لنصنعّ “عدوّنا الداخلي”: الشعبوية وتوظيف “رُهاب الأجانب” في تونس


2023-07-06    |   

لنصنعّ “عدوّنا الداخلي”: الشعبوية وتوظيف “رُهاب الأجانب” في تونس

حفلة جنون لا تتوقف في صفاقس، جنوب تونس، أبطالها الحشود المُعبّأة بشعارات الوطنية الشوفينية، وضحاياها المهاجرون القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء. الصور ومقاطع الفيديو، التي ينقلها هواة على وسائل التواصل الاجتماعي، بشعة وكريهة، وغير مسبوقة في بلد عُرفَ عنه باكراً قدرة سلطته على ضبط سكّانه ومجاله. بذريعة أن البلاد تتعرض لهجوم منظم من المهاجرين استنفر قطاعا واسعا من السكان للتصدّر لهذا الهجوم، كلّ على قدر جهده إما بالقوة أو بالتحريض أو حتى بالسكوت على شيوع خطاب العنصرية. وضمن موجة من “الزحف المقدس” ظهرت ميليشيات تَحمل الهراوات والأسلحة البيضاء تطالب بـــ “تطهير المدينة من الأجانب”.  واللاّفت أن هذا الانجراف القومي المتطرف قد طال شرائح، ليس فقط شعبية سهلة التعبئة، بل حتى مثقفين وأكاديميين وصحفيين، تحت ذرائع أمنية واقتصادية وحتى صحية، تبدو كالأغنية المكرّرة في خطابات كراهية الأجانب في دول أخرى.

في المقابل تبدو السلطة كالمراقب الخارجي، على غير عادته التدخلية المفرطة. في توازٍ لافت لنقاش ملف الهجرة بين النظام التونسي والاتحاد الأوروبي، تتصاعد أزمة المهاجرين في تونس على نحو مُتسارع. ودون السقوط في وهم التزامن التآمري، فإن الرئيس التونسي قيس سعيد الذي لم يبق له ما يقايضه مع الجار الأوروبي الشمالي لدعم موازنة البلاد المختلة ودعم مساره السلطوي، يبدو أكثر الأطراف حرصاً على بقاء هذا الملف حياً ومتفاعلاً كل يوم، كي يحسن موضعه التفاوضي إزاء نظرائه الأوروبيين.

لكن النظر في المسألة على نحو أكثر شمولاً يكشف عن دور واضح للشعبوية الصاعدة في البلاد، فكراً وحكماً، في تأجيج مشاعر الشوفينية الكامنة، وتالياً صناعة رُهاب الأجانب. ذلك أن الشعبوية بوصفها عقَدية هشة لا يمكن أن تعيش وتتمكّن إلا في أجواء الأزمة، الحقيقية أو المتخيلة، لاسيما أجواء مواجهة الأعداء في الداخل والخارج، وإن لم تجد هؤلاء الأعداء صنعتهم في متخيلها وأنزلتهم إلى ساحة المعركة لتخوض ضدّهم حرباً بلا طائل. كما تلعب هذه الصراعات المُختلقة دوراً مركزياً في إلهاء الحشود عن فشل الشعبوية في الحكم. فكراهية الأجنبي ليست فقط تصديراً لفشل الشعبوية للخارج، بل هي في الواقع تصدير لاهتمام أنصار الشعبوية خارج دائرة الفشل. وكلما زادت حدة الفشل ارتفع منسوب الهَوس بملاحقة الأعداء، في ضرب من “الذُّهان” السياسي والاجتماعي الحاد.

جذور «رُهاب البرّاني» وأعراضه

بين سعي التونسيين منذ عقود إلى الهجرة وتفرّق كثير منهم حول العالم، وبين ما يجري اليوم من ممارسات عنصرية، تحضر مفارقة عجيبة: كيف لهذا الشعب الذي قلّ ما توجد فيه عائلة ليس لها من فروعها أو أصولوها مهاجرون أن يكون معاديا لمهاجرين جاؤوا إلى بلاده، لا طمعاً في الاستقرار، بل لتكُون لهم مجرد محطة نحو السواحل الأوروبية؟ رغم الدور الذي لعبته الشعبوية الحاكمة في نفض الغبار عن الكمون العنصري لدى قطاع واسع من التونسيين، إلا أن مشاعر رُهاب الأجانب في المجتمع لها جذور أكثر رسوخاً، على الرغم من أن تركيبة المجتمع نفسه هي خليط عجيب من أجانب مختلفين استقرّوا في البلاد على مراحل مختلفة من الزمن. ويبدو أن هذا الرُهاب قد تشكّل ضمن هذا الاختلاف المحلي ابتداءً.

تعني كلمة أجنبي في العامية التونسية “برّاني”؛ وهو مصطلح مُثقل بدلالات مختلفة المستويات الجغرافية. حيث يُحيل في الوقت نفسه على “الغريب”. ليس غريب الجنسية فقط، بل غريب الجهة والقبيلة والعائلة والمدينة. فالأجنبي في المتداول التونسي هو كل من ليس من قبيلتك أو مدينتك، ضمن مستويات شديدة الضيق من الانتماء. وربما يُحيل هذا التفسير اللغوي إلى جذر من جذور احتراز التونسي من كل غريب. لكن هذا الرُكام الوجداني قد اختفى لعقود تحت السردية التي حاولت “الدولة الوطنية” صناعتها، من خلال بناء “هوية وطنية جامعة”، رَمز إليها الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة باستعارة عبارة: “غبار الأفراد الذي تحول إلى شعب”. ورغم المبالغات البورقيبية حول البَراعة في صناعة هذه الأمة، فإن المجتمع التونسي ما قبل الدولة الحديثة لم يكن شديد التشظي، بقدر ما كان يحمل الحد الأدنى من مستويات التجانس الاثني والديني والمذهبي.

نجَحت هذه الدولة نسبياً في بناء هذه الهوية من خلال إعادة تأسيس التنظيم الاجتماعي والإداري للبلاد وعبر أجهزة الدولة الإيديولوجية، تعليماً وديناً وثقافةً. لكن هذه الهوية الوليدة، ولأسباب تتعلق بمزاج القائد الأوحد، قد تشكلت على أسس انعزالية. فقد كان بورقيبة شديد الحساسية لفكرة “الأمة التونسية” بوصفها أمة مكتملة الأركان لا تحتاج لغيرها لكي تُوجد. حيث تحوّلت جميع الانتماءات الأخرى كالعروبة والإسلام وإفريقيا والعالم الثالث إلى مُجرّد مكمّلات. وربّما كانت انتماءات “غير مرغوب فيها” في فترات زمنية تميزت باستقطاب سياسي، كما في ستينات الصراع الناصري البورقيبي. ولأنه لا شيء يَفنى أو يُستحدث بل يتغير من شكل إلى شكل آخر، فإن رُهاب الأجنبي المحلي الذي ساد طويلاً ضمن التنظيم الاجتماعي ما قبل الحداثي تحوّل ربما إلى نفور من الأجنبي اللاّمحلي. ورغم أن أحد نماذج الدولة الاقتصادية كانت لعقود طويلة هي السياحة، ورغم شيوع فكرة “الشعب المضياف”، إلا أننا لم نختبر يوماً -كتونسيين- حقيقة مشاعرناً تجاه الأجانب. فهذا الأجنبي كان دائماً ضيفاً طارئاً، إما جاء للسياحة أو للإقامة غير الثقيلة، كالعمل في منظمات دولية أو فلسطيني لاجئي من طبقة عليا. كل هؤلاء كانوا غير مرئيين لعموم الشعب، يعملون في أماكن لا تصل إليها الطبقات الشعبية ويسهرون في مواضع مِخملية ويسكنون في أحياء بعيدة عن المتناول الشعبي. لم يحدث أبداً أن كان هذا الأجنبي فقيراً وملوّناً ومرئياً في الشوارع التي يمشي فيها عموم الشعب ومستهلكاً للمواد المدعمة من الدولة، وواقفاً في طابور المستشفيات العمومية المتهالكة. وهنا يمكن أن نميّز هذه المفاضلة بين نوعين من المهاجرين، بنظرية “عتبة التسامح”،[1] التي ظَهرت في فرنسا في سبعينات القرن الماضي، والتي تضع شروطاً للتسامح مع الأجنبي من بينها العدد والنوع. حيث كان التونسي متسامحاً مع وجود الأجنبي الإفريقي الملون لسنوات طويلة، عندما كان هذا المهاجر الأجنبي طالباً في إحدى الجامعات الخاصة في العاصمة أو موظفاً كبيراً في البنك الإفريقي للتنمية عندما كان مقره في تونس ويسكن في الضواحي الغنية، وضمن أعداد لا تتجاوز بضع المئات.

«رُهاب الأجنبي» وذرائِعه

في تونس، تتكرّر نفس الذرائع التي تجوب العالم حول رُهاب بعض المجتمعات تجاه الأجانب، والتي تدور أساساً حول أربع حجج رئيسية: أولاً الحجة المركزية في أي خطاب معادٍ للأجانب وهو “تهديد النظام العام”. تمتلك الحجة الأمنية قوة تأثير كبيرة، حيث تقوم على زرع الخوف في قلوب المجتمع المحلي وتصوير هؤلاء الأجانب على أنهم خطرٌ مُحدق وأنهم مصدر كل شرّ، والربط الشرطي بين الزيادة في عدد السكان الأجانب من جهة والزيادة في معدّل الجريمة من جهة أخرى. وعلى نسق التفكير المؤامراتي للسلطة وصل الأمر ببعض النخب السياسية والإعلامية إلى التلويح بأن في صفوف هؤلاء المهاجرين “مندسين من جماعة بوكو حرام الإرهابية”. ثانياً الحجة الاقتصادية القائلة بأن هؤلاء المهاجرين الأجانب يفتكّون مواقع العمّال المحليين لأنهم يد عاملة رخيصة. ثالثاً الحجة الأخلاقية التي تدور حول دور المهاجرين الأجانب في النيل من التقاليد والأخلاق المحلية. والحجة الرابعة تتعلق بالمحاذير الصحية، وهي حجة تنتمي إلى معجم شديد البدائية في كره الأجانب من خلال تصويرهم على أنهم ناقلون للأمراض الخطيرة.

تحظر كل هذه الحجج بشكل واضح في خطاب كارهي المهاجرين الأجانب في تونس اليوم، إما بشكل عفوي على لسان بعض سكان الأحياء الشعبية من دون دراية أو وعي، أو على نحو واعٍ من خلال نموذج شديد الدلالة صاغه عدد من الأكاديميين والصحفيين من مدينة صفاقس في بيان مشترك نُشر في جريدة لابريس (La Presse) التابعة للدولة في 10 جوان الماضي، لكنه سُحب سريعاً لشدة ما فيه من خطاب عنصري. لكن نسخةً من البيان بقيت في أرشيف الإنترنت شاهدةً على ذلك. يقول أصحاب البيان، وهو عبارة عن “رسالة مفتوحة من مجموعة من الأكاديميين والصحفيين من صفاقس إلى رئيس الجمهورية: “بالإضافة إلى المخاطر المتعددة التي تمثلها تدفقات المهاجرين، فقد لاحظت السلطات الإقليمية في القصرين للتوّ وجود مخاطر صحية: بعض هؤلاء المهاجرين الأفارقة يعانون من مرض السلّ، وهو أحد الأسباب العشرة الرئيسية للوفاة في العالم؛ ممّا يجعلها مشكلة صحية عامة حقيقية. لقد تغيرت بالفعل ملامح الوجه البشرية والاجتماعية والعرقية لمدينة مثل صفاقس: رجل أعمال فرنسي يزور صفاقس ويمر عبر باب الجبلي، قلب المدينة، تساءل بدهشة: “هل أنا في صفاقس أم في سيكاسو؟ (مدينة مالية)”.

وهنا تظهر بوضوح المفاضلة بين الأجنبي الأبيض الطارئ غير المستقر والأجنبي الملون الفقير، والتي عبّرَ عنها هؤلاء المثقفون بلغة مباشرةٍ منفّرة. ثم ترتفع نبرة العنصرية إلى مزيد من الكراهية في نص الرسالة المفتوحة، حيث يقول هؤلاء “المثقفون”: “خلال الفترة الاستعمارية، كانت هناك مجتمعات يهودية ومسيحية وفرنسية ومالطية ويونانية وكورسيكية في صفاقس(…) لقد كانت فسيفساء إنسانية وثقافية غنية ومتماسكة للغاية تعكس أسلوب حياة رفيع المستوى (أسلوب اللباس، السلوكيات والاحتياجات والتطلعات وما إلى ذلك). أما اليوم فقد تدهور هذا المجتمع بشكل واضح مع وجود هذه المجموعات من المهاجرين الذين هم في الواقع بعيدون عن أي تمييز عنصري أو عرقي، حثالة إفريقيا السوداء، مصدر للعنف والإجرام (السرقة، والاتجار بالمخدرات، العراك بين بعضهم أو ضد التونسيين) ومصدر للأمراض من خلال عادة البصق في الشارع”.

مكاسب الشعبوية

أما الوجه الآخر لهذه المأساة هو السلطة الشعبوية، التي لم يَبق لها غير ريوع الموقع الجغرافي والهجرة، بوصفهما أوراقها الأخيرة للتفاوض مع الأوروبيين على حزمة الدعم المالي والسياسي للنظام. ساهمت السلطة بشكل واضح ومُعلن، من خلال السقوط في فخاخ المجموعات اليمينية المتطرفة، لاسيما الحزب القوي التونسي، في تحول الطلبات الشعبية المعادية للمهاجرين إلى خطاب رسمي. وكذلك عبر التحليل التآمري المُحبّب إلى قلب الرئيس وعقله. ليتحول الأمر إلى مؤامرة كونية تستهدف البلاد و”ترتيب إجرامي تم إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديموغرافية لتونس”. معيداً في الوقت نفسه إنتاج الخطاب المركزي لليمين الأوروبي المتطرف حول الهجرة. وقد أدّى وجود هذا الغطاء الرسمي للعنصرية وكراهية الأجانب إلى خروج الأصوات التي كانت تمارس العنصرية بشكل مستتر تحت ذرائع التهديدات الأمنية إلى العلن والجهر بخطاب تحريضي يستهدف المهاجرين حتى في وجودهم. أما المستوى الثاني من دور السلطة في هذه الأزمة هو الحياد غير المسبوق للأجهزة الأمنية تجاه ما يحدث من انتهاكات بالقول والفعل. حيث وعلى غير عادة هذه الأجهزة منذ انقلاب 25 جويلية في احتلال المجال العام والخاص، تبدو متوقّفة عن التدخل في أزمة المهاجرين في صفاقس، لأن أصداء هذه الأزمة أوروبياً لن تكون إلا في صالح الرئيس قيس سعيد أمام نظرائه الأوروبيين بوصفه القائم على حماية حدود القارة الشمالية من “زحف المهاجرين”.

لكنّ المستوى الثالث من تعامل السلطة الشعبوية مع الأزمة هو الأكثر أهميةً. تولد الشعبوية في حالة الأزمة ولا تعيش إلا فيها. مناخ الأزمة المليء بالاستقطاب والسّجال بين معسكرين هي البيئة المناسبة للقائد الشعبوي كي يصول بوصفه المخلص من الأعداء. يحتاج الشعبوي إلى أن تكون الطبقات الوسطى والشعبية في حالة من عدم الرضا الشديد دائماً، لأنه بذلك يستغلّ استياءهم. وهو ما فعله قيس سعيد قبل صعوده إلى السلطة وقبل انقلابه عليها. أما اليوم فهذا الاستياء الذي مصدره الأساسي هو تدهور أوضاع هذه الطبقات على نحو عميق منذ الانقلاب، بنسق أكثر سرعة من ذي قبل، لا يجب أن يتوّجه نحو السلطة بل يجب أن يكون اتجاهه نحو عدوّ تُعلّق عليه السلطة الشعبوية فشلها في تسديد حاجيات هذه الطبقات. لم تعد حِيَل المحتكرين والمعارضين الخونة كافيةً لإقناع الجماهير بأن هؤلاء الأعداء هم من يقفون خلف بؤس الشعب وفقره وفقدانه للمواد الأساسية، ولم يعد ذلك النوع الضبابي من الأعداء غير المرئيين من الأطراف والأشباح والغرف السوداء مناسباً لطبيعة المرحلة كي يُقنع القطاع الواسع من أنصار الرئيس بوجاهة خطابه التآمري. لذلك تجد السلطة اليوم في المُهاجرين الأجانب من إفريقيا جنوب الصحراء “كبش الفداء المناسب” كي تُعلّق في رقبتهم فشلها التنموي. فهذا المهاجر الذي يحتلّ موقع العامل التونسي ويستهلك المواد المدعومة من الدولة ويحاول خرق التقاليد والأخلاق المحلية، هو مصدر الشرّ المطلق، وليس السلطة التي لم تف بوعود التنمية والازدهار التي قطعتها قبل عامٍ خلال الحملة الانتخابية على استفتاء الدستور الجديد حين خاطب الرئيس شعبها قائلاً: “قولوا نعـم حتى لا يصيب الدولة هرم، وحتى تتحقق أهداف الثورة، فلا بؤس ولا إرهاب ولا تجويع ولا ظلم ولا ألم”.

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص في العدد 27 من مجلة المفكرة القانونية – تونس

للاطلاع على العدد كاملا، إضغطوا هنا


[1] Yves Charbit، «Justifier la xénophobie par le «seuil de tolérance»، Hommes & migrations [En ligne] , 1330 | 2020، mis en ligne le 03 janvier 2023, consulté le 05 juillet 2023.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية