صراع الشعبويات يتهدد الديمقراطية الفتية في تونس


2021-03-24    |   

صراع الشعبويات يتهدد الديمقراطية الفتية في تونس

لا ريب أن الشعبوية كمنهج سياسي يعبّر عن أزمة متواصلة في نسيج الديمقراطية التمثيلية، تنحاز بمفاهيمها في المشاركة الشعبيّة والمبادئ الحقوقية والتمثيل الشعبيّ ناحية التأسيس لمرجعية أخرى، بديلة قطعا، يتم فيها الحديث عن الشعب وباسمه دون وسيط مؤسساتي. فتتغلغل الشعبوية بذلك في مفاصل النظرية الديمقراطية وتستنطق بعض ثغراتها الداخليّة لتطرح مشروعها الخاصّ الذي “يُمكن أن يظهر كحركة ديمقراطية راديكاليّة” على رأي المُفكّر الألماني “يان فيرنر مولر” إلا أنها “تقف على النقيض من الديمقراطية ذاتها”[1] وباستخدام أدواتها كذلك. ولعلّ الظهور الأخير لأنصار ترامب في حادثة الكابيتول الشهيرة يوم الأربعاء الأسود 6 جانفي 2020، إضافة إلى بعض المشاهد الأخرى من السياق الديمقراطي التونسي، والتي تسارعت وتيرتها مؤخرا، يحمل عديد الرمزيّات التي تُسائل مدى قدرة النظام الديمقراطي على حماية نفسه وإيجاد الآليات الكفيلة بصموده، سواء في ظل منظومة مؤسساتية راسخة الأركان أو في أتون انتقال سياسيّ بالغ الهشاشة.

الظاهرة الشعبوية: الأسباب والمفاهيم

لعل تناول ظاهرة الشعبوية يستدعي ثلاثة مفاهيم رئيسية هي: الشعب، النخبة الفاسدة ومفهوم الإرادة الشعبية. فمن خلال تصورها لهذه “الأقانيم” الثلاثة، تسعى الشعبويّة إلى استدعاء نوع من الثنائية أو “المانوية الفكرية” manichéisme التي ترسّخ فكرة “التمثيليّة الشعبية” حسب فهم هذه التيارات طبعا بإزاء مفهوم النخبة المتورطة أو الفاسدة. في هذا الصدد، يطرح المؤرخ وعالم الإجتماع الفرنسي “غي هيرمي Guy “Hermet فكرة سعي الشعبوية الحثيث إلى زرع جملة من الأساطير السياسية في وجدان الجماهير بداية حتى تبلغ بها مرتبة “الحلم الشعبي” لتشرع على إثر ذلك في التنفيذ الآنيّ لبرامجها بإنتاج مفاهيم مناهضة للمنظومة الحاكمة وللنخبة كسبيل إثر ذلك لمعاداة التعددية. وفي هذا الخصوص، تستفيد التيارات الشعبوية من الاختناق السياسي والإجتماعي عموما مبشّرة بمشروعها المنقذ، لتصبح “سليلة” للأزمات السياسية والاقتصادية بامتياز، إذ دائما ما تتغذى من انعكاساتها السلبية. كما يعتمد الزعيم الشعبوي على الوعد الدائم بتغيير حادّ وفوري للنظام القائم ولكافة أجهزته المالية والنخبوية والإعلامية والقضائية.

قد تُصنّف بعض التوجهات السيادية ضمن الفكر اليساري في خانة التموقع الشعبوي مثل ما حدّدته تيارات معينة في التحليل السياسي لتوصيف بعض تجارب الزعماء السياسيين الذين ظهروا خلال العقدين الماضيين في أمريكا اللاتينية على غرار هوغو شافيز ومادورو في فنزويلا، إيفو موراليس في بوليفيا ورافاييل كوريا في الإكوادور (2007-2017). لكن الإتجاه الغالب في العلوم السياسية يميل إلى ربط الشعبويّة بتيارات أقصى اليمين، خصوصا الأوروبية منها، التي تبني مجمل خطابها على شيطنة المهاجرين واتّهامهم بالإرهاب. هذه الشعبويّة اليمينية خاصة تجد ضالتها في مفهوم “الصوابيّة السياسيّة” وما يثيره من قيود على الرأي العام معتبرة إيّاه بمثابة “سيف داموكليس” المسلّط على الجماهير الذي يمنعهم من إبداء آرائهم الصريحة حول الأقليات العرقية أو بعض المسائل الأخرى ذات الحساسية، فتنبري كمدافع عن تصورات محافظة حيال “الهوية الوطنية” ومواجهة النخبة المتحكّمة بمفاصل القرار. ما يجعل الشعبوية بشقّيها اليميني واليساري تلتقي في خط واحد على الأقل، هو مفهوم “الشعب ضد النخبة” كقضية داخل الأنظمة الديمقراطية التمثيلية حصرا، إذ لا نرى تواجدا للتيارات الشعبويّة في ظلّ الأنظمة الشموليّة.

كما يرى البعض أن مشروع رئيس الجمهورية التونسي المنتخب “قيس سعيد” الذي بشّر به منذ سنة2011 واستغلّه إبّان حملته الانتخابية الرئاسيّة، يحمل كثيرا من صفات الشعبوية كذلك، لمناقشته مبادئ الديمقراطية التمثيلية وتركيزه على تراجع ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية والحياة البرلمانيّة عموما أو حتى الأجسام التمثيليّة، فيؤكد على فكرة أن البرلمان ساحة للمساومات والصفقات الحزبية. وغالبا ما تتوافق هذه الأفكار مع حالة من الاغتراب السياسي لدى شرائح شعبية واسعة، تتجسّد في ضعف نسبة الإقبال على الانتخاب أو المشاركة السياسيّة والتي يكون مردّها قناعة بوجود طبقة سياسيّة توزّع المصالح في ما بينها وتتبادل المنفعة مع المؤسسات الكبرى والمنابر الإقتصاديّة والإعلاميّة المهيمنة التي تعمد إلى استدامة هذه المعادلة، فتستحيل هذه المشاركة السياسية بذلك إلى مشاركة وهمية في نظام سياسي أًعدّت قواعد اللعبة داخله على المقاس مسبقا. قد تقترب هذه النظرة من نقد المفكّر السياسي الألماني “كارل شميت” للنظرية الديمقراطية الليبرالية بتشويهها -في رسمه- التماهي بين الحكام والمحكومين وهو ما جعله يدعو لوجود شخصية حاسمة تأخذ القرار باسم الشعب وتتجسد قدرته في إعلان حالة الطوارئ كشكل يُسمح له فيه بتجاوز القانون. إلا أن بعضا من نظرية التمثيل الشعبي المباشر يتوافق أكثر مع آراء بعض المدارس الدستوريّة الحديثة التي شجعت على تبنّي اتجاهات ديمقراطيّة “راديكاليّة” تدعو إلى تبنّي تركيز قويّ للصلاحيات لدى السلطة التنفيذية كحلّ لمواجهة التفاوت الطبقي والنبذ الإجتماعي. وهو ما سمي لدى بعض الدستوريين الإسبان بتيار ال””nuevo constitucionnalismo”. فعملية التمثيل المطروحة في برنامج سعيّد هي “انزياح” بالتمثيلية في النظام الليبرالي في اتجاه علاقة مباشرة بين القائد والشعب، دون مؤسّسات لمراقبة السلطة أو ضبطها، أي عملية تمثيل “لكنها تمثيل للشعب بطريقتها في بناء ذات جمعية وعلى نحو يشوّه الديمقراطية الوحيدة الممكنة في عصرنا وهي الديمقراطية الليبرالية”[2] على حد تعبير “ناديا أوربيناتي” المختصّة في دراسة الحركات الشعبويّة.

الشعبويّة في سياق انتقالي

من المسلّم به ضمن صفات الأحزاب الشعبويّة عموما أنها لا تمثل قوى رفض أو أحزاب احتجاج بل تدّعي مرارا بأنها الممثّلة الحقيقية للشعب والناطقة دائما باسمه، أي أنها مشروع “جاهز للحكم” يهدف إلى تغيير النظام الديمقراطي من الداخل وبالوسائل الدستورية[3]. وقد يساعد سياق الانتقال الديمقراطي الذي تمرّ فيه الدولة والمجتمع بمراحل من الإضطرابات إلى نمو هذه التيارات، مستفيدة من مزاج عامّ يميل إلى الإستقرار. ولعلّ المثال المجري يسعفنا ببعض الدروس حيال ذلك، حيث تزعّم التيار الشعبوي المتمثل في حزب “الإتحاد المدني المجري “وهو سليل حركة تحررية شبابية مناهضة للفكر الشيوعي، الحكومة المنبثقة عن نتائج انتخابات سنة 2010 بعد أزمة اقتصاديّة حادّة سنتي 2005 و2006 تضاعفت عقب الأزمة الإقتصاديّة العالميّة لسنة 2008. وكان بروز الحركة الشعبوية ثمرة لمراحل انتقاليّة طغت على ردهاتها حسابات نخبوية في إدارة الصراع السياسي متجسدة في سلسلة من “الحوارات الوطنية” الشكليّة والتوافقات التي لم تلتفتْ إلى عمق المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة المطروحة حينذاك.

قد يهدّد المدّ الشعبوي تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس كذلك لظروف مشابهة، خصوصا وأن سبر الآراء الأخير يعطي أفضلية لهذه التيارات في البارومتر السياسي 53 % لقيس سعيد و7.1% بالمائة لعبير موسي في الرئاسيّة، و43.7% للدستوري الحر و 4،3% لائتلاف الكرامة في التشريعية حسب سبر آراء شهر مارس لشركة سيغما كونساي. لكن لا يمكننا أن نعزوَ انتشار الفكر الشعبويّ إلى خصوصيّة الظرف الإنتقاليّ فقط، بل إلى أزمة عميقة تمرّ بها الديمقراطية التمثيلية عموما يؤسّس لها انتشار مجتمع الاستهلاك واستحضار أشكال إجتماعيّة قبلية، تسبق فكرة المؤسّسات المدنيّة والسياسيّة. يتّخذ هذا النقد شكل النكوص إلى انتماءات إقليميّة أو إثنية أو محليّة كما هو الشأن في المجتمعات الأوروبية حاليا (رابطة الشمال في إيطاليا على سبيل الذكر). لكن قد يتّجه في المثال التونسي نحو نقد المؤسسات أو الهياكل المدنيّة مثل البرلمان الذي يدعو مناصرو الرئيس قيس سعيّد إلى حلّه في كل تواصل جماهيريّ معه، أو نقد الاتّحاد العام التونسي للشغل وتحميله المسؤوليّة الأكبر في تردّي الوضع الاقتصادي وفق ما ذهب إليه ائتلاف الكرامة، الذي ذهب إلى حدّ إيداع مقترح قانون متعلّق بتعديل الفصل 136 من المجلّة الجزائيّة )مقترح قانون عدد 6 لسنة2021) ينصّ على تشديد العقوبات على “من يتسبّب في توقّف فردي أو جماعيّ عن العمل”، وذلك في إشارة إلى الإضرابات التي تنفّذها الأطراف النقابيّة. تقدّم التيارات الشعبويّة بهذا نقدا خاصّا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية بالتركيز على الأساس السياسي والمؤسساتي لها، والذي تحمّله المسؤولية الكبرى في تفاقم هذه المشاكل. وعلى علات هذا النقد الذي يخلو جلّه من سمات الموضوعية في التوصيف، إلا أنه يسائل مدى جديّة النظام السياسي في تفعيل منظومة الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، أي الجيل الثاني من حقوق الإنسان، والتي ظلت حبيسة نصوص الدستور والتشريع ولم تجد السبيل لإرسائها بشكل تام من خلال فقه قضاء متين، حتى في التجارب الديمقراطية الأكثر رسوخا. ليصبح استغلال الأزمة الإقتصادية وتآكل مقدرات الطبقة الوسطى الخطاب الرئيسي الذي سوّق للأحزاب الشعبويّة في أوروبا على إثر الأزمة المالية العالمية، أو لمشروع قلب تونس وزعيمه نبيل القروي الذي بنى دعايته السياسية على محاربة الفقر خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة.

المناكفات الشعبوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومقترحات القوانين: تعدد الأدوات ووحدة الغاية

اعتمدت التيارات الشعبويّة في تونس –كغيرها من التجارب- على وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا، متجاوزة وسائل الإعلام والاتّصال التقليدية التي اعتبرتها حكرا على النخبة القيادية. بل حتى أنها واجهت الإعلام التقليدي في أحيان كثيرة بالتركيز على ثغراته أو “تحيزاته” كطريقة لجلب اهتمام عديد الشرائح الاجتماعية التي لم تعدْ ترى في هذا الإعلام منبرا لنقل تطلعاتها أو آرائها. يُعتبر ائتلاف الكرامة الطرف السياسيّ الأكثر استغلالا للعلاقة المتواترة مع الصحفيين، منذ تسويق كتلته لمقترح قانون ينقح المرسوم 116 المنظم للقطاع السمعي البصري. تلتْ هذه الخطوة مع ما صاحبها من جدل مقاطعة نقابة الصحفيين التونسيين لتغطية أنشطة ائتلاف الكرامة واستضافة ممثلين عنه في وسائل الإعلام. الأمر الذي رد عليه بعض نواب الكتلة بمنع صحفيين من الدخول إلى قاعة الجلسات بمجلس نواب الشعب وتعطيل تغطية اجتماعات لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح التي يرأسها نائب عن الائتلاف. كما اعتمد الحزب الدستوري الحرّ وزعيمته عبير موسي نفس الاستراتيجية مؤخرا، بالتهجم الأخلاقي على الصحفي “سرحان الشيخاوي” داخل المجلس وتصريحاتها الخطيرة في اجتماع الحزب بصفاقس يوم ذكرى عيد الاستقلال حول بداية الفرز داخل الساحة الإعلامية. وهو ما أدى إلى تبني موقف إدانة مماثل من نقابة الصحفيين التونسيين مع مقاطعة للحزب الدستوري الحر في وسائل الإعلام. يعكس رهان الحركات الشعبوية على استفزاز الإعلام، أن توجهها العام منصب نحو وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء شبكيّ متحرّر من ضوابط الإعلام التقليدي والرقابة الحكوميّة. كما أنّ هذه الوسائل مواتية جدّا لنقل الخطاب الشعبوي بما هو خطاب مباشر من القيادة إلى الجمهور دون المرور بالمؤسسات الوسيطة، ليستحيل التنافس على هذه الأدوات صراعا بين التيارات الشعبويّة نفسها تؤثثه المناوشات التي اصطُلح عليها بال live والlive المضادّ ضمن شبكة الفايسبوك بين رئيس كتلة ائتلاف الكرامة “سيف الدين مخلوف” ورئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي.

لم تنحصرْ مثل هذه المواجهات على النطاق التواصلي فقط بل امتدّت إلى المجال التشريعيّ من خلال تقديم سيل من مقترحات القوانين الموجّهة لخدمة إيديولوجيا هذا الطرف أو ذاك. حيث يهدف مثلا مقترح القانون المتعلق بتنقيح القانون الأساسي بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، الذي قدّمته كتلة الحزب الدستوري الحرّ إلى إفراغ عمليّة العدالة الانتقالية من محتواها تماهيا مع رؤية الحزب المناهضة للعمليّة الديمقراطيّة برمتها. حيث يحتوي مقترح القانون على جملة من النقاط الجدليّة مثل إقرار مبدأ سقوط الدعوى بمرور الزمن ومنع إعادة فتح الملفات المحالة من هيئة الحقيقة والكرامة بعد انقضاء أجل عملها المحدّد قانونا. وفي الجانب الآخر قدّم ائتلاف الكرامة مقترحات قوانين تستهدف خصومه السياسيّين مثل مقترح القانون المنقّح للقانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، الذي احتوى على إضافة فقرة ثانية للفصل31 من القانون تنص على أنّه ” يعتبر مرتكبا لجريمة إرهابية و يعاقب بنفس العقوبات كل من يتعمد الإشادة والتمجيد بالاستبداد والديكتاتورية وإهانة وترذيل شهداء الثورة التونسية وجرحاها، كما يعتبر مرتكبا لجريمة إرهابية ويعاقب بنفس العقوبات كل من يمارس التحريض على الانقلاب أو التمرد على مؤسسات الدولة المنتخبة أو يدعو إلى إسقاطها بغير الطرق القانونية والدستورية”، وهو فصل موجّه أساسا للحزب الدستوري الحر وربما أيضاً لمشروع التنسيقيات الشعبيّة الذي يحمله الرئيس قيس سعيّد إضافة إلى مقترح القانون المتعلق بتجريم البغاء العلني عدد 48 لسنة 2020 عبر تعديل الفصل231 من المجلة الجزائية، ويمثّل خاصة تجاوبا مع الشرائح المحافظة التي صوّتت للائتلاف خلال الإنتخابات التشريعيّة الماضية.

في جانب آخر، تنبني الطروحات الشعبويّة على جانب ديماغوجيّ قويّ، يعتمد على التحريض ضدّ الآخر أو التعبئة ضدّ الخصوم السياسيّين، واعتصام أنصار الحزب الدستوري الحر أمام مقر فرع “الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين” خير دليل على ذلك، مع ما رافقه من مناوشات مع ممثلي بعض الأطراف السياسيّة الأخرى على غرار حركة النهضة وائتلاف الكرامة. كما تحاول الحركات الشعبويّة استيعاب ما يسمّى بالأغلبية الصامتة التي لا تجد تمثيلا واضحا لها ضمن المشهد السياسي أو الشرائح التي أصيبت بخيبة أمل من مشاركة الأطراف التي تمثل فكرها في الحكم )بعض مناصري حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والنهضة الذين صوتوا لائتلاف الكرامة في الانتخابات الأخيرة أو جزء من قاعدة نداء تونس قد توجه مؤخرا نحو الحزب الدستوري الحر(، لتمرّر طروحات راديكاليّة باستعمال عبارات مثل ” مواجهة أعداء الشعب” أو “منظومة ربيع الخراب”. وهي الخطابات التي قد تُستعمل للتجييش ضد النظام الديمقراطي أساسا وتعطيل عمل المؤسسات الرسميّة متجاوزة التلميح إلى فساد النخبة السياسيّة الحاكمة. وبالتالي تركّز الأطروحة الشعبويّة على مبدأ قداسة السيادة الوطنيّة التي تعاني من محاولات الاختراق وتقدّم تصورا خاصا عن “بيع البلاد” يتمّ التأكيد عليه مرارا في سياق التحريض على إقصاء الخصم السياسي. ويساهم استدعاء المرجعية الخارجية لبعض الأطراف السياسية أو المدنية كدليل على العمالة أو التبعية وتبرير لهذه النزعة “السيادوية”، مثل ما اقترفته عبير موسي من تهجّم على المساعدين البرلمانيين واعتبارهم ممثلين لمصالح أجنبية داخل المجلس. أو ربما يعود هذا الخطاب إلى التاريخ ليشكك في سرديّة الاستقلال الرسمية والسيادة الوطنية على الثروات الطبيعية، كما يرى ائتلاف الكرامة الذي ينعت خصومه من الحداثيين ب “الصبايحية” أي الموالين للمستعمر الفرنسي في انتهاك السيادة الوطنيّة ماضيا والساعين إلى استدامة هذا الإستعمار بأشكال أخرى حاضرا ومستقبلا. ولعل فكرة هذا الاستقلال المنقوص تشكل عنصر التقاء مع تصور قيس سعيد الذي يرى في تحقيق مشروعه للديمقراطية المباشرة شرطا ناجزا لاستكمال السيادة الوطنيّة “الشعبية”.

هل نموّ الشعبويات علامة على هشاشة النظام الديمقراطي؟

من مزايا الشعبويّة القليلة مساهمتها في إعادة طرح عدد من المفاهيم والمسلّمات التي أتت بها إكراهات المراحل السياسيّة السابقة إلى الواجهة والدفع إلى مناقشتها بشكل أكثر عمقا من قبل النخبة الفكريّة والسياسيّة. فالرواية التاريخيّة الرسميّة لمرحلة الاستقلال كانت مثلا صدى راجعا لما يتمثّله الطرف الغالب، الذي استعمل أدواته السياسية والأكاديمية لنسج تلك الرواية دون اعتبار لشركاء آخرين ساهموا بشكل فعال في تجربة التحرّر. ولربما كان استثمار الشعبويات في نقد ذلك أضحى حافزا لبناء صورة علمية جديدة لدى المختصّين تنقد السائد والمتعارف عليه. ونفس الأمر ينسحب على النظام السياسي الذي أظهر العديد من الثغرات ومواقع الوهن في تطبيق مقتضيات الدستور أو في العلاقة بين المؤسسات أو من خلال قصوره على استيعاب الطموحات التي علقتها عليه مختلف التوجهات السياسية والإجتماعيّة. قد تدفع الشعبويّة إلى نقد السيرورة الحاليّة وهذا المرجوّ، ولكنها قد تصبح مع تواصل ضعف مؤسسات الدولة وترذيلها المتواصل من قبل هذه التيارات أحد أسباب انهيار الدولة خصوصا وأنها لا تقدّم بديلا عمليّا واضحا في برامجها إذا ما بلغت سدّة الحكم.

  1. يان فان مورلر، ما الشعبويّة؟ ترجمة رشيد بوطيب، منتدى العلاقات العربية والدولية 2017.
  2. ناديا أوربيناتي،”أنا الشعب”: كيف حولت الشعبويّة مسار الديمقراطيّة؟،ترجمة عماد شيحة،دار الساقي 2019.
  3. عزمي بشارة، الشعبويّة والأزمة الدائمة للديمقراطية، مجلّة سياسات عربية، عدد سبتمبر/ أيلول 2019.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، إعلام ، البرلمان ، تونس ، دستور وانتخابات ، سياسات عامة ، مؤسسات إعلامية



لتعليقاتكم