قمّة المناخ 28: صندوق التعويضات والانتقال من الوقود الأحفوري خطوتان إيجابيّتان دونهما تحدّيات


2023-12-22    |   

قمّة المناخ 28: صندوق التعويضات والانتقال من الوقود الأحفوري خطوتان إيجابيّتان دونهما تحدّيات
من الموقع الرسمي للقمة: https://www.cop28.com

عندما أُعلن في نهاية “قمة الأمم المتحدة للمناخ” (كوب 28) اعتماد الوثيقة الختاميّة التي ذكرت الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري بعد سنوات من نقاشات حيّدت هذه القضيّة التي شكّلت في القمّة نفسها نقطة خلافيّة أساسيّة، عمّ التصفيق داخل القاعة إلى أن قاطعته كبيرة المفاوضين في تحالف الدول الجزرية الصغيرة آن راسموسن قائلة إنّها لم تكن ترغب في مقاطعة التصفيق الحارّ حين دخلت الغرفة ولكن يبدو أنّ القرارات صدرت ولم تكن الدول الجزرية النامية حاضرة في الغرفة، معربة عن أسفها وخيبة أملها من أنّ القمّة أحرزت تقدما تدريجيّا في العمل كالمعتاد بينما ما نحتاجه حقيقة هو تغيير كبير في الإجراءات.

مداخلة راسموسن عكست أجواء عدم الرضى التي سادت في صفوف عدد من الناشطين البيئيّين والدول المتضرّرة على قمّة المناخ. صحيح أنّ القمّة خرجت باعتراف ولأوّل مرّة بضرورة الانتقال من الوقود الأحفوري وبتفعيل صندوق الخسائر والأضرار الذي يهدف إلى توفير العدالة للمجتمعات المتضرّرة من التغيّر المناخي وانطلاقا من مبدأ وجوب أن تدفع أكبر الدول المسبّبة لانبعاثات غازات الدفيئة على مر التاريخ، لمعالجة الأضرار المناخية التي تسبّبت بها.  إلّا أنّ هذين القرارين لقيا انتقادات عدّة أوّلهما عدم وضوح صيغة التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري ما يترك للدول المنتجة لهذا الوقود المجال لمواصلة أعمالها؛ وثانيهما أنّ ما تمّ التعهّد به لصالح صندوق الخسائر والأضرار بالكاد يكفي لتشغيله.

هذه الانتقادات التي طالت نتائج المؤتمر كانت سبقتها أيضا انتقادات أخرى رافقت انطلاقتها وجلساتها منها أن تستضيف الإمارات، البلد المصنّف أحد المنتجين الرئيسيين في العالم، لأهم حدث مناخي عالمي يهدف إلى التقليل من استخدام الوقود التقليدي، وأن يترأّس هذا الحدث رئيس تنفيذي لشركة بترول وطنيّة أي سلطان أحمد الجابر وهو وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة. ومن الانتقادات التي رافقت القمّة أيضا تضييق الحيّز المدني مقابل توسعة مشاركة جماعات مؤيدة للوقود الأحفوري، ما طرح سؤالا حول العدالة البيئيّة.

تفعيل صندوق الخسائر وضع الدول الكبرى أمام مسؤولياتها

اُعتبر تفعيل صندوق الخسائر والتعويضات في قمّة المناخ 28 إنجازا أساسيّا، فهذا الصندوق والذي لطالما كان مطلبًا أساسيًّا من الناشطين البيئيّين خطوة مهمّة على طريق العدالة البيئيّة من منطلق تعويض الدول المتضررة والأقل تسبّبا من آثار تغير المناخ.

وترى دكتورة الكيمياء التحليليّة وتلوّث الهواء والبيئة عامة، النائبة نجاة عون صليبا والتي كانت متواجدة في قمّة المناخ أنّ تفعيل العمل بهذا الصندوق خطوة مهمّة جدا ولكن دون تنفيذها الكثير من العمل المطلوب، إذ إنّه لم يُحدّد بعد كيفيّة صرف الأموال والإطار العامّ لاستخدام الأموال وإجراءات الشفافيّة، وهذه كلّها تحدّيات ستهتم بها اللجنة التي ستُنشأ بداية العام المقبل.

وتعتبر صليبا في حديث مع “المفكّرة” أنّه من المهمّ جدا التنبّه إلى عدم تحوّل هذه الأموال إلى نوع من الاستعمار، فتدفع الدول المصنّعة فقط للدول التي لديها فيها مصالح، الأمر الذي يستوجب تواجد المجتمع المدني والدول غير المصنّعة والمتضرّرة على طاولة المفاوضات وأن ترفع صوتها من أجل الشفافيّة والعدالة في التعاطي مع هذا الصندوق. “مع إعلان تفعيل الصندوق، العمل بدأ وليس انتهى” تقول.

وفي الإطار نفسه، ترى مديرة برنامج السياسات البيئية في مبادرة الإصلاح العربي سارين كاراجيرجيان والتي حضرت القمّة، أنّ مرحلة ما بعد تفعيل الصندوق مهمّة جدا. فالقمّة اتّفقت على تفعيل الصندوق واليوم لا بدّ من الضغط على القيّمين عليه ومراقبته ومراقبة أين وكيف سيذهب التمويل لتحقيق هدفه الذي يأتي في إطار العدالة البيئيّة.

وتُشدّد كلّ من صليبا وكاراجيرجيان بالإضافة إلى المراقبة على ضرورة إيصال صوت البلدان والفئات المتضرّرة عبر إنتاج معرفة محليّة وتحضير ملفّ يحتوي أرقاما وحقائق عن الأضرار تواجه فيها الدول المتضرّرة وتعزيز قدرات المجتمع المحلي والجمعيات المحليّة والجامعات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ليُصبح صوتها مسموعا بشكل أفضل.

وكان بلغ إجمالي المبلغ الذي تمّ التعهد به في المؤتمر لصندوق الخسائر والأضرار نحو 700 مليون دولار أمريكي واقتصر التمويل المتاح للدول النامية لمساعدتها في التكيّف مع تغير المناخ على أقل من نصف المبلغ المستهدف البالغ 300 مليون دولار.

ولاقى هذا المبلغ انتقادات كثيرة إذ إنّه ضئيل جدا مقارنة بحاجة البلدان المتضرّرة من جهة وبحجم الخسائر التي تكبّدتها من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، اعتبرت منظّمة “العفو الدوليّة” في تقرير أنّ هذا المبلغ ضئيل إلى درجة “مخيّبة للآمال” “نظرًا “للأرباح الهائلة والفائضة التي راكمتها شركات الوقود الأحفوري في العام الماضي فيما تواصل تخريب المناخ، ولأن بعض الدول المانحة اليوم كانت مسؤولة عن نسبة كبيرة من انبعاثات غاز الدفيئة تاريخيًا”. واعتبر التقرير أنّ هذا  المبلغ  يبدو “أصغر بعد عند مقارنته بـمبلغ الـ 7 تريليونات دولار أمريكي الإجمالي الذي يمثّل الدعم الذي تقدّمه دول، بما فيها بعض تلك المانحة، سنويًا لدعم قطاع الوقود الأحفوري”.

الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري تحوّل تاريخي ولكن!

ترى كاراجيرجيان أنّ الحديث عن الوقود الأحفوري في المؤتمر والاتفاق على الانتقال منه إلى طاقة صديقة للبيئة إنجاز، وأنّ من الأمور التي لعبت دورا للتوصّل إليه هي أنّ الدول المصنّعة وجدتْ أنّها لم تعد قادرة أن تفكّر “بزنس فقط” كعادتها في ظلّ الكوارث البيئيّة المُتسارعة وأيضا رغبة الإمارات بلعب دور عالمي، مشيرة إلى أنّ هذا الاتفاق يبقى منقوصا إذ إنّه يعطي هوامش للدول بالاستمرار باستخدام هذا الوقود. وتعتبر كاراجيرجيان إنّ الاتفاق على الانتقال هي ورقة لوضع الدول عند مسؤولياتها إذ يجب أن يبدأ العمل من المجتمع المدني والجمعيات البيئيّة للضغط على هذه الدول من أجل تحقيق هذا الاتفاق. “نحن في نقطة الانطلاق وعلينا أن نسير قدما” تقول.

بدورها، ترى صليبا أنّ ذكر الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الصديقة للبيئة أمر مهمّ جدا، وهذا يُعدّ برأيها اعترافًا ضمنيًا من الدول ولاسيّما تلك المُنتجة والمصدّرة للنفط بأن الفيول والغاز هما مسبّبان للتلوّث وللتغيّر المناخي. واعتراف تاريخي غير مسبوق بأنّه إذا أردنا الاستمرار على هذه الأرض لا بدّ من الحدّ من هذه الانبعاثات الناتجة عنهما وخلق طاقة بديلة.

وبالإضافة إلى هذين المقرّرين، تتحدّث صليبا لـ “المفكرة” عن أمر آخر مهمّ اتُخذ وأُعلن في القمّة وهو استثمار الشركات الكبرى في مشاريع صديقة للبيئة ومنها شركات في الإمارات. فحتّى لو كان طابع هذه المشاريع، حسب صليبا، تجاريًّا وصناعيَّا وتكنولوجيًّا فهو يعني فرص عمل أكبر مستقبليّة في مجال صديق للبيئة وليس في القطاع النفطي.

الإيجابيّة المتمثّلة بالاتفاق على الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري، لا يعني، بحسب صليبا، أبدا عدم وجود مآخذ على هذا الاتفاق إذ إنّ القمّة لم تتمكّن من إيراد التخلّص من الوقود الأحفوري وتحديد فترة زمنيّة لذلك، وهو المطلب الأساسي للأشخاص والجمعيات المهتمين والعاملين في البيئة. ولكنّه بطبيعة الحال ليس ما يُناسب السياسيين واقتصاد بلدانهم المرتكز على النفط. وتُشير صليبا إلى أنّ ما ورد في الوثيقة بخصوص الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري مفتوح على التأويلات ويسمح للدول طبعا باستكمال أعمالها في هذا الإطار. ولكن هذا لا يعني أن ما حصل ليس نقطة تحويليّة. “باختصار ما حصل حلّ وسطي بين استبعاد كلي لإيراد عبارة الوقود الأحفوري والانتقال إلى طاقة بديلة من جهة وإيراد عبارة التخلّص منه وتحديد فترة زمنيّة من جهة ثانية. الحديث عن انتقال يبقى انجازا ولاسيّما في الدول النفطيّة”.

 واعتبرت صليبا أيضا، أنّ الاتفاق نقطة بداية وتحوّل يُعطي دفعا للمجتمع المدني والبرلمانات للضغط على دولها ومراقبة مدى الالتزام بالاتفاق وتنفيذه.

ويُشار إلى أنّ منظمي المؤتمر اضطروا إلى تمديده يوما إضافيا بسبب الخلاف على إذا ما كانت الوثيقة النهائية ستتضمن دعوة إلى التخفيض أو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.

ولم يُلزم الاتفاق النهائي الدول بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، بل دعاها إلى اتخاذ إجراءات تُساعد في تحقيق التحول الطاقي عن الوقود الأحفوري ومنها مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة على مستوى العالم ثلاث مرات وتسريع الجهود الرامية إلى الخفض التدريجي للطاقة المعتمدة على الفحم وتسريع الجهود العالمية نحو أنظمة طاقة خالية من الانبعاثات واستخدام الوقود الخالي من الكربون ومنخفض الكربون قبل فترة كافية من منتصف القرن الحالي، وتسريع وتيرة التقنيات الخالية من الانبعاثات ومنخفضة الانبعاثات، بما في ذلك تقنيات الطاقة المتجددة والطاقة النووية وتقنيات الخفض والإزالة مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، لا سيما في القطاعات التي يصعب تخفيفها، وإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون، والإلغاء التدريجي في أقرب وقت ممكن لإعانات الوقود الأحفوري غير الفعالة والتي لا تعالج فقر الطاقة أو التحولات العادلة.

العدالة البيئيّة والمجتمعات الأكثر تضرّرا 

تُشير صليبا إلى أنّ المحادثات كانت مقتصرة على السياسيين من دون وجود المجتمع المدني الذي كان حاضرا بالاجتماعات المفتوحة فقط. وتقول: “دائما في المحادثات هناك شقّ اقتصادي سياسي يلعب دورا كبيرا. وهذا الشق لا يأخذ دائما حياة الناس بعين الاعتبار، وهناك صراع دائم بين المصالح كما تراها الدول الكبيرة وبين ناشطين وبيئييّين وشبّان وشابات يريدون ضمان حقّهم وحقّ الأجيال بالعيش”.

يقودنا هذا الأمر إلى الحديث عن العدالة البيئيّة التي تتحدّث صليبا عن شكلين منها، الأول يرتبط بالإنسان وإدراكه بالبيئة والثاني يرتبط بالتغيّر المناخي، وغالبا ما يكون سكّان الدول النامية ضحيّة عدم توافر الاثنين.

وتُعطي صليبا مثالا على غياب العدالة البيئيّة في لبنان. إذ تجعل السلطة فيه البيئة غير عادلة، هي تستفيد منها لمصالحها الخاصة وتحرم المواطنين منها مع تدفيعه ثمن ذلك، تماما كما يحصل في موضوع الكسّارات والمرامل والسدود. أمّا عدم العدالة البيئيّة المرتبطة بالتغيّر المناخي، فهي تقوم على تسبب الدول المصنعة القسم الأكبر من التلوّث مع تحقيق أرباح ماليّة طائلة في حين تُهدّد حياة ووجود دول أخرى.

وتلفت صليبا في هذا الإطار أنّه لا يوجد دول غير متضرّرة من موضوع التغيّر المناخي الذي رفع حرارة الكون العامة،  ولكن أكثر المتضرّرين هي منطقة الشرق الأوسط كلها حيث من المتوقّع ارتفاع درجات الحرارة أكثر من مناطق أخرى وارتفاع  مستوى البحر بسبب ذوبان الجليد. وتشرح صليبا أنّ سكّان الدول الفقيرة تصبح أكثر تأثرا بالتغيّر المناخي بسبب افتقار هذه الدول لسياسات وآليات التعاطي مع تبعات التغيّر المناخي، “مثلا منطقة الخليج ودول لبنان والعراق وسوريا وفلسطين ستتأثّر كثيرا بالتغيّر المناخي، ولكنّ التأثير على حياة الإنسان سيكون أقل في الخليج بسبب السياسات الموجودة للتعاطي مع الأمر”.

ومن هنا ترى صليبا أنّ تحقيق العدالة البيئيّة يتطلّب وضع سياسات محليّة للحدّ من الانبعاثات الملوّثة والتكيّف مع التغيّر المناخي داخليا، وتحضير ملفّ واضح عن الأضرار التي تلحق بهذه الدول الفقيرة حتّى تُدافع عن حصّتها بالصندوق على سبيل المثال.

من جهة أخرى، يطرح موضوع العدالة البيئيّة بحسب كاراجيرجيان، الانتقال العادل للطاقة البديلة. فالانتقال إلى اقتصاد جديد يؤثّر بشكل أساسي على المزارعين والفئات المهمّشة، ليبقى السؤال: هل ستأخذ الجهات المعنيّة هذه الفئات بعين الاعتبار وخاصة من يعيشون في مناطق ريفية أو في المناطق الساحليّة. وتُشير كاراجيرجيان  إلى أنّ هناك صراعا دائما بين دول الشمال ودول الجنوب، وانّ النظام الموجود والذي تُعالج من خلاله البيئة عالميا لا يُتيح لدول الجنوب والفئات المهمّشة أن يُفاوضوا، ومن هنا لا بدّ من تفعيل دور المجتمع المدني والناشطين لإيصال صوتهم.

وختاما تسأل كاراجيرجيان: عن أيّ عدالة بيئيّة يمكن أن نتحدّث عنها والدول الأكثر تضرّرا من التغيّر المناخي تخسر أراضيها وبيئتها ومواردها الطبيعيّة بسبب الحروب والنزاعات كما يحصل في لبنان وسوريا وليبيا والعراق واليمن وفلسطين، فهذه الدول الصغيرة تمر بمشاكل سياسية وتحديات مالية واقتصادية ما يعني تأثّر نموّها الاقتصادي ومواردها وسبل العيش فيها، تماما كما دول شمال إفريقيا كتونس والمغرب ومصر حتى الجزائر. كلّها دول تُعاني من لا عدالة بيئيّة داخليّة فكيف ستضغط للحصول على عدالة بيئيّة دوليا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، بلدان أخرى ، سياسات عامة ، منظمات دولية ، لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بلدان عربية أخرى



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية