لهذه الأسباب، التعرض لصندوق تعاضد القضاة غير دستوري


2017-07-27    |   

لهذه الأسباب، التعرض لصندوق تعاضد القضاة غير دستوري

في 19/07/2017، أقرّ المجلس النيابي اقتراح القانون الوارد بالمرسوم رقم ١٠٤١٦ (والمتعارف عليه بقانون سلسلة الرتب والرواتب)، والذي أجاز في مادته ٣٣ للحكومة خلال مهلة سنة من تاريخ نفاذ القانون، وضع نظام موحّد للتقديمات الاجتماعية يشمل جميع العاملين في القطاع العام، وذلك بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء. وقد شملت المادة صندوق تعاضد القضاة العدليين والشرعيين. وقد اقترنت هذه المادة بمادة أخرى أدّت إلى تكليف الحكومة وضع دراسة بشأن مساهمة الدولة في هذه الصناديق.

ويؤدي ذلك القانون عملياً إلى تمكين الحكومة من حرمان القضاة من تقديمات اجتماعية أساسية، كليا أو جزئيا. وللدلالة على أهمية هذا الأمر، تقتضي الإشارة إلى أن صندوق تعاضد القضاة يضمن وفق المادة 8 من المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 29/07/1983 للقضاة المنتسبين اليه وعائلاتهم الإستفادة من مساعدات طبية واجتماعية وتعليمية وثقافية وسكنية فضلاً عن مساعدات طوارئ استثنائية يقررها مجلس الإدارة. وقد بات الصندوق بنتيجة ذلك يضمن تأمين تغطية صحية كاملة للقضاة وعائلاتهم، وتأمين نفقات تعليم أولادهم، فضلا عن كفالة قروض السكن المعقودة منهم. 

بالإضافة إلى ذلك، أدى قانون تعديل سلسلة الرتب والرواتب إلى رفع رواتب موظفي الفئة الأولى، على نحو جعلها أعلى من رواتب القضاة من نفس الدرجة. وقد عكس هذا الأمر نظرة دونية إلى القضاء، لا تتناسب مع نبل هذه الوظيفة/السلطة وانتظارات الناس منها، ولا مع مبدأ استقلاليتها.

وسنحاول هنا تبيان الأسباب التي تضفي عدم الدستورية على هذا القانون، وتحديداً على هاتين المادتين.  

السبب الأول: المس بالاستقلالية المالية للقضاة

عند معاينة التعديل الحاصل، نتبين أنه يرشح عن مس واضح بالاستقلالية المالية للقضاة. وهذا الأمر يتحصل من اجتماع ثابتين:

أولاً، القيمة المكرسة دستورياً لمبدأي استقلال القضاء وفصل السلطات،

وثانيا، إجماع الوثائق المرجعية على أن الاستقلالية المالية تشكل جزءاً أساسياً من مبدأ استقلال القضاة وأن المسّ بالتقديمات الاجتماعية المضمونة للقضاة والحاصل بموجب هذا القانون يشكل مساً بهذه الاستقلالية.

في القيمة الدستورية لمبدأي استقلال القضاء وفصل السلطات

يتحصل هذا الأمر من الأسناد الدستورية الآتية:

  • المادة 20 من الدستور التي نصت على أن “القضاة مستقلّون في إجراء وظيفتهم”،
  • التأكيد على مبدأ فصل السلطات الوارد في مقدمة الدستور (فقرة ه)،
  • المواثيق الدولية التي تحيل إليها الفقرة "باء" من مقدمة الدستور حيث جاء أن "لبنان هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء". وقد استقر اجتهاد المجلس الدستوري على اعتبار "أنه من المعتمد ان هذه المواثيق الدولية المعطوف عليها صراحة في مقدمة الدستور تؤلف مع هذه المقدمة والدستور جزءاً لا يتجزأ وتتمتع معاً بالقوة الدستورية "[1]. ومن أهم هذه المواثيق التي كرّست مبدأ استقلالية القضاء: "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" (المادة 10) و"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" (المادة 14) وكلها تضمنت الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة وحيادية،

في كون المس بالحقوق المالية الأساسية للقاضي مسا باستقلاليته المالية وتاليا بمبدأ استقلاليته وفق الوثائق المرجعية للمعايير الدولية لاستقلال القضاء: 

تُعتبر الاستقلالية المادية للقاضي من الضمانات الأساسية لاستقلال القضاء، وهذا ما تؤكده مجموعة من الوثائق المرجعية المرتبطة باستقلال القضاء:

  • المادة 13 من الشرعة العالمية للقاضي والتي تعتبر أن على التقديمات المالية للقضاة أن تكون كافية بشكل تؤمن لهم استقلالية مادية حقيقية:

Universal Charter of the Judge:

13. The judge must receive sufficient remuneration to secure true economic independence.

  • المبدأ 6.1 من الشرعة الأوروبية حول نظام القضاة الذي ينص على ضرورة تحديد مقدار تعويض القضاة على نحو "يضعهم بمنأى عن الضغوطات في سبيل التأثير على وجهة قراراتهم، وبشكل عام سلوكهم القضائي، مما قد يطيح باستقلالهم وحيادهم":

 

European Charter on the Statute for Judges:

§ 6.1.        Judges exercising judicial functions in a professional capacity are entitled to remuneration, the level of which is fixed so as to shield them from pressures aimed at influencing their decisions and more generally their behaviour within their jurisdiction, thereby impairing their independence and impartiality.

  • الفقرة ٥٤ من توصية لجنة وزراء المجلس الأوروبي  R(2010)12:

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (2010) 12:

§ 54. Judges’ remuneration should be (…) sufficient to shield them from inducements aimed at influencing their decisions.

  • والفقرة ٦١ من الرأي رقم 1 للّجنة الاستشارية للقضاة الأوروبيين (2001):

Avis no 1 du Comité Consultatif des Juges Européens (CCJE), 2001:

61. La Charte européenne contient une importante reconnaissance réaliste du rôle d'une rémunération appropriée qui mette les juges "à l'abri de pressions visant à influer sur le sens de leurs décisions et plus généralement sur leur comportement…", (…). Le CCJE approuve pleinement cette mention de la Charte.

وبما أن الوثائق المرجعية نفسها نصّت على ضرورة تضمين القوانين نصوصاً خاصة تمنع تخفيض رواتب القضاة أو ربطها بانتاجية القضاة. بل على العكس، أوجبت هذه الوثائق مراجعة هذه الرواتب دورياً لامتصاص آثار غلاء المعيشة، فنقرأ مثلاً:

Singhvi Declaration :

18. b) The salaries and pensions of judges (…) shall be periodically reviewed to overcome or minimize the effect of inflation.

Universal Charter of the Judge:

13.(…) The remuneration must not depend on the results of the judges work and must not be reduced during his or her judicial service.

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (2010)12:

§ 54. Specific legal provisions should be introduced as a safeguard against a reduction in remuneration aimed specifically at judges.

Avis no 1 du Comité Consultatif des Juges Européens (CCJE), 2001 :

Conclusion no(8) (…). Les salaires devraient être garantis par les dispositions légales spécifiques les protégeant contre les réductions et assurant leur augmentation en fonction du coût de la vie (paragraphes 61-62).

وبما أنه، وبحسب الوثائق المرجعية نفسها، تشمل "التقديمات المالية" للقضاة المصانة في أنظمتهم الضمانات الاجتماعية، فنقرأ مثلاً:

European Charter on the Statute for Judges:

§ 6.3.        The statute provides a guarantee for judges acting in a professional capacity against social risks linked with illness, maternity, invalidity, old age and death.

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (2010)12:

§ 54. Guarantees should exist for maintaining a reasonable remuneration in case of illness, maternity or paternity leave, as well as for the payment of a retirement pension, which should be in a reasonable relationship to their level of remuneration when working.

Avis no 1 du Comité Consultatif des Juges Européens (CCJE), 2001 :

Conclusion no(8) La rémunération des juges devrait être à la mesure de leur rôle et des responsabilités qu’ils assument, de même ils devraient bénéficier d’une assurance-maladie et d’une pension de retraite suffisantes.

فمن النافل القول على ضوء ذلك أن تجفيف مصادر صندوق تعاضد القضاة يهدد بشكل واضح مجموعة من التقديمات والحقوق المالية الأساسية للقضاة وتالياً استقلاليتهم المالية، والتي هي جزء لا يتجزأ من استقلاليتهم.

تكون تبعاً لذلك المادة ٣٣ من القانون قد خالفت مبدأ استقلالية القضاء المُصان دستورياً.

السبب الثاني: في اعتبار التفويض المعطى للسلطة التنفيذية بتقرير الحقوق المالية للقضاة مساساً بمبدأي فصل السلطات والاستقلالية العضوية للقضاة:

كما سبق بيانه، آلت المادة ٣٣ من القانون إلى تكليف الحكومة – أي السلطة التنفيذية – بإعادة النظر في التقديمات الاجتماعية للقضاة. وهذا التكليف يشكل مساً بالدستور اللبناني من زوايا عدة:   

  • أنه يتعارض مع المادة ٢٠ من الدستور التي أناطت بالمشرّع وحده وضع "نظام (…) يحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة"، كما تحديد "شروط الضمانة القضائية وحدودها".
  • أنه يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات المكرّس في الفقرة (ه) من مقدمة الدستور،
  • أنه يتعارض مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء وفي مقدمتها المبادئ الأساسية للأمم المتحدة التي جعلت القواعد المرتبطة بحقوق القضاة المادية من ضمن أنظمة القضاة (statut légal) المحددة قانوناً:

United Nations Basic Principles on the Independence of the Judiciary:

11. The term of office of judges, their independence, security, adequate remuneration, conditions of service, pensions and the age of retirement shall be adequately secured by law.

وهذا أيضا ما نتبينه في وثائق مرجعية أخرى مرتبطة باستقلال القضاء والتي نصت كلها على صلاحية المشرّع في وضع الضمانات الأساسية المرتبطة بحقوق القضاة المالية والاجتماعية، فنقرأ مثلاً:

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (2010)12:

  • 53. The principal rules of the system of remuneration for professional judges should be laid down by law.

ومن النافل القول أن حصر الصلاحية في المشرع دون غيره هنا يهدف إلى إضفاء القوة القانونية على ضمانات القضاة وعلى وضعهم في منأى من تعرض السلطة التنفيذية لهم، فلا يسوغ لها في حال من الأحوال التأثير في حقوقهم على نحو يسهل التأثير في قراراتهم. وبكلمة أخرى، تهدف الأنظمة القانونية (statut légal) للقضاة إلى حماية استقلاليتهم العضوية إزاء أي تدخل غير مشروع من قبل السلطة التنفيذية التي يفترض أن تخضع لرقابة القضاء من دون أن يكون لها أي أدوات أو وسائل للتأثير عليه.

وبما أنه وعلى ضوء ما سبق، يقتضي قراءة المادة 20 من الدستور على أنها تنيط بالمشرّع وحده صلاحية تحديد شروط الضمانة القضائية وحدودها، وأن أي تكليف من قبله للسلطة التنفيذية لا يجوز أن يتعدى شروط تنفيذ الضمانات القضائية تلك. وهذا ما أكده المجلس الدستوري الفرنسي في حيثيات قراره رقم ٩٢-٣٠٥ الصادر بتاريخ ٢١ شياط ١٩٩٢:

Décision n° 92-305 DC du 21 février 1992

“6. Considérant qu'en spécifiant que ressortit au domaine d'intervention d'une loi ayant le caractère de loi organique, une matière que l'article 34[2] range par ailleurs au nombre de celles relevant de la compétence du législateur, le constituant a entendu par ce moyen accroître les garanties d'ordre statutaire accordées aux magistrats de l'ordre judiciaire ; que la loi organique portant statut des magistrats doit par suite déterminer elle-même les règles statutaires applicables aux magistrats, sous la seule réserve de la faculté de renvoyer au pouvoir réglementaire la fixation de certaines mesures d'application des règles qu'elle a posées”

فتكون تبعاً لذلك المادة ٣٣ من القانون باجازتها الى السلطة التنفيذية البت في أمور مرتبطة بأنظمة القضاة، وتحديداً حقوقهم المالية والاجتماعية، قد خالفت مبدأي استقلال القضاء وفصل السلطات، المكرّسين في الدستور.

السبب الثالث: في كون أي تعديل لنصوص ضامنة لاستقلال القضاء غير دستوري في حال أدى إلى إلغاء هذه الضمانة أو التخفيف منها من دون استبدالها بضمانة ذات قيمة موازية على الأقل، وذلك عملا بمبدأ ال effet cliquet:

من البيّن أن المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 29/07/1983 بإنشاء صندوق تعاضد القضاة ضمن للقضاة الاستفادة من تقديمات اجتماعية أساسية، تعزز أوضاعهم المادية والاجتماعية وتحمي رواتبهم. وقد تم تخصيص هذا الصندوق بمساهمة مالية من الدولة وردت في قوانين الموازنة العامة وبمجموعة من الرسوم المخصّصة لتغذيته. وعليه، تكون هذه القوانين، بإنشاء الصندوق أو ضمان موارده، قد شكّلت إحدى ضمانات استقلالية القضاة المالية التي هي جزء لا يتجزأ من استقلاليتهم كما سبق بيانه. وما يؤكد ذلك هو النضالات التي خاضها القضاة ابتداء من 1979 لإنشاء هذا الصندوق وضمان موارده[3]. وقد حصل آخرها في آذار 2017 حين أعلن مجلس القضاء الأعلى للمرة الأولى هذه السنة، اعتكاف القضاة عن العمل.  

ومن البين بالمقابل أن المادة ٣٣ تفتح الباب واسعاً لنقض العديد من هذه التقديمات الاجتماعية بموجب مرسوم، دون أن تتضمّن الإجازة المعطاة للحكومة أي شرط يلزم الحكومة خلال وضعها لنظام موحّد للتقديمات الاجتماعية بعدم تجريد القضاة من أي تغطية اجتماعية، أو بعدم تخفيض نسبة هذه التغطية.  

وعليه، يكون مشروع القانون الذي أقره المجلس النيابي غير دستوري على ضوء اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني وخصوصا في قراره رقم 5/2000 تاريخ 27/06/2000 حيث جاء:

"أنه عندما يسنَ المشرَع قانوناً يتناول الحقوق والحريات الأساسية فلا يسعه أن يعدَل أو أن يلغي النصوص النافذة الضامنة لهذه الحريات والحقوق دون أن يُحلَ محلها نصوصاً أكثر ضمانة أو تعادلها على الأقل فاعلية وضمانة، وبالتالي فإنه لا يجوز للمشترع أن يُضعف من الضمانات التي أقرها بموجب قوانين سابقة لجهة حق أو حرية أساسية سواء عن طريق إلغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها أو بإحلال ضمانات محلها أقل قوة وفاعلية (قرار المجلس الدستوري رقم 1/1999 تاريخ 23/11/1999)".

وهذا ما يتلاقى أيضا مع اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي الذي كرس بدوره المبدأ الدستوري المعروف في الفقه الفرنسي بال "effet cliquet" [4] والذي يُفضي إلى اعتبار أي نص جديد مخالفاً للدستور إذا ألغى أو قلّل من الضمانات المعطاة لمبدأ دستوري ما[5].

وعليه، تكون المادة ٣٣ من القانون قد خالفت الدستور حين تعرضت لضمانات لاستقلالية القضاء دون احلالها شرطاً أكثر ضمانة أو يعادلها فاعلية وضمانة، ويقتضي بالتالي اعتبارها غير دستورية.

السبب الرابع: في تكريس مبدأ تناسب الراتب والتقديمات مع نبل الوظيفة القضائية، واعتبار التمويل غير الكافي للسلطة القضائية انتهاكاً لمبدأي فصل السلطات واستقلالية القضاء:

تُجمع الوثائق المرجعية لمعايير استقلال القضاء على ضرورة أن تتناسب رواتب القضاة (ومعاشاتهم التقاعدية) مع "أنظمة وكرامة ومسؤولية الوظيفة القضائية"، وأنه يتعين على السلطة التشريعية أن تضمن للقضاء موازنة كافية بالنسبة إلى مجموع إنفاقها للقيام بأعماله تحت طائلة اعتبار تخاذلها عن ذلك بمثابة إخلال لموجباتها الدستورية في ضمان حسن فصل السلطات واستقلال القضاء.   فنقرأ مثلاً:

Singhvi Declaration :

18. b) The salaries and pensions of judges shall be adequate, commensurate with the status, dignity and responsibility of their office (…).

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (94)12:

Principe III(1)(b). (…) ensuring that the status and remuneration of judges is commensurate with the dignity of their profession and burden of responsibilities (…).

Recommendation of the Committee of Ministers of the Council of Europe CM/Rec (2010)12:

54. Judges’ remuneration should be commensurate with their profession and responsibilities (…).

Avis no 1 du Comité Consultatif des Juges Européens (CCJE), 2001 :

Conclusion no(8) : La rémunération des juges devrait être à la mesure de leur rôle et des responsabilités qu’ils assument, de même ils devraient bénéficier d’une assurance-maladie et d’une pension de retraite suffisantes.

وهذا أيضا ما ذهبت إليه اللّجنة الاستشارية للقضاة الأوروبيين في الخلاصة رقم (١٧) للرأي رقم ١٨ (٢٠١٥) المخصّص ل”موقع النظام القضائي وعلاقاته مع السلطات الأخرى في نظام ديمقراطي حديث”، حيث جاء أن أي إمعان في عدم توفير الموارد الأساسية للقضاة والقضاء من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية يُعتبر تدخلاً سافراً في السلطة القضائية ودورها الدستوري في أي نظام دمقراطي، فنقرأ :

Un sous-financement chronique du système judiciaire devrait être considéré comme une ingérence inacceptable dans le rôle constitutionnel du pouvoir judiciaire, parce qu'il ébranle les fondements d’une société démocratique basée sur l’État de droit.

كما جاء في الرأي نفسه:
6. Le pouvoir judiciaire est l’un des trois piliers essentiels de l’État démocratique moderne, et il a la même valeur que les deux autres pouvoirs.

43. Les autres pouvoirs de l’Etat doivent faire preuve de la même responsabilité et de la même retenue que le pouvoir judiciaire. Avant tout, les autres pouvoirs de l’État doivent reconnaître la fonction constitutionnelle légitime du pouvoir judiciaire et veiller à ce qu’il soit doté de ressources suffisantes pour remplir ses fonction.

وقد ذهب في الإتجاه نفسه المشرع اللبناني عند إقرار مشروع فصل سلسلة رتب القضاة ورواتبهم عن السلسلة العائدة لسائر موظفي الدولة (القانون ٢٨٤/١٩٩٣). وهذا ما نقرؤه بوضوح في أسبابه الموجبة حيث جاء أن القضاة "…هُم أعضاء في سلطة من سلطات الدولة، وخصوصيتهم هذه مستمدّة من طبيعة أعمالهم ومن نظرة الدستور إليهم. وللتأكيد على هذه الخصوصية، تمّ إفراد سلاسل مستقلة لرواتب القضاة، منفصلة عن رواتب موظفي القطاع العام…"،

وهنا أيضاً ذهب مشروع القانون الذي تم إقراره في اتجاه معاكس تماماً. فعدا عن أنه منح موظفي الفئة الأولى رواتب أعلى من القضاة من الدرجة نفسها، فإنه أجاز للحكومة تجفيف موارد صندوق تعاضد القضاة لتمويل هذه الرواتب. وبذلك بدا المشرع وكأنه يخصّ القضاء بنظرة دونية وبموارد تقل عما يتناسب مع أهمية الوظيفة المناطة بهم، على نحو يشكل إخلالاً واضحاً للقواعد المشار إليها أعلاه واعتداءً واضحاً على السلطة القضائية. وما يعزز ذلك هو قلة الموارد المزمنة المخصصة للقضاء في ميزانيات الدولة والذي لم تتجاوز في أي سنة نسبة 0.5 % وهي نسبة لا تسمح للقضاء إطلاقاً بالقيام بمهامه الدستورية المطلوبة.

تبعاً لذلك، يكون مشروع القانون الذي تم إقراره مخالفاً للدستور لجهة تعرّضه لمبدأ فصل السلطات من زاوية الإمعان في إبقاء السلطة القضائية تحت وطأة تمويلٍ غير كافٍ.

 


[1]أنظر مثلاً قرار المجلس الدستوري رقم2/2001 تاريخ 10/5/2001.
[2] Afférente aux rapports entre le Parlement et le Gouvernement.
[3]  نزار صاغية وسامر غمرون، ٢٠٠٩، "التحركات القضائية في لبنان"، في نزار صاغية (إش.)، حين تجمع القضاة، بيروت: دار صادر.
[4] عن أصل هذا التعبير أنظر A. Vidal-Naquet, Les garanties légales des exigences constitutionnelles dans la jurisprudence du Conseil constitutionnel, éd. Panthéon-Assas, 2007, p. 222.
[5] أنظر قرارات المجلس الدستوري الفرنسي التي أقرت المبدأ Cons. const. 20 janv. 1984, n° 83-165 DC, Indépendance des professeurs d'université, Rec. Cons. const. 30, cons. 42 ; GDCC, 15e éd., 2009, n° 27; Cons. const. 11 oct. 1984, n° 84-181 DC, Loi visant à limiter la concentration et à assurer la transparence financière et le pluralisme des entreprises de presse, Rec. Cons. const. 78, cons. 37 ; GDCC, 15e éd., 2009, n° 28.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *