في حوار خصّ به ”المفكرة القانونية“.. راشد الغنوشي يتحدّث عن تصوّره للعدالة الانتقالية


2021-06-07    |   

في حوار خصّ به ”المفكرة القانونية“.. راشد الغنوشي يتحدّث عن تصوّره للعدالة الانتقالية

تبدو العدالة الانتقالية في تونس مقبلة على تطوّرات هامّة في المستقبل القريب، نظراً للاستحقاقات التي فرضها انتهاء عمل هيئة الحقيقة والكرامة، وبفعل زيادة حدّة الخلاف المجتمعي بشأنها. في إطار هذا السياق المتحرّك، رأت “المفكرة القانونية” ضرورة الاستماع إلى رئيس مجلس نوّاب الشعب راشد الغنوشي بصفته هذه ولكن أيضاً بوصفه زعيم حركة النهضة الذي ينتمي له الجانب الأكبر من ضحايا حقبة الديكتاتورية. فكان هذا الحوار الذي نقدّر أنّه هامّ فيما كُشف فيه من مواقف، بخاصّة ما يتعلّق منها بعمل الدوائر المتخصّصة للعدالة الانتقالية والمحاكمات التي تتم اليوم وفقها، علاوة على ما ذكر من تفاصيل لم تكن معلومة سابقاً عن مشروعه للمصالحة الشاملة. وقد دعا الغنوشي من خلال هذا التصوّر لإعادة التفكير في إحدى ركائز مسار العدالة الانتقالية في تونس لجهة محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان بالنظر إلى ضرورات إنجاز المصالحة لبناء المستقبل من دون المسّ بالحقيقة وحقوق الضحايا بجبر الضرر. كما يلحظ أن الغنوشي لم يضعْ صراحة “ضرورة إصلاح المؤسسات” منعا لتكرار الماضي ضمن ركائز تصوّره الجديد وإن أكّد تأييده لما تحقق بشأن تعزيز استقلالية القضاء.        

أمر آخر لا بد من الإشارة إليه: أن الحوار بقي على مستوى إعلان التصور بعمومياته، بحيث تجنّب الغنوشي الغوص في تفاصيله وكيفية تطبيقه على أرض الواقع أو ما يفترضه من آليات، مكتفيا بالقول أن عدداً من “المتخصصين في القانون والمهتمين في العدالة الانتقالية” يعملون على بلورته وأن ثمة ضرورة أن “نبني على القائم”. تبعاً لذلك، لم يكشفْ محدّثنا عن أيّ موقف تفصيلي من توصيات هيئة الحقيقة والكرامة أو مطالب منظمات المجتمع المدني أو حتى الآليات الواجبة لتمكين الضحايا من تعويضات مستحقة، بما يتماشى مع مالية الدولة.  

نضع هذا الحوار في متناول قرائنا وبخاصة المهتمين بالعدالة الانتقالية، فاتحين صفحاتنا لمناقشته. 

 

المفكرة: كيف تقيّم وأنت من المهتمّين بالعدالة الانتقالية والمعنيين بها مخرجات عمل هيئة الحقيقة والكرامة وتجربة العدالة الانتقالية التي مثلتها؟

راشد الغنوشي: في تقديري، مخرجات التجربة متواضعة وهذا أقلّ ما يمكن أن يقال فيها. فلا الضحايا تمّ إنصافهم ولا المنسوب لهم الانتهاك تمّت محاسبتهم. كل ما تحقّق في الواقع هو نوع من إعادة كتابة التاريخ من خلال الاستماع إلى الضحايا وإقرار حقّهم في التعويض بموجب مقرّرات جبر ضرر لم تنفّذ. هذا العمل وإن كان ناقصاً إلّا أنّه هامّ. اليوم الضحايا يرتحلون عن هذه الحياة حاملين حسراتهم وتاركين وراءهم أولاداً وأحفاداً محطّمين اجتماعياً. فمعظم أبناء المساجين حرموا من حق الدراسة في ظروف عادية تمكّنهم من النجاح وبعضهم يعيش، جرّاء ما تعرّض له من ضغط حتّى الآن، ظروفاً صعبة مادياً ومعنوياً. 

المفكرة: هل يعني هذا أنّ السرديّة التاريخيّة الجديدة القائمة على خطاب الضحايا يصلح أن نعتبرها الحقيقة؟ هناك من يرفض هذا الرأي ويرى أنّ الأمر لا يتعدّى صياغة جديدة لسردية من بعدٍ واحد كتبها -كما كان الأمر دوماً- المنتصرون، أي من كانوا ضحايا قبل ذلك وقد اعتبروا أنفسهم فيها جميعاً ديمقراطيين ووطنيين وهي صفات نزعوها عن غيرهم.

الغنوشي: صحيح هذه السردية كتبها الضحايا.. هذا مطعن صحيح ويضعف فعلاً العمل. لكن على كل حال، هناك فرق بين ما مضى من سرديات والسردية الجديدة. السردية الجديدة كتبت في عهد الحرية ويمكن الاعتراض عليها وهذا ما يميّزها. تقرير هيئة الحقيقة والكرامة كتبه ضحايا ينتمون لاتجاهات سياسية مختلفة وما كتبوا نصّاً يمكن أن يُناقش ويحقّ لأيّ كان أن يرفضه أو يبدي رأياً مخالفاً له. احترام الحقّ في الاختلاف وفي التعدّد لم يكن ممكناً قبلاً وقد تحقّق الآن وهذا جيّد. ربّما كان من المهمّ هنا أن نتبيّن أنّ عمل الهيئة تمّ في فترة حكم أحد رجالات النظام القديم أي الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي كان يعارض عملها. وهذا دليل على أنّه لم يكن خطاباً سلطوياً بقدر ما كان تعبيراً عن رأي الضحايا والحقيقة كما عاشوها.

المفكرة: ليس الباجي فقط من يُتّهم بمعارضة هيئة الحقيقة والكرامة ومسار العدالة الانتقالية الذي أنجزته. أنت أيضاً تُتّهم بكونك لم تكن متحمّساً لعملها وربما باتخاذ مواقف معارضة لها؟

الغنوشي: أنا لم أكن موافقاً على المنهج الذي اعتمد في إطار العدالة الانتقالية. كان تصوّري يقوم على أربعة أمور: أوّلاً، أنّه يجب الاكتفاء بالكشف عن الحقيقة حتى لا تتكرّر المآسي من خلال البحث عمّا حصل وكيف حصل ذلك؛ وثانياً، دعوة المنسوب لهم الانتهاكات الجسيمة للاعتذار؛ وثالثاً، حثّ  الضحايا على العفو؛ ورابعاً، أن تتولّى الدولة  إعادة الاعتبار للضحايا مادياً ومعنوياً لكونها مسؤولة عمّا لحقهم من ضرر. كما كنت ولا زلت أعتقد أنّ أسلوب العقاب الذي انتهج حتّى الآن لم يحقّق شيئاً سوى جرّ الضحايا من محكمة إلى أخرى. لم يستفدْ الضحايا من ذلك. والأخطر من كلّ هذا أنّ الدوائر المتخصّصة في العدالة الانتقالية لا تحترم قواعد المحاكمة العادلة لعدم قابلية أحكامها للاستئناف ولكون من يتّهمون أمامها حوكموا لأجل الفعلة نفسها أكثر من مرة.

كان المطلوب معالجة أفضل للملف تنتهي بتجاوز ما يطرح من استحقاقات. لن تستفيد الضحية بشيء من موت شرطي في السجن… العدالة الانتقالية بتونس انطلقت في ظلّ مناخ سياسي معيّن مساند لها. وقبل نهاية عهدتها، تغيّر المزاج العامّ فصارت خارج السياق وبدتْ كأنّها تحاول أن تحاكم الحاكمين. مثال على ذلك، أنّ الرئيس باجي قايد السبسي المنتخب ديمقراطياً أصبح متّهما فيها. وهو ما طرح  السؤال “من يحاكم من؟”. ولولا انسحابنا من السلطة في سنة 2013، لكنّا ربّما نحن من يُحاكم الآن. هذه المحاكمات زائدة وغير مجدية لأنها لم تكشف الحقيقة ولم تنصف الضحايا.

 

المفكرة: هل اعتراضك على التصوّر التونسي كما يسمّى للعدالة الانتقالية كان سببه المنهجية المعتمدة في صياغة تصوّرات مساراته وبالتالي هو اعتراض مبدئي أم أنّه اعتراض سياسي نتج عن استخلاص الدرس من أثر تغيُّر المزاج السياسي والانتخابي على الموقف العامّ من هذا الاستحقاق؟

الغنوشي: موقفي مبدئي وكان منذ البداية وأكّدَته تالياً الوقائع التي كشفت صحّته. لقد عبّرت عن موقفي هذا بوضوح من البداية. أذكّركم هنا أنّي ولمّا كان مسؤولو النظام السابق موقوفين، استقبلت أسرهم في منزلي. كما استقبلت بعد الإفراج عنهم عدداً منهم. أنا لا يعجبني التشفّي والانتقام. ولمّا فتحت منزلي لتلك اللقاءات التي كانت معلنة، بيّنت رفضي لكلّ أشكال التشفّي واجترار الأحقاد.

المفكرة: هل يعني هذا أنّك تعاطفت مع من ينسب لهم الانتهاك وشعرت بكونهم ضحايا للنظام الجديد الذي أنت جزء منه؟

الغنوشي: فيما يتعلّق بشعوري، أنا بكلّ بساطة شعرتُ أنّنا نتوارث الأحقاد وهذا لا ينفع المجتمعات. صحيح نحن ضحايا ولكن لا نريد أن نورث أحقاداً جديدة. في الحقيقة، أنا عارضت كثيراً من الإجراءات ومنها قانون المصادرة. كان من الممكن التعاطي مع قضايا الفساد الماليّ بأسلوب آخر، منه ترك الأموال لأصحابها وتحميلهم مسؤولية دفع تعويضات عمّا سبق من خطأ منهم. مصادرة شركات ومؤسسات كانت سابقاً تنتج وتشغّل لم تنتفع منه المجموعة الوطنية وتحوّل إلى ملف فساد كبير ودليل فشل في الإدارة. يكفي أن نعرف هنا أنّ مؤسّسة كـ”إسمنت قرطاج” كانت قيمتها السوقية يوم صودرت ملياراً ومائتي مليون دينار. وقد أصبحت اليوم جزءاً من القطاع المفلس وعاجزة عن توفير أجور أعوانها وقيمتها لا تتعدّى مائتي مليون دينار. لو أبقيت تلك المؤسسة وغيرها لدى أصحابها وفُرضت على هؤلاء شروطٌ وإجراءات تحقّق جبر ما تسبّبوا فيه من ضرر كانت الجدوى ستكون أكبر.

المفكرة: ما تقييمك للتعاطي الرسمي مع حقوق الضحايا؟ وهل لديك تصوّرات لحلول ممكنة لهذا الملف الذي يبدو أنّ المالية العمومية كانت أحد أسباب تعثّر مساره زيادة طبعاً عن غياب الإرادة والتصوّر؟

الغنوشي: هناك حالياً أزمة أخلاقيّة تجاه المناضلين الذي أمضوا شبابهم في السجون والمطاردة والملاحقة والمنافي وعانوا الإقصاء الاجتماعي وغيرها من المظالم. بعد انكسار الطغيان، لم يَعترف قطاع من النخبة التونسية بحقوق هؤلاء من منطلق إيدولوجي وحساسيات سياسية. لقد أنكر هؤلاء، وكانوا مؤثّرين، حقوقهم وحقّروا دورهم في تحقيق الثورة والانتصار لها. لا بدّ من حلّ لهذه المظلمة المستمرّة، يكون منطلقه الاعتراف بحقوق الضحايا معنوياً أساساً ومادياً حسب الممكن. يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: “إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”. من لا نقدر على تعويضه مالياً، نكرّمه بخطوات فيها ردّ اعتبار له واعتراف بتضحياته. ربّما تكون تلك الأمور الرمزية مهمّة جدّاً لهم ولأسرهم. لا بدّ أن نقبل بتونس متعددة ولا ننكر إسهام أيّ طرف في بنائها. القطيعة فكرة خطرة تجعلنا  كما لو كنّا في جهنم: “كلّما دخلت أمّة لعنت أختها”. لا يجب أن يسود هذا المنطق في كتابة تاريخ وطننا. من واجبنا أن نسجّل لدولة الاستقلال ورجالاتها إنجازاتهم وأن نعترف للمناضلين ضدّ الاستبداد بفضلهم وبحقوقهم. فلولاهم، لاستمرّت المحاكمات السياسية الجائرة التي لا تخلو منها فيما مضى أي سنة من السنوات.

المفكرة: بمناسبة حديثك عن المحاكمات السياسية ما تقييمك  للقضاء؟ وما ردّك على الاتّهام الذي يوجّه لحزبك أي حركة النهضة بالتدخّل فيه وبجرّه لإعادة استيلاد المحاكمات السياسية؟

الغنوشي: قبل الثورة، كان دور القضاء يقتصر على التصديق على عمليات التصفية السياسية. وفي سجوننا ومنافينا، لم نكن نرى عدالة القضاء إلّا في أمثلة قليلة أهمّها القاضي المرحوم مختار اليحياوي. بعد الثورة وعلاوة على الإصلاحات المؤسّساتية الهامّة التي عرفها القضاء، يجب أن ننتبه إلى أنّ ضعف الحكومات منع ما كان يمكن أن يكون من إعادة إنتاج سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء. وبذلك، إن كان من فضل لعدم الاستقرار السياسي، فهو أنّه قاد إلى تعزيز استقلالية القضاء. ونحن مع هذه الاستقلالية ونرفض أي مسّ بها. وما يتمّ الحديث عنه من اتّهامات ليس إلّا من قبيل المناكفات السياسية التي يجب أن نتجاوزها. يجب أن نتصالح فيما بيننا ونقبل ببعضنا ولن يتحقق هذا إلّا بقراءة نقدية للمواقف والتاريخ.

المفكرة: هل تقبل أن تشمل مثل تلك القراءة تاريخ حركتكم؟ فالبعض يتّهمكم كما يتّهم غيركم من معارضي النظام السابق بالتلبّس بدور الضحية والتغطية عمّا قد يكون لكم من دور في العنف السياسي؟

الغنوشي: نحن مع قراءة موضوعية ومنصفة للتاريخ تكون مؤسّسة وتقطع مع الثنائيات السائدة والتي تقسم المجتمع إلى وطنيين وخونة وديمقراطيين وإخوانجية.

المفكرة: أنتم تقدّرون وكما جاء فيما سبق من قولكم إنّ تجربة العدالة الانتقالية لم تحقّق المطلوب منها بشكل مرضٍ. هل ما يتمّ الحديث عنه من مشروع بديل يقال إنّكم ستطرحونه كمبادرة ويسمّى المصالحة الشاملة سيكون كفيلاً بتجاوز ذلك. وما هي خصائص هذا المشروع؟ وهل سيكون في حال اعتماده بداية جديدة تقطع مع ما مضى؟

الغنوشي: لا أحبّذ فكرة القطيعة. يجب أن نبني دائماً على القائم. فنصحّح ما كان فيه من خطأ ونتجاوز ما كان به من نقيصة ونبني على ما يمثل من إيجابيات. ففي العمل على العدالة الانتقالية كثيرٌ من الإيجابيات والمكاسب التي يجب أن نحافظ عليها وندافع عنها، ومنها ما تمّ الكشف عنه من حقائق وما تمّ إقراره من حقوق للضحايا في موازاة ذلك. إلّا أنّنا نرى بالمقابل أنّ ما كشف عنه من حقائق يبقى محدوداً ونحن بحاجةٍ لمصالحة تضمن طيّ صفحة الماضي. وعليه، المطلوب اليوم المصالحة الشاملة والتي تقوم في نظري على ثلاث ركائز هي: أوّلاً كشف الحقيقة وثانياً إنصاف الضحايا وثالثاً العفو. حالياً، هناك مختصّين في القانون ومهتمّين بملف العدالة الانتقالية يعملون على بلورة هذه الأفكار ويتدارسونها. وسنتقدّم به كمبادرة متى تمّت صياغتها وحصل توافق حولها. ومن المهمّ أن أؤكّد على أنّه لن تكون في هذه المبادرة وكما أسلفت قطيعة مع ما سبق. لكن سيكون فيها حتماً إصلاح وتطوير وتكامل بين المشاريع، بما يخدم هذه القضية العادلة وينهي ما كان من سير في طريق لا يخلّف إلا الضغائن.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، تونس ، عدالة انتقالية ، عدالة انتقالية ، قضاء ، مقالات