كورونا والنقص في إمكانيات قصور العدل يعيقان التقدّم في محاكمة ملوّثي الليطاني


2021-04-29    |   

كورونا والنقص في إمكانيات قصور العدل يعيقان التقدّم في محاكمة ملوّثي الليطاني
تصوير ماهر الخشن (٢٧-٤-٢٠٢١)

تزامنت جلسة الثلاثاء 27 نيسان 2021 لمحاكمة المتهمين بتلويث نهر الليطاني مع ثلاثة معطيات أساسية تؤثر في التقدّم على صعيد تطبيق القانون 63/2016 الخاص بتنظيف نهر الليطاني وبحيرة القرعون. تمثّل المعطى الأوّل بنفوق آلاف الأطنان من أسماك الكارب في بحيرة القرعون نتيجة التلوّث القاتل الذي لم ينخفض بعد خمس سنوات على صدور القانون. أما المعطى الثاني فهو تأخّر جلسات محاكمة الملوّثين بسبب الإقفال نتيجة جائحة كورونا وإغلاق االمحاكم وحصر الملفات بقضايا الموقوفين وتلك التي تتّصف بالعجلة. والمعطى الثالث هو بروز عراقيل عمل قصور العدل والنقص في القرطاسية والحبر وأوراق الطباعة، فتعذّر إبلاغ المدّعى عليهم خطّياً واستبدل ذلك بالهاتف الذي لا يعدّ تبليغاً قانونياً يُلزم المعني به بالحضور.

وبالتالي لم يحضر الجلسة التي انعقدت أمام القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف لمحاكمة أصحاب المعامل المتّهمين بتلويث النهر، سوى 4 من المدّعى عليهم الـ52 أمام المحكمة، بسبب تعذّر تبليغهم بموعد جلساتهم. وتبيّن بحسب ما أدلى به القاضي شرف أثناء الجلسات أنّ التبليغات عبر المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي متوقّفة منذ بداية كورونا، فيما يتحدّث بعض موظفي قصر العدل عن نقص في الأوراق لطباعة التبليغات. ويلفت وكيل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني المحامي علي عطايا إلى أنّ “المحكمة تولّت تبليغ المدّعى عليهم على الهاتف، وقد حضر عدد قليل. هذه المرّة جرى التبليغ عبر الهاتف بسبب ضيق الوقت بين وقت إقرار موعد الجلسة وتاريخ انعقادها”. ويشرح أنّ المصلحة “تنوي إعداد التبليغات وتوكيل مباشر قضائي على نفقتها لأجل إتمام التبليغات للجلسة المقبلة”. هذا مع العلم أنّ إعلام المدّعى عليهم عبر الهاتف بموعد جلساتهم لا يمكن أن يعتدّ به لعدم اعتباره قانونياً، إذ “يمكن للمدعى عليه أن يعتبر نفسه غير مبلّغ”.

ويُشار إلى أنّ النقص في قصور العدل لا يقتصر فقط على الأوراق إنّما، ومنذ فترة، تعاني قصور العدل من نقص في القرطاسية وخدمات مختلفة، وتعاني من انقطاع الكهرباء وتراجع خدمات التنظيف والصيانة ولمّ النفايات، وغيرها. ويُعيد أحد القضاة الأمر إلى “تأخّر موازنة وزارة العدل، ممّا أدى إلى عرقلة أمور أساسية في المحاكم”. ويلفت القاضي إلى أنّه “في أقلام قصور العدل تُستخدم أوراق مستعملة سابقاً لطباعة الأرواق غير الرسمية، فيما تطلب الأقلام من المواطنين جلب أوراق من خارج قصر العدل لطباعة الأحكام والأوراق الرسمية”.

يشار إلى أنّ جلسات محاكمة المصانع الملوّثة لنهر الليطاني  بدأت في تشرين الثاني 2018 بعد مسح أجرته المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بمؤازرة أمنية ومندوبون من وزارات الصحة والصناعة والزراعة والبيئة على المعامل الملوثة في البقاع وبعلبك. وبموجب المسوحات تقدّمت المصلحة بإخبارات إلى النيابة العامّة الاستئنافية في البقاع التي ادّعت على نحو 120 معملاً ومؤسّسة يُشتبه بتلويثها للنهر.

13 و27 أيار للأحكام

بالعودة إلى جلسة الثلاثاء استجوب القاضي شرف ثلاثة مدّعى عليهم، وعيّن تاريخي 13 و27 أيّار لإصدار ثلاثة أحكام، فيما عقد جلسة في ملف رابع وأرجئت إلى تاريخ 27 أيّار لاستكمال دفع مستحقات الخبراء. وعليه فإنّ الأحكام التي ستصدر في أيّار تعود لشركات “شاتو مارسياس”chateau marsyas  وهو معمل نبيذ، ومعمل بلاستيك لصاحبه أنطوان المر، ومعمل ثالث. وتنوّعت الملفّات التي تعود للغائبين عن الجلسات، بين معامل نبيذ و7 مستشفيات، وجمعيتين غير حكوميتين، ومعامل باطون وغيرها. وحضر إلى المحكمة خبيران لتقديم إفادتهما في الملفات التي كشفا فيها على المعامل المتّهمة بالتلويث إلّا أنّهما لم يتمكّنا من ذلك بسبب غياب المدّعى عليهم.

وتأتي هذه الجلسة بعد مرور نحو عشرة أشهر لم تنعقد فيها أي جلسات، حيث انعقدت آخر جلسة فعلية في تموز 2020 حضرها عدد لا يزيد عن 10 من المدّعى عليهم، فعيّن القاضي لاحقاً جلسة في كانون الثاني 2021 ألغيت مع صدور قرار من وزارة العدل تماشياً مع قرار الإقفال الصادر عن مجلس الوزراء في 5 كانون الثاني 2021 وقضى بتعلّيق المحاكم، ولحقته 5 قرارات مشابهة عن وزارة العدل حتى أُعيد العمل في قصور العدل تدريجياً بتاريخ 8 آذار 2021. 

وعليه، فإنّ الإغلاق أثّر على سرعة البت في الملفات، بحيث لم يتمكّن القاضي شرف من إصدار الأحكام في ظلّ عدم استكمال الاستجوابات. ومع ذلك، يجد المدير العام لمصلحة الليطاني د. سامي علوية أنّ “الوقت لم يذهب هدراً كون الخبراء المكلّفون من المحكمة توجّهوا إلى المعامل وأجروا الكشوفات عليها قبل تركيب محطات التكرير وبعده، كون دورهم يشمل متابعة الالتزام البيئي وإيجاد الحلول البيئية”.

وإذ يعبّر في تصريح لـ”المفكرة” عن أسفه لإغلاق المحاكم طيلة فترة كورونا، يجد علوية أنّ ما يعرقل إمكانيّة الوصول إلى نتائج مرجوّة في ملفّ تلويث نهر الليطاني هي القيود المصرفية على التحويلات المالية بالتوازي مع ارتفاع سعر صرف الدولار، مما ينعكس صعوبة في شراء المعدّات من الخارج، وبالتالي سيشكل عائقاً في المستقبل أمام المصانع للإسراع في إنشاء محطات التكرير للمعامل التي لم تستوف الشروط بعد.

وفي الخلاصة، بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على بداية حملة المصلحة ضدّ الملوثين، يشدّد علويّة على أنّ أهم ما تحقّق هو أنّ المعامل أنشأت محطّات التكرير وهو نتيجة أساسية للّجوء إلى القضاء. ويشرح أنّه بعد صدور عشرات الأحكام التي تدين الملوثين، فإنّ معظمهم توجّه إلى استئنافها ما يعرقل تنفيذ الجزء المتعلّق بتنظيف مجرى النهر وغرس الأشجار. ويحيل الأمر إلى “قانون المياه السابق (قبل التعديل) الذي ينصّ على أنّ الاستئناف يوقف التنفيذ مثل الأصول العادية، أمّا بعد تعديل القانون بصدور القانون 192 أصبح الاستئناف لا يوقف التنفيذ”. بالتالي، فإنّ وكيل المصلحة المحامي علي عطايا، وفق علوية “يسعى إلى جمع الملفات المستأنفة في غرفة استئنافية وحدها، وطلبنا من القضاء أن ينظر فيهم لأجل تسريع البت فيهم بأسرع وقت”.

إذاً، تتنظر المصلحة الوطنية لنهر الليطاني البتّ في هذه الأحكام في محكمة الاستئناف، فيما يلفت علوية إلى أنّ تنظيف مجرى النهر وفق ما تتضمنه الأحكام القضائية، أصبح ضمن صلاحيات المصلحة وتحت إدارتها بعد تعديل قانون المياه. (أصبح بموجبه لدى المؤسسات العامّة الاستثمارية سلطة الضابطة العدلية لوقف المخالفات واتخاذ بعض التدابير). فبات للمصلحة الصفة في اتخاذ التدابير اللازمة والقدرة على الطلب من المعامل الملوّثة  تنظيف مجاري الأنهار الموازية لمعاملها، وهذا ما حصل في موضوع معمل “ألبان لبنان”  في بعلبك.

ويوضح أنّ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني توجّهت إلى محافظ البقاع في تشرين الثاني 2020 بإحالة، طالبة منه إلزام معمل “ألبان لبنان” بتنظيف 6 كيلومترات من مجرى نهر الليطاني سبق أن رمى فيه ملوّثات من مخلّفات صناعية وروث أبقار. ويؤكد علوية أنّ المعمل نفّذ القرار وقام بتنظيف المساحة المطلوبة خلال 30 يوماً. ويُشار إلى أنّ معمل “ألبان لبنان” الذي يُحاكم أمام القاضية المنفردة الجزائية في بعلبك لميس الحاج دياب “أنشأ محطتي تكرير، واحدة لمعالجة مخلفات الحليب والثانية لمعالجة روث الأبقار، وأكّد أنّ المحطة الثانية يتم تنفيذها ببطء”، بحسب علوية.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، جائحة كورونا ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية



لتعليقاتكم