معوقات اقتصادية واجتماعية أمام حماية ضحايا العنف الأسري في تونس


2021-05-07    |   

معوقات اقتصادية واجتماعية أمام حماية ضحايا العنف الأسري في تونس

مرّت ثلاث سنوات ونيّف على دخول القانون المتعلق بالقضاء على العنف المسلّط على النساء حيز النفاذ، وما تزال أشكال هذا العنف في ارتفاع وانتشار، وقد اتخذ بعضها من المؤسسات الرسمية للدولة حاضنة لها. ومن شأن هذا الأمر أن يطرح أكثر من تساؤل حول الحلقة المفقودة التي تعيق تطبيق هذا القانون وبالتالي إنصاف الضحايا. وتتّجه أصابع الاتهام من قبل المنظمات النسوية في البلاد إلى قطاعي الأمن والقضاء بوصفهما المكلفين بإنفاذ هذا القانون، كفاعلين أساسيين في تعميق معاناة النساء والحيلولة دون وصولهن إلى عدالة حقيقية. 

وإذ يسود الاعتقاد بأن إصدار القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على كافة أشكال العنف المسلّط على النساء وما يحتويه من تشديد في العقوبات يتيح للنساء الدفاع عن ذواتهن من أي انتهاك، فإن عزوف النساء على استعمال آليات هذا القانون ما يزال متواصلا.

عقبات اجتماعية واقتصادية تحول دون الوصول للعدالة 

تعاني النساء في تونس، كما في سائر الدول العربية، من العنف المسلط عليهن، بدءا من العنف الهيكلي والمؤسساتي وصولا إلى كافة أشكال العنف النفسي والمادي والجنسي والاقتصادي. ولا تلتجئ فئة واسعة من النساء إلى التقاضي حتى بعد إصدار القانون عدد 58، ويعود ذلك وفق دراسة أجريت في إطار المسح الوطني للعنف ضد المرأة سنة 2011، إلى إيمانهن بأن التشكي سيزيد من تعقيد وضعيتهن ويعرضهن إلى عنف مضاعف. وتفسر الدراسة، بأن الخوف من انحياز رجال الشرطة إلى الرجل المعتدي سيما إذا كان من أفراد العائلة، ووصمهن في حال كان موضوع الشكوى اعتداء جنسيا من دوافع رفضهن اللجوء إلى التتبع العدلي لاعتقادهن أن المسار لن يصب في خانة مصلحتهن في كل الأحوال.
    مثلت الدعوى القضائية سابقا، وسيلة لفئة واسعة من النساء لتهديد الرجال المعتدين لا لمحاسبتهم عن أفعالهم، حيث كان للمشتكية الخيار في مواصلة التتبع أو إيقافه، وهو حلّ كثيرا ما عمدن إليه لتقويم سلوك الرجال. ويكشف ذلك، غياب الوعي الكامل بالعملية القضائية برمتها وبأن المسار الطبيعي هو محاسبة المعتدي حتى وإن اعتذر أو التزم بعدم تكرار الفعل. وتعزف النساء عن مواصلة التتبع في حالات كان فيها المعتدي معيلا للعائلة في إطار معادلة “العنف والتجريد من الكرامة مقابل الغذاء”. 

وجاء القانون الجديد، بما يمنع رجال الشرطة صراحة من إعاقة النساء عن تقديم شكاويهن، وأدرج جريمة العنف ضد المرأة في صنف جرائم الحق العام بما لا يدع للمعتدين مجالا للإفلات من العقاب بمجرد الاعتذار والصلح. ولكن إقدام النساء على التشكي بقي دون المأمول ومرده أحيانا خشية هذه الفئة من سجن أفراد العائلة. 

ولطالما كان التطبيع مع العنف سائدا تقليديا، حيث يستفيد المعتدون من آلاف التبريرات حتى يفلتوا من العقاب، ويتم في كثير من الأحيان تحميل النساء ضحايا العنف مسؤولية التسبّب به. وعليه، اعتادت فئة واسعة منهن على التطبيع مع العنف وإيجاد مبررات له. أما بالنسبة للفقيرات اللواتي يشتكين من عنف اقتصادي وهيكلي، فالأولويات مختلفة يتصدّرها النضال من أجل تحصيل النفقات الأساسية وتأمين سقف يأويهن، مما يحملهن للسكوت مرغمات على العنف. 

العدالة أيضا “طبقية” 

إذا استطاعت النساء تجاوز العقبات النفسية والاجتماعية وقررن رغم ذلك الالتجاء إلى التقاضي، فإن مقولة “الجميع متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات” التي نصّ عليها دستور البلاد تُلغى وتصبح العدالة طبقية فتتيح للنساء من الطبقات الميسورة ولوجا سهلا للعدالة، وتعمق معاناة الأخريات من الطبقة الفقيرة. 

ويتحتّم على النساء الراغبات في التشكي توفير أتعاب المحامي ومقابل للاختبارات الفنية في إطار الإثبات لجريمة العنف والتردد على المحكمة، علاوة عن تغيير مغادرة المسكن إن كان المعنّف قرينا أو من أفراد العائلة. وفي حال لم يكن في مقدورهن ذلك، فإن المحكمة ملزمة بتسخير محام لنيابتهن وتحمل نفقات التقاضي وتتكفل فرق الشرطة المختصة في قضايا العنف ضد المرأة بإيوائهن في مراكز خاصة إن اقتضى الأمر ذلك. غير أن المحاكم والشرطة لا تطبق مقتضيات القانون المتعلقة بالتكفل بالنساء ضحايا العنف وتمتيعهن بالإعانة العدلية، وإنما تتجه نحو تعقيد إجراءات الإعانة واشتراط وثائق تثبت الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب. 

ووفق حديث المحامية هدى البجاوي المختصة في قضايا العنف ضد المرأة لـ”المفكرة القانونية”، فإن طلبات النساء للنيابة العمومية بتوفير الإعانة العدليّة نظرا لاستحالة توفير نفقات التقاضي، لا تتمّ الاستجابة لها آليا؛ إنما تشترط النيابة توفير وثائق متعلقة بالتصريح الجبائي على الدخل وشهادة في الفقر والاحتياج ما يجعل النساء يترددن ويعدلن عن تقديم القضايا نظرا لهذه التعقيدات. وتشدد البجاوي على أن توفير المساعدة القضائية حق مضمون بالقانون لا يخضع لأية شروط مسبقة ويندرج في إطار التزامات الدولة التونسية بالإحاطة بضحايا العنف ولا يمكن لأي جهة معارضة ذلك أو إعاقة ولوج الضحايا لمنظومة العدالة.

من باحث البداية إلى القاضي: تضامن مع الجاني لا مع الضحية

يقتضي القانون المذكور أن تتولى الشرطة فور تلقيها بلاغا بوجود حالة عنف مسلّطة على النساء والأطفال توجيه الضحايا إلى الفرقة الأمنية المختصّة في الغرض ومباشرة الأبحاث في القضية وهي فرق تضمّ في صفوفها النساء، ويجرّم أي محاولات من قبل      أعوان الشرطة للتأثير على الضحية وإثنائها عن القيام بالتتبعات العدلية أو الامتناع عن توجيهها للفرق المختصة. بيد أن الواقع مختلف عن النص، فما تزال النساء يواجهن باستخفاف فئة واسعة من هؤلاء بهذه القضايا، وتبلغ أحيانا حد الامتناع عن تدوين محضر في العنف ودعوة الضحية لعدم “تهويل الموضوع”.

وبينت البجاوي لـ”المفكرة القانونية” في هذا الصدد، أن هناك نقصا في التكوين لدى أعوان الأمن في التعهد بالضحايا، ويتجه بعضهم نحو التعاطي غير الجدي مع النساء المعنّفات واعتبار الأمر مقبولا ولا يتطلب تتبعا قضائيا، ويذهب بعضهم نحو هرسلة الضحايا.

من جانبها، اعتبرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات هذه التصرفات من قبيل التحيّز الذكوري الرامي إلى إعاقة النساء عن تحقيق العدالة وتكريس الإفلات من العقاب. وحسب دراسة أجرتها الجمعية النسوية حول “نفاذ النساء إلى العدالة الصعوبات والتحديات”، فإنّ “المعاناة المؤسساتية تمتدّ إلى ممارسات مثل الوصم من قبل أعوان الضابطة العدلية وسوء المعاملة والتحيّز الجنساني لبعض القضاة وغياب مكاتب للإرشاد القانوني أو خلايا لاستقبال وتوجيه النساء ضحايا العنف في المحاكم وطول مدة التقاضي وغياب التخصص لدى القضاة في مجال العنف المسلط على النساء”. 

ولم تنفِ المستشارة بديوان وزيرة المرأة إيمان السبعي في حديثها لـ” المفكرة” هذه التجاوزات التي رصدتها الوزارة من خلال تقييمها لتطبيق القانون عدد 58، وشرحت أن الوزارة رفقة بقية الهياكل المتدخلة ومن بينها وزارة العدل درست الصعوبات التي تعترض النساء المعنّفات وأصدرت منشورا لتيسير الإعانة العدلية للضحايا والإرشاد القانوني وعممت هذا الإجراء على جميع المحاكم. ولفتت المتحدثة إلى أن الاستراتيجية الجديدة للتمكين الاقتصادي التي صادقت عليها الوزارة في شهر مارس آذار الماضي بمناسبة إحياء اليوم العالمي للنساء ستمكّن بدورها من النهوض بالوضع الاقتصادي للنساء والحدّ من التبعيّة المالية التي قد تكون من بين أسباب عزوفهن على التشكي عند تعرضهن للعنف. 

وقدمت الوزارة، بالتعاون مع مجلس أوروبا، “حقيبة النساء ضحايا العنف” وهو كتيّب إرشادات يجمع النصوص القانونية وحزمة الإجراءات التي تحمي المرأة والجهات الملزمة قانونا بذلك، على أن يتم تعميم توزيعه خلال الفترة المقبلة على كافة النساء في جميع المحافظات.

قانون القضاء على العنف ضد المرأة مهمّش في الأحكام القضائية 

تُجمع الجمعيات النسوية على أن الأحكام القضائية الصادرة في قضايا العنف كانت في كثير من الأحيان متساهلة مع مرتكب العنف ضد المرأة، وفسرت ذلك بالعقلية الذكورية لبعض القضاة المتعهدين بهذه الملفات. 

وكشفت دراسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات حول نفاذ النساء للعدالة أن الأحكام الصادرة في القضايا وسيما على مستوى جرائم العنف الزوجي كانت مخففة في حق المعتدين، بالرغم من ارتفاع نسبة العنف المادي ضد النساء. وقد اعتبرت أن هذه الأحكام تعكس ضعف الإرادة في مقاومته من قبل بعض القضاة الذين يؤمنون بجواز تأديب الزوج لزوجته وإلقاء المسؤولية في التسبب في العنف على النساء. ولاحظت الجمعية تسامحا على مستوى الأحكام الصادرة بالمقارنة مع أفعال العنف المشتكى بها وينتفع المعنِّفون في أغلب الاحيان بظروف تخفيف حتى في الحالات التي يشدد فيها المشرع العقاب.
وفي السياق ذاته، انتقدت منيرة بلغوثي منسقة مرصد “نسا” الراجع بالنظر إلى منظمة “مرا” لـ”المفكرة القانونية” إن عملية تجميع القرارات القضائية الصادرة في قضايا العنف بيّنت أن القضاة يعتمدون بنسبة كبيرة على نصوص قانونية راكدة ومخالفة للدستور ولالتزامات تونس الدولية في المجال ومن بينها المجلة الجزائية بدل تطبيق قانون القضاء على كافة أشكال العنف المسلط على المرأة. 

وتطالب الجمعيات النسوية، بمساءلة السلطة القضائية على هذا التوجه الذي ينسف كل الجهود التي بذلتها منظمات المجتمع المدني من إصدار هذا القانون ويبقي المعتدين في وضع إفلات من العقاب وحرمان النساء ضحاياهم من الإنصاف. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، تونس ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، قرارات قضائية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مساواة