك جدية حول دستورية التعديل وتعارضه مع القانون الانتخابي. كما يشكل تواصلا لنفس المقاربة التي ينتهجها معظم الفاعلين السياسيين كلما تعلق الأمر بإصلاح النظام الإنتخابي والحياة السياسية. مقاربة تكتفي ببعض الأعراض عوض علاج أصل الداء، ولا ترى الإشكال أو الحل سوى في النص القانوني، وتغلب الحسابات السياسية الآنية على سائر الإعتبارات.

كان تعديل النظام الداخلي من أول الملفات التي اشتغل عليها البرلمان منذ تنصيب اللجان، نهاية سنة 2019.  ولم يكن مفاجئا أن تشكل مسألة السياحة الحزبية أحد أبرز الرهانات فيه. فقد دعا راشد الغنوشي، منذ خطابه الأول بعد انتخابه رئيسا للبرلمان، إلى تغيير النظام الداخلي لمنع السياحة الحزبية، من أجل «أخلقة العمل السياسي».

جاء هذا بعد عهدة برلمانية أولى شهدت تفتت كتلة نداء تونس إلى كتل عديدة، بين 2016 و2019، وانحلال كتلة آفاق تونس جراء استقالة عدد من نوابها وانضمامهم لكتل أخرى. شملت الظاهرة أكثر من ثلث النواب، بل أن بعضهم غيروا كتلتهم خمس مرات في عهدة برلمانية واحدة[1]. ومع بداية الفترة الإنتخابية، لم يتردّد عدد من النواب في الترشح على قائمات أحزاب منافسة للأحزاب التي كانوا ينتمون لها، ومن بينها قائمات حزب قلب تونس الذي لم يمضِ على تأسيسه سوى بضعة أشهر عندها.

ساهم هذا المشهد في إيجاد رأي عام يرى في «السياحة الحزبية والبرلمانية» أبرز أمراض الحياة السياسية في تونس، ودليلا على غياب أي التزام بالمبادئ لدى جلّ السياسيين، وعاملا لعدم الاستقرار الحكومي. طبعا، لا تحتاج سلبيات ومخاطر هذه الظاهرة تحليلا. لكن هل يبرر ذلك التصدي لها بكل الوسائل، بقطع النظر على دستورية هذه الوسائل ومدى وجاهتها؟

فقدان العضوية في البرلمان لا يمكن أن يحدد بالنظام الداخلي

رغم أن انتشار «السياحة البرلمانية» بلغ مستويات قياسية في تونس، فإنّ دولا أخرى عرفت هذه الظاهرة، خاصة في أفريقيا. وقد اختار بعضها إيجاد حلول قانونية لها، إما بمنع النواب المنتخبين على قائمة حزبية من الإنضمام إلى كتلة أخرى، وصولا إلى ترتيب جزاء على استقالة النائب من حزبه، يتمثل في فقدانه عضويته في البرلمان، مثلما هو الشأن في المغرب والسينغال وبوركينا فاسو والتشاد والغابون[2].

لكن، بقطع النظر عن أن بعض هذه الدول ليست ديمقراطية، فإن ما يلفت الإنتباه هو أن جميعها نصّت على هذا الجزاء في دساتيرها. فالعهدة النيابية مضبوطة بالدستور، وهي مرتبطة بحق الترشح، ولا يمكن الحدّ منها بمجرد بتنقيح للنظام الداخلي للبرلمان.

في تونس، يحدد الفصل 34 من القانون الانتخابي بطريقة حصرية حالتين لفقدان العضوية في البرلمان، الأولى هي صدور حكم قضائي بات يقضي بالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، أي فقدان الحق في الانتخاب و/أو الترشح مما يعني انتفاء أحد شروط المترشح، والثانية هي تسليط محكمة المحاسبات عقوبة إسقاط العضوية في صورة ثبوت ارتكاب مخالفة مالية خطيرة (عدم تقديم الحساب المالي أو تجاوز سقف الإنفاق بأكثر من 75 بالمائة) أو الحصول على تمويل أجنبي. في الحالتين، يتعلق الأمر بعقوبة يصرح بها القضاء، مع كل ما يعنيه ذلك من ضمانات. بالإضافة إلى ذلك، ينص القانون الإنتخابي على حالات عدم الجمع بين صفة النائب ووظائف معينة، ويجبر النائب الذي يتولى إحداها أثناء نيابته على تقديم استقالته من البرلمان، وإلا اعتبر مستقيلا بصفة آلية.

التنصيص في النظام الداخلي على حالة أخرى لفقدان النائب عضويته يتعارض إذن مع القانون الإنتخابي، وهذا الأخير قانون أساسي ينظم مادة دستورية، ويمكن أن يدخل ضمن مرجعيات مراقبة دستورية القوانين (شأنه شأن القانون الأساسي للميزانية). ولئن كان النظام الداخلي أيضا من مرجعيات رقابة الدستورية، فإنّ ذلك يقتصر على احترام الإجراءات عند المصادقة على قانون. أما في الأصل، فإن القانون الإنتخابي أعلى منه قيمة.

صحيح أن النظام الداخلي يضع قواعد لتنظيم الكتل النيابية، كشروط تكوينها والإنضمام لها والإستقالة منها. وبالتالي يبدو معنيا بمسألة السياحة البرلمانية، لكن جزاء فقدان العضوية من البرلمان خارج عن مجاله. وقد ذهبت لجنة النظام الداخلي، في مرحلة أولى، إلى الاكتفاء بمنع انضمام نائب مستقيل من كتلة الحزب الذي انتخب على قائمته إلى كتلة منافسة، دون منع الإستقالة في حد ذاتها، مثلما هو الشأن في بلغاريا. لكنها اختلفت في تأويل نتائج التصويت، الذي أعطى 6 أصوات موافقة من أصل 12. كما تركزت نقاشات اللجنة على خطر أن يؤدي هذا المنع إلى تضخم عدد النواب غير المنتمين إلى كتل، بما من شأنه أن يوجد صعوبات كبيرة في سير عمل المجلس. دفع هذا الأمر نواب حركة النهضة إلى تقديم مقترح جديد يقضي بترتيب جزاء فقدان المقعد بمجرد الاستقالة من الحزب، ظنا منهم أن ذلك سيحل إشكال تضخم عدد غير المنتمين، دون التفطن إلى أن ذلك يتجاوز مجال النظام الداخلي.

وما يزيد الأمر تعقيدا هو غياب المحكمة الدستورية التي من بين مهامها مراقبة دستورية النظام الداخلي للبرلمان. فالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين لا تملك هذه الصلاحية، ولا شيء يوحي بإمكانية إرساء المحكمة في آجال قريبة، مما يعني أن تعديلات النظام الداخلي، إن مرّت في الجلسة العامة، لن تخضع لرقابة دستوريتها، وهو ما يفرض على الأقل تجنب كل ما شأنه أن يطرح شكوكا حول دستوريته.

الحل في إصلاح شامل للمنظومة الإنتخابية والحزبية

رغم أن البلاد تعيش على وقع أزمة الكورونا، لا يطرح توقيت المصادقة على هذا التعديل في حدّ ذاته أي إشكال. بالعكس، من الأفضل الإهتمام بهذه المسائل في بداية العهدة البرلمانية وبعيدا عن الإستحقاقات الإنتخابية. لكن الحسابات السياسية لم تغب عند تمرير هذا المقترح. إذ أن الرهان الأبرز هو حماية استقرار كتلة قلب تونس، خصوصا بعد استقالة رئيسها حاتم المليكي وعشرة أعضاء منها، وتشكيلهم كتلة جديدة. فرغم مرور أقل من شهرين على نيل حكومة الفخفاخ ثقة الأغلبية في البرلمان، تكشف متابعة النقاشات في اللجان بروز أغلبية نيابية مختلفة عن الأغلبية الحكومية، قوامها حركة النهضة وحزب قلب تونس وإئتلاف الكرامة. من هنا تظهر أهمية حماية استقرار كتلة قلب تونس، خصوصا بالنسبة لحركة النهضة، إذ أنها شرط للحفاظ على أغلبية داخل البرلمان مستعدة لتشكيل حكومة جديدة في صورة حدوث أزمة سياسية تعصف بحكومة الفخفاخ.

لكن الأخطر من إخضاع الإصلاحات السياسية للحسابات الآنية، هو اختزال المشكل في ظاهرة السياحة البرلمانية والحزبية، والحال أنها ليست معزولة عن بقية علل الحياة السياسية في تونس، واختزال الظاهرة نفسها في وضعية النواب الذين يخونون حزبهم وناخبيهم طمعا في مصالح شخصية. إذ توجد أسباب عديدة قد تبرر خروج نائب من الحزب الذي انتخب على قائمته، منها تنكر الحزب نفسه لوعوده الانتخابية، وخاصة ضعف الديمقراطية الداخلية (إن لم نقل انعدامها) داخل جلّ الأحزاب. بل أن حزب نداء تونس مثلا حكم سنوات عديدة دون أن يعقد أصلا مؤتمره التأسيسي، وهو ما ساهم في تفككه. فعندما لا توجد طريقة ديمقراطية لفضّ الخلافات داخل الأطر الحزبية، يصبح الإنفصال سبيلا مشروعا.

إن ظاهرة «الإنتجاع السياسي»، على خطورتها، ليست سوى أحد أعراض مرض طبقة سياسية بلا هوية وبرامج واضحة، بعضها مرتبط بشخص الرئيس المؤسس والدائم، وجلّها يتمتع بنِعم الديمقراطية في البلاد دون أن يحترمها داخل الأطر الحزبية، ومصادر تمويلها مشبوهة وتفتقر للحد الأدنى من الشفافية. فعلاج هذه الظاهرة لا يكون ناجعا ودائما إلا إذا طال جذورها، مثلما تثبته تجارب دول افريقية أخرى[3]. فحتى المغرب الذي منعها في دستوره سنة 2011، ظل يشكو منها في كل انتخابات تشريعية، حيث تشهد الفترة السابقة للانتخابات موجة كبيرة من الاستقالات من أحزاب والترشح على قائمات أحزاب منافسة، أي أن المنع لا يحل المشكل بل يؤجله فقط إلى نهاية العهدة البرلمانية.

إن كل المنظومة الإنتخابية والحزبية في تونس في حاجة إلى إصلاح جدّي وعميق، خصوصا وقد اجتزنا استحقاقات إنتخابية عديدة ظهرت فيها، رغم نجاحها النسبي، علات كثيرة. إذ لا يمكن فصل مسألة السياحة البرلمانية مثلا عن نظام الإقتراع، الذي يحدد مدى استحقاق المقعد البرلماني بين النائب والحزب الذي ترشح في قائمته. ولا معنى لمناقشة نظام الإقتراع فقط عبر مقترح العتبة الإنتخابية، ثم المرور إلى مسألة السياحة الحزبية بمناسبة مناقشة تعديل النظام الداخلي، دون أن يفتح ملف الإصلاح السياسي جديا، وتناقش كل المقترحات، سواء المتعلقة بالقانون الإنتخابي أو كذلك بالمرسوم المنظم للأحزاب السياسية. إصلاح من هذا النوع، رغم استعجالية الشروع فيه، يجب أن يأخذ وقته، ويُبحث فيه عن أوسع توافق ممكن حول التشخيص وحول الحلول التي يجب أن تكون شاملة، وجذرية، ولا تشوبها شائبة دستورية.


[1] حسب تقرير منظمة البوصلة، العهدة البرلمانية الأولى في أرقام، متاح على الرابط التالي:

https://www.albawsala.com/ar/pub/5d9471f04f24d01a6582f857

[2] Assemblée parlementaire de la francophonie, « Nomadisme ou transhumance politique post-électoral et discipline de parti dans l’espace francophone », Rapport de la Commission des affaires interparlementaires, Juillet 2012.

[3] Benjamin Boumakani, La prohibition de la « transhumance politique » des parlementaires. Etude de cas africains, Revue française de droit constitutionnel 2008/3 (n° 75), pp. 499 à 512.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، تونس ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *