عناصر الجمارك ارتكبوا جناية الاحتجاز التعسفي بحق فريق الجديد، والقضاء المختص هو القضاء العدلي، وليس القضاء العسكري


2013-12-03    |   

عناصر الجمارك ارتكبوا جناية الاحتجاز التعسفي بحق فريق الجديد، والقضاء المختص هو القضاء العدلي، وليس القضاء العسكري

في الأيام القليلة الماضية انشغل الرأي العام بقضية اعتداء بعض عناصر الضابطة الجمركية على الإعلاميين في قناة "الجديد" من فريق عمل برنامج "تحت طائلة المسؤولية"[1]،وقد توالت وتتالت المواقف المستنكرة والشاجبة من جهة والمبرِّرة من جهة أخرى، فيما تولّى القضاء ممثلاً بالنيابة العامة لدى محكمة التمييز أعمال التحقيق في هذه الحادثة.

وبعيداً عن النقاش الدائر والمواقف المتواجهة حول هذه الحادثة وخصوصاً حول مسألة حماية الحريّات ومدى كفاية الضمانات الممنوحة للإعلاميين في هذا المجال، والتي لن نتطرّق إليها كونها قد أشبعت بحثاً وتحليلاً وتفصيلاً من قبل وسائل الإعلام وغيرها من الجهات ،على النحو الأكمل، فإنه حري بنا أن نسلّط الضوء على تفصيل لم يتم التركيز عليه كما يجب في هذه القضيّة، ألا وهي واقعة توقيف الإعلاميين المشار إليهم من قبل عناصر الضابطة الجمركية لعدة ساعات بعد ضربهم، وامتناع الضابطة المذكورة عن إطلاق سراحهم ومن ثم تسليمهم بعد ذلك للمباحث الجنائية عملاً بإشارة النائب العام التمييزي بالإنابة، لنسأل تبعاً لذلك ما هي طبيعة المهام الملقاة على عاتق الضابطة الجمركية؟ وهل تتمتع هذه الضابطة بصفة الضابطة العدلية؟ وضمن أية حدود؟ وما هو جزاء تجاوزها لتلك الحدود؟ ومن هي جهة القضاء الصالح لتوقيع هذا الجزاء؟ وهذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في مقالتنا الراهنة.
 
أ‌- في تعريف الضابطة الجمارك وتحديد المهام الملقاة على عاتقها:
بادئ ذي بدء لا بد من التنويه إلى أنه ليس من نص وحيد يرعى الضابطة الجمركية ويحدد المهام الملقاة على عاتقها إذ أن ذلك وارد في العديد من النصوص التي سنحاول عرضها فيما يلي.
فبمقتضى المادة الأولى من القانون المنفّذ بالمرسوم رقم 1802 تاريخ 27/2/1979 وتعديلاته الرامي إلى تنظيم الضابطة الجمركية، هذه الضابطة هي «قوة عامة مسلحة في ادارة الجمارك، تخضع بهذه الصفة لسلطة وزير المالية، وتحدد مهامها كما يلي:
1-مراقبة الحدود البرية والبحرية والجوية وسائر الأماكن الخاضعة للرقابة الجمركية، وذلك بقصد تنفيذ القوانين والأنظمة الجمركية ومختلف – الأحكام التي تتناول إدخال البضائع وتصديرها وإحرازها.
2-التحري عن التهريب والتحقق منه، وفقا لما هو منصوص عنه في قانون الجمارك والأنظمة الأخرى، وإقامة الحواجز وتحري الأشخاص .
3-  مساعدة السلك الإداري في الجمارك.
4-  مؤازرة القوى العامة المسلحة كافة، والإدارات الرسمية، وفقا للأصول والحالات المنصوص عنها في القوانين النافذة».

وقد جاء قانون الجمارك الصادر بالمرسوم رقم 4461 تاريخ 15/12/2000 وتعديلاته، أكثر تفصيلاً ودقة، إذ نصت المادة الأولى منه على أن:
«الجمارك هي إدارة عامة تتولّى:
1-استيفاء الرسوم الجمركية وسائر الرسوم والضرائب التي يناط بها أمر تحصيلها على البضائع المستوردة إلى لبنان، وذلك ضمن الأحكام التي يحددها هذا القانون أو أي قانون آخر أو الاتفاقيات التي يكون لبنان طرفاً فيها، ويكون الأمر كذلك فيما يتعلق برسوم الإخراج التي قد تفرض على بعض الصادرات.
2-  الحؤول دون إدخال البضائع إلى لبنان، أو تصديرها منه، بصورة مخالفة للقانون.
3-تمارس الجمارك عملها، وفقاً لأحكام هذا القانون، على المنطقة الجمركية التي تشمل الأراضي والأجواء اللبنانية والمياه الإقليمية والمنطقة المحاذية لها».

وبذلك يكون القانون قد حدد بدقّة الصلاحيات والمهام العائدة لإدارة الجمارك ومن ثم للضابطة الجمركية والتي يجوز لها ممارستها في المنطقة الجمركية المؤلفة من الأراضي والأجواء اللبنانية والمياه الإقليمية والمنطقة المحاذية لها. وهذه المهام تتعلّق على سبيل الحصر بمراقبة دخول وخروج البضائع والتحقّق من استيفاء الرسوم الجمركية وضبط الجرائم المتعلّقة بذلك ولا تتعلّق في مطلق الأحوال بضبط الجرائم العادية مهما كان نوعها الذي تعود للأجهزة الأمنية الأخرى صلاحية ضبطها ومراقبتها.
وعليه ننتقل إلى البحث في مدى تمتّع الضابطة الجمركية بصفة الضابطة العدلية.
 
ب‌-في مدى تمتّع الضابطة الجمركية بصفة الضابطة العدلية:
إن ما تجدر الملاحظة إليه أولاً، أن المادة 38 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد ،التي حددت أشخاص الضابطة العدلية لم تتطرق لا من قريب ولا من بعيد إلى أفراد الضابطة الجمركية، إذ أن الذكر الوحيد للجمارك في القانون المنوّه عنه، وارد في المادة 39 منه التي تحدّثت عن الموظفين المدنيين المختصين بالرقابة في الجمارك بحيث أناطت بهم أن يضبطوا، في حدود اختصاصهم ووفق الأنظمة المنوط بهم تطبيقها، المخالفات بحيث يثبتونها في محاضر منظّمة أصولاً ويودعونها القاضي المنفرد المختصّ، ما يعني أن قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أغفل التطرق للأفراد العسكريين في إدارة الجمارك ولم يأتِ إطلاقاً على ذكرهم.

بيد أن ذلك لا يعني تجريد هؤلاء من صفة الضابطة العدلية، إذ أنه يتبدّى من الاطلاع على نص المادة 103 من قانون تنظيم الضابطة الجمركية رقم 1802/79 على أن «يعتبر ضباط ورتباء الضابطة الجمركية باستثناء العرفاء، ضباطاً عدليين مساعدين للمدعي العام في نطاق اختصاصهم ضمن المناطق التي يقومون فيها بوظائفهم، وينفذون هذه المهمة وفقا للأصول المحددة بشأنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
كما أنهم يعتبرون ضباطاً عدليين عسكريين عندما يقومون، في نطاق اختصاصهم، بمهمات تتناول جرائم تخضع لقانون العقوبات العسكري».
وبذلك يكون النص الوارد أعلاه قد جعل من أفراد الضابطة الجمركية ضباطاً عدليين أسوة بسائر أفراد الضابطة العدلية الوارد ذكرهم في المادة 38 أصول جزائية، وفرض عليهم نفس الواجبات المتمثّلة بشكل أساسي بالعمل تحت إشراف النيابة العامة وفي حدود الاختصاص المنصوص عنه في قانون أصول المحاكمات الجزائية والقوانين الخاصة بالجمارك.
 
ج‌-في النتائج المترتبة على تمتع أفراد الضابطة الجمركية بصفة الضابطة العدلية والجزاء المفروض على مخالفتهم لموجباتهم المحددة قانوناً وتطبيق ذلك على وقائع قضية الإعلاميين في قناة "الجديد":
من الثابت وفقاً لأحكام المادتين 41 و47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه يتوجب على أفراد الضابطة العدلية عند قيامهم بمهامهم سواء في حالة الجريمة المشهودة او غير المشهودة، أن يطلعوا النيابة العامة على ما يقومون به من إجراءات وعلى مجريات التحقيق كافة ومن ثم الالتزام بالتعليمات التي تشير بها تلك النيابة، كما يحظر عليهم احتجاز أي شخص في نظاراتهم إلا بقرار من النيابة العامة ضمن مهل محددة وضمانات وحقوق يتمتع بها المحتجز حددها القانون على وجه دقيق وصريح.

وقد أكدت المادة 48 من نفس القانون على أنه: «إذا خالف الضابط العدلي الأصول المتعلّقة باحتجاز المدعى عليه أو المشتبه فيه فيتعرّض للملاحقة بجريمة حجز الحرية المنصوص والمعاقب عليها في المادة 367 من قانون العقوبات بالإضافة إلى العقوبة المسلكية سواء كانت الجريمة مشهودة أم غير مشهودة«.

وبالعودة إلى تفاصيل القضية موضوع مقالنا، نجد أن الضابطة الجمركية عند احتجازها للإعلاميين من قناة الجديد، لم تراجع أية نيابة عامة لا بل اتخذت قراراً من تلقاء نفسها بتوقيفهم واحتجازهم في نظارتها رغم أنهم لم يقترفوا أي فعل يدخل في صلاحية الضابطة المذكورة، ورغم أن وزير المالية كان قد راجعها مراراً وتكراراً، بحسب تصريحه، لإطلاق سراحهم وعلى مسؤوليته إلا أنها لم تركن لهذا الطلب، وقد استمر احتجاز هؤلاء لعدة ساعات، وتم بعد ذلك نقلهم مقيّدين في سيارات لمديرية الجمارك العامّة وتسليمهم إلى المباحث الجنائية بأمر من النيابة العامة التمييزية التي تدخلت فيما بعد في سبيل إنهاء هذا الوضع الشاذ.

ما يعني أن الضابطة الجمركية قد خالفت أصول احتجاز الإعلاميين المشار إليهم، ما يوجب دون شك ملاحقة أفرادها الذين اقترفوا هذا الفعل بجناية المادة 367 من قانون العقوبات وفق ما تفرضه المادة 48 أصول جزائية.

ومن الملاحظ في هذا المجال، هو إغفال هذه المادة عن جميع إجراءات التحقيق والملاحقة التي قامت بها النيابة العامة التمييزية.
وهذا ما يوجب علينا البحث في الإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق هؤلاء العناصر والجهة والقضاء الصالحين لذلك.
 
د‌-في الإجراءات الممكن اتخاذها بحق أفراد الضابطة الجمركية المتورطين في حجز حرية الإعلاميين دون وجه حق والقضاء الصالح لملاحقتهم وتوقيع الجزاء عليهم:
 في هذا الصدد لا غنى عن إيراد نص المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تفيد بأنه: «للنائب العام لدى محكمة التمييز أن يراقب موظفي الضابطة العدلية في نطاق الأعمال التي يقومون بها بوصفهم مساعدين للنيابة العامة، له أن يوجه إلى رؤسائهم ما يراه من ملاحظات في شأن أعمالهم الموصوفة آنفاً، وأن يطلب من النائب العام الاستئنافي او النائب العام المالي او مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أن يدعي بحق من يرتكب جرماً جزائياً منهم في اثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها دون أن يطلب إذناً بملاحقته. ويكون القضاء العدلي هو الصالح للنظر في هذا الجرم رغم كل نص مخالف».

ومن الثابت وفقاً للنص الوارد أعلاه، أن قيام أفراد الضابطة الجمركية باحتجاز الإعلاميين من قناة الجديد بشكل مخالف للأصول القانونية ودخول هذا الفعل في نطاق المادة 48 أصول جزائية، يجعل من الواجب إعمال النص الوارد أعلاه، وملاحقة أفراد هذه الضابطة المتورطين بطلب من النيابة العامة التمييزية، على أن يكون القضاء العدلي العادي هو الصالح للنظر في هذا الجرم لا القضاء العسكري رغم كل نص مخالف، عملاً بصراحة النص.

وقد لفتنا في الإجراءات المتخّذة في القضية موضوع مقالنا أن نتيجة التحقيقات لدى النيابة العامة التمييزية قد غيّبت أي ذكر للمادة 15 أعلاه، رغم أنه كان من شأن تلك المادة أن تحلّ مسألة الإذن المسبق لملاحقة هؤلاء الموظفين والتي تم الالتفاف عليها من خلال نص المادة 40 من المرسوم رقم 1460/71 [2]والمادتين 29 و31 أصول جزائية[3]، كما كان من شأنها أن تؤمن ضمانة أكبر للإعلاميين المعتدى عليهم بحيث تعرض قضيتهم أمام القضاء الطبيعي ما يرفع يد القضاء العسكري عن هذه القضية خلافاً للمادة 97 من المرسوم رقم 1802/79 المتعلّق بتنظيم الضابطة الجمركية[4]،التي استندت إليها النيابة العامة التمييزية. كما كان من شأن إعمال المادة 15 معطوفة على المادة 48 أصول جزائية أن توجب توقيف عناصر الضابطة الجمركية المعتدين بجناية المادة 367 عقوبات وفقاً لأحكام المادة 107 أصول جزائية.
ورغم ذلك وفي النهاية، لا بد لنا من القول إن الزمن لم يفُت بعد على إعمال نص المادة 15 من قانون آملين من هذا المقال أن يكون صرخة مدويّة تصل إلى آذان كل معني بهذا الملف.



[1]– الإعلاميون هم:رياض قبيسي،علي شريم،علي خليفة وأديب فرحات.
[2]– تنص المادة 40 من القانون المنفذ بالمرسوم رقم 1460 تاريخ 08/07/1971(اختصاص القضاء العدلي للنظر في الجرائم التي تقام من أو على رجال قوى الأمن):"تعديلا لكل نص مخالف:
أولا: يلاحق النائب العام الاستئنافي ام مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية كل فيما خص به مباشرة وبدون الاستحصال على اذن مسبق او لاحق جميع رجال قوى الامن الداخلي والامن العام والموظفين المدنيين لدى هذه القوى:
أ- من اجل جميع الجرائم غير الناشئة عن الوظيفة.
ب- من اجل جميع الجرائم المشهودة الناشئة عن الوظيفة او غير الناشئة عنها.
ثانيا: فيما يتعلق بالجرائم الاخرى التي هي من اختصاص القضاء العسكري يلاحق مفوض الحكومة جميع الاشخاص المذكورين اعلاه من اجل هذه الجرائم بعد استطلاع رأي المدير العام لقوى الامن الداخلي او المدير العام للامن العام, واذا لم يوافق احدهما فيما خصه على الملاحقة يعرض مفوض الحكومة الامر على النائب العام التمييزي للبت بتقرير امر الملاحقة اما عدمها".
[3]– تتحدث المادتين 29 و31 من قانون أصول المحاكمات الجزائية عن حالات الجريمة المشهودة.
[4]– تنص المادة 97 من قانون تنظيم الضابطة الجمركية:" تطبق على رجال الضابطة الجمركية احكام الكتاب الثالث منقانون القضاء العسكري، وتسري عليهم، بصدد المحاكماتالجزائية، الاحكام النافذة في قوى الامن الداخلي.
يمارس في هذا الشأن المدير العام للجمارك الصلاحياتالممنوحة لمدير عام قوى الامن الداخلي".
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية