قانون لتفعيل المسؤولية المجتمعية في تونس أم مجرد إعلان نوايا؟


2018-06-08    |   

قانون لتفعيل المسؤولية المجتمعية في تونس أم مجرد إعلان نوايا؟

صادق مجلس نواب الشعب في تونس، يوم 28 ماي 2018، على قانون يتعلّق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات. ويقصد بالمسؤولية المجتمعية حسب المفهوم الذي قدّمته المفوضية الأوروبية "التطوع الذاتي للمنظمات في المساهمة في خلق مجتمع وبيئة أفضل"[1]. وعلى هذا الأساس تم تبنّي هذا القانون الذي يهدف إلى تشريك المؤسسات العمومية والخاصة في تطوير المحيط البيئي والمجتمعي الذي تتدخّل فيه. ويأتي هذا القانون في فترة يهتم فيها مجلس نواب الشعب بالقوانين ذات الصبغة البيئية والتأثير على المستوى المحلي. فقد سبقته المصادقة على قانون يتعلّق بممارسة الصيد البحري وعلى مجلة الجماعات المحلية.

وفي الحقيقة، لم يتم سنّ هذا القانون تكريسا لأحكام الفصل 45 من الدستور التونسي الذي ينص على أنه: "تضمن الدولة الحق في بيئة سلمية ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ، وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي" أو استجابة إلى التوجهات الدولية في هذا المجال فقط[2]، بل أيضا نتيجة لعديد المشاكل البيئية والاجتماعية التي تسببت فيها بعض المؤسسات في مختلف مناطق الجمهورية والتي كانت سببا مباشرا في اندلاع عدد من الاحتجاجات الاجتماعية التي طالبت بمحاسبة هذه الشركات على الأضرار التي سببتها وذلك من خلال غلقها أو إجبارها على المساهمة في تنمية المناطق المتضررة من أنشطتها[3].

ونذكر من بين هذه المشاكل خاصة الكارثة البيئية والاجتماعية التي تمسّ مدينة قابس نتيجة لسوء تصرّف المجمع الكيميائي[4] في النفايات من خلال صرفها في البحر، في منطقة يمثّل البحر فيها موردا أساسيا للرزق. وكذلك الأمر أيضا في جزيرة قرقنة وذلك نتيجة تعنت مؤسسة خاصة تعمل في استخراج النفط، بعدم الاعتراف بمسؤوليتها في تلوث البحر.

كما نذكر أيضا المشاكل التي تحصل بمنطقة الحوض المنجمي نتيجة لعمليات استخراج مادة الفسفاط التي تتسبب في تلوّث يعرّض المتساكنين إلى مشاكل صحيّة كثيرة.

وبالرجوع إلي الفصل الأول من القانون، يبدو أن استعمال عبارة "المصالحة" ليس اعتباطيا. فالمؤسسات العمومية والخاصة، خاصة الصناعية والتحويلية منها، تتسبب في عديد المشاكل البيئية والمجتمعية بعديد الجهات، ممّا جعل العلاقة بين الاستثمار وتحقيق التنمية المحلية علاقة غامضة الملامح لدى المواطن ومتضاربة أحيانا. ولذلك سعى المشرّع أن يكون لهذا القانون أيضا بعد اقتصادي يسعى إلى إعادة ثقة المواطن في الاستثمار الخاص والتشجيع عليه ولا أدلّ على ذلك من التنصيص الحاصل بالفقرة الأخيرة من الفصل الثاني الذي يستثني مرابيح المؤسسات المعاد استثمارها في إطار برامج المسؤولية المجتمعية من نسبة مساهمة المؤسسات فيها.

إلا أن هذا القانون، الذي يرمي، كما ينص الفصل الأول منه، إلى "تبني سلوك شفاف يعود بالفائدة على المجتمع جهويا" لا يحيل بتاتا إلى النظام القانوني للامركزية ولا يضع آليات تسمح بانتفاع الجماعات المحلية خاصة الجهوية منها بنظام المسؤولية المجتمعية للمؤسسات وذلك لكون السّلط المحلية هي الأكثر عرضة للمشاكل البيئية والمجتمعية الناتجة عن نشاط المؤسسات وكذلك الأكثر دراية بها وبالضرر الذي حصل للجهة منها ومن الأجدر تمكينها من التدخّل في برامج المسؤولية المجتمعية على المستوى الجهوي. 

ومن مفارقات هذا القانون أيضا، أنه لم يتم تقديمه من قبل الحكومة لمجابهة هذه المشاكل المجتمعية في إطار رؤية تضع في الميزان جميع الجوانب المالية والتقنية للعمل الحكومي وإنما قد تم إيداعه في شكل مقترح قانون تبنّته مجموعة من النواب المنتمين إلى مختلف الكتل النيابية[5]. وهو ما يفسّر الإحالة المتكررة إلى دور السلطة الترتيبية لرئيس الحكومة في تفعيل أحكام هذا القانون والذي يعتبر دورا حاسما في تفعيل أحكام هذا القانون. فمساهمة المؤسسات في برامج المسؤولية المجتمعية (الفصل 2) وإحداث لجنة قيادة جهوية تهتم بوضع أولويات التدخّل في هذا المجال وضبط طرق عملها (الفصل 4) وإحداث مرصد للمسؤولية المجتمعية (الفصل 6)، تخضع جميعها إلى أوامر حكومية تضبطها وتفسّر طريقة سيرها. إذ أن المشرّع، لم يخض عند مناقشة هذا القانون في التفاصيل، بل وضع الخطوط العريضة لنظام المسؤولية المجتمعية فقط وأحال جميع المسائل التقنية والعملية إلى رئيس الحكومة.

لا يمكن، على هذا الأساس، العمل بهذا القانون دون صدور الأوامر المنظمّة له. وهو ما يفرغ القانون من محتواه نظرا لأهمية مجال تدخّل السلطة التنفيذية التي تتسم صلب النظام السياسي التونسي الحالي بعدم استقرارها وبغياب الشفافية والتشاركية في اتخاذ قراراتها ممّا يجعل منه إعلان نوايا وليس قانونا قابلا للتطبيق.   

 

قانون عدد 28 لسنة 2018 المؤرخ في 28 ماي 2018 المتعلق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات

 

الفصل الاول :

يهدف قانون المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسسات إلى تكريس مبدأ المصالحة بين المؤسسات ومحيطها البيئي والإجتماعي من خلال مساهمتها في مسار التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة وفقا للتشاريع الجاري بها العمل.

وتتنزل المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسات ضمن المبادئ التي كرّسها الدستور والمجتمع الدّولي استنادا إلى ميثاق الأمم المتحّدة للمسؤوليّة المجتمعيّة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق منظمة العمل الدوليّة وإعلان ريو بشأن البيئة والتنمية

وتعتبر المسؤوليّة المجتمعيّة مبدأ تنتهجه المؤسسات حرصا منها على ضرورة تحمّلها مسؤوليّة تأثير نشاطها على المجتمع والبيئة من خلال تبني سلوك شفاف يعود بالفائدة على المجتمع جهويّا.

 

الفصل 2 :

تنطبق أحكام هذا القانون على المؤسسات والمنشآت  العموميّة والخاصّة.

على المؤسسات المنصوص عليها بالفقرة 1 تخصيص اعتمادات لتمويل برامج المسؤولية المجتمعية.

تحدد مساهمة المؤسّسات المعنيّة في برامج المسؤوليّة المجتمعيّة بأمر حكومي وفق جملة من المعايير خاصّة منها

تستثنى مرابيح المؤسسات المعاد استثمارها.

 

الفصل 3 :

تنجز مشاريع الأنشطة في إطار المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسسات خصوصا في المجالات التالية :

 

الفصل 4 :

تحدث بمقتضى هذا القانون لجنة قيادة جهويّة للمسؤوليّة المجتمعيّة تحدد أولويّات التدخّل طبقا للفصل 3 أعلاه.

تضبط تركيبة اللجنة وصلاحياتها و اختصاصاتها بأمر حكومي وفق قواعد  الحياد والاستقلالية والمسؤولية.

 

الفصل 5 :

تتولى المؤسسة المعنيّة وفق الفصل 2 أعلاه متابعة المسائل المتعلّقة بالمسؤوليّة المجتمعيّة و اقتراح المشاريع و متابعتها بالتنسيق مع اللجنة الجهويّة

يمكن للمؤسسة المعنيّة تنفيذ مشاريعها المتعلّقة بالمسؤوليّة المجتمعيّة بعد الأخذ برأي اللجنة الجهويّة.

تسهر المؤسسات على نشر التقارير المتعلّقة بالبرامج التي يتمّ تنفيذها للعموم و التعريف بها

 

الفصل 6 :

يحدث برئاسة الحكومة مرصد المسؤوليّة المجتمعيّة يتولى  :

تضبط تركيبة المرصد و تنظيمه و تسييره بأمر حكومي.  

 


[1] Commission Européenne, Responsabilité sociale des entreprises : une nouvelle stratégie de l’UE pour la période 2011-2014, Bruxelles, 25-10-2011.

[2]  خصوصا من خلال إعلان ريو لسنة 1992.

[3]  لمزيد الإطلاع على المشاكل البيئية في تونس : رمزي محمدي، التلوث البيئي في تونس: مأساة تنتظر الحلول، 18 مارس 2017، متوفر على الرابط : https://www.ida2at.com/environmental-pollution-in-tunisia-the-tragedy-awaiting-solutions /

[4]  هو مؤسسة عمومية تم إحداثها بموجب القانون عدد 22 لسنة 1972 المؤرخ في 10 مارس 1972، ويختصّ بإنتاج وتسويق الأسمدة الكيميائية.

[5]  تم تقديم مقترح القانون يوم 28 فيفري 2017 من قبل 28 نائبا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية