رلى يعقوب، قضيتان في قضية واحدة: جبه العنف الأسري وأحقية المساءلة الاعلامية للقضاء


2014-02-10    |   

رلى يعقوب، قضيتان في قضية واحدة: جبه العنف الأسري وأحقية المساءلة الاعلامية للقضاء

بتاريخ 25/1/2014، أصدر قاضي التحقيق في لبنان الشمالي قراره الظني بمنع محاكمة المدعى عليه كرم البازي لجهة ما أسند اليه بخصوص التسبب في موت زوجته لعدم كفاية الدليل وإطلاق سراحه فورا. وكان هذا القرار كافيا لإعادة هذه القضية الى واجهة الخطاب العام وفق ما عكسه عدد من الوسائل الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي. واللافت هذه المرة انخراط المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى بشكل غير مسبوق في هذا التخاطب، وذلك في بيانين متتاليين، في اتجاه الدفاع غير المشروط عن القضاة الذين شاركوا في هذه القضية وتحذير الاعلام من مغبة التعرض لهم. وفيما دعا في بيانه الأول الاعلام الى نشر القرار الظني، فانه عمد في ختام بيانه الثاني الى نشر هذا القرار بنفسه بعدما سجل تقاعس الاعلام عن القيام بذلك. ومن هذه الزاوية، بات لهذه القضية رمزية ثانية على صعيد المساءلة الإعلامية للقضاء، تضاف الى رمزيتها الأولى المتمثلة بقضية العنف الأسري.

وهذه القضية بما تخللها من تحقيقات وتجاذبات تستدعي ملاحظات في مواضع ثلاثة مختلفة:

1- نقابات الأطباء تثبت الخلل الهائل الحاصل في أعمال الأطباء الشرعيين والذي من شأنه حجب الحقيقة:  
يوم وفاة رلى يعقوب، كلفت النيابة العامة طبيبين شرعيين "للكشف على الجثة وذلك في ضوء المعلومات التي توفرت عن قيام بعض الأشخاص بترداد أحاديث بخصوص قيام المدعى عليه (الزوج) بضرب زوجته على رأسها والتسبب بوفاتها وفقا لما يتناقله أقارب المرحومة" (العبارة واردة حرفيا في القرار الظني) وقد خلصت هذه اللجنة الى أن الوفاة ناجمة عن تمزق وعائي دموي في أم الدم anevrismeنتيجة تشوه خلقي، وأن الوفاة مرضية وطبيعية. وقد سارع الطبيبان الى هذه النتيجة رغم تثبتهما من الكدمات والشحوج الرضية التي تمت مشاهدتها على يد المتوفاة وساعدها وزندها والكتف من اليمين وتحت الابط، بعدما صرحا أن هذه الآثار قديمة العهد منذ أكثر من 48 ساعة وأنها لا تؤدي الى الوفاة. وتبعا لتشكيك أهل المتوفاة بهذه النتيجة حسبما جاء في القرار الظني، تم تكليف طبيبين شرعيين آخرين لتشريح فروة الرأس، وقد خلصا في النهاية الى ما وصل اليه زميلاهما في السابق. وقد تثبتا بدورهما من الكدمات والسحجات على جسد المتوفاة.

وتبعا للتشكيك الإعلامي بصدقية هذه النتائج ومطالبات ذوي المتوفاة بالتوسع بالتحقيق، لجأ القاضي الى الاستعانة بلجان التحقق في نقابتي الأطباء في بيروت وطرابلس للحصول على رأي متخصص بهذا الشأن. وقد انتهى القاضي الى اتخاذ قرار مماثل ولو مع بعض التأخير، مما سمح بتصويب مسار التحقيقات الى حد ما. ومن أبرز ما توصلت اليه هاتان اللجنتان، الأمور الآتية:

أولا، أنها أثبتت الخلل الهائل الحاصل في أعمال الأطباء الشرعيين الأربعة على نحو أظهر عدم جواز الركون الى أي من النتائج التي توصلوا اليها لجهة تحديد أسباب الوفاة. فقد عابت اللجنتان على الأطباء الشرعيين ليس فقط الخلاصات التي وصلوا اليها انما أيضا تقاعسهما في اجراء الصور وتشريح الأعضاء على نحو أدى الى تضييع الاثباتات العلمية. فقد سجلت لجنة بيروت "أن التشريح لم يتضمن سوى سلخ فروة الرأس دون أن يتناول التشريح الدماغ والرقبة، وحيث أن تشريح الدماغ والرقبة ضروريان لمقاربة الموضوع بصورة علمية ومحاولة تحديد سبب النزيف الدماغي بصورة أدق"، (لجنة التحقيقات المهنية في نقابة بيروت، محضر اجتماعات في 20/8/2013). كما أشارت لجنة طرابلس أنه كان يقتضي "اجراء تشريح كامل للجثة في حينه ولكن لا نعلم ما هي المعطيات والظروف التي كانت سائدة في مكان وجود الجثة ولماذا لم يتم نقل الجثة الى مدينة أخرى لاجراء ما يقتضيه العلم"، لتردف بشكل أكثر وضوحا، أن الإجراءات المتخذة من الأطباء الشرعيين "لم ترق الى المستوى العلمي والمرتجى". وقد اتفقت اللجنتان على أن الصور لا تثبت قط ما خلص اليه الأطباء الشرعيون لجهة حصول انفجار أم الدم anevrisme، وهي الخلاصة التي بنى عليه الأطباء الشرعيون قولهم بحصول الوفاة مرضيا. 

وفي الاتجاه نفسه، تجدر الإشارة الى أن الأطباء الشرعيين قد رفضوا التعاون مع لجنة التحقيقات المهنية في بيروت، وتاليا مع العدالة، من دون عذر. وكانت اللجنة قد دعتهم لجلسة استيضاح فتمنعوا عن الحضور حسبما جاء في محضرها.

أما الأمر الثاني الذي أثبتته اللجنتان النقابيتان فهو الضرر الهائل الناتج عن هذا الخلل، بحيث أنه بات بفعله من الصعب، ان لم يكن من المستحيل الجزم بسبب الوفاةبعد التحلل الذاتي للأنسجة بعد مرور أكثر من شهرين من الوفاة. وهذا ما نقرؤه بوضوح في تقرير لجنة الأطباء في طرابلس حيث جاء حرفيا أن "التشريح في الوقت الحالي لن يسفر عن أي نتيجة حيث لا يمكن تأكيد أو نفي وجودanevrisme  بسبب التحلل الذاتي للأنسجة بعد مرور أكثر من شهرين على الوفاة".

ثالثا، ورغم الخلل المذكور، من المهم الإشارة الى أن تقرير لجنة بيروت قد انتهى الى ترجيح أن تكون الوفاة حصلت بنتيجة العنف، بعدما بينت أن "النزيف الدماغي بمعظمه هو في الجزء السفلي من الدماغ fosse posterieureوهذا ما يناقض مبدئيا النزيف الناتج عن انفجار ام الدم anevrisme  والذي يتأتى عادة من الجزء العلوي من الدماغ" والذي لم تجد اللجنة "أي دليل على وجود(ه)" لتردف "من المعروف علميا أن السبب الأول للنزف السحاتي كما هو في هذه الحالة (أي الحاصل في الجزء السفلي) مرتبط بحصول رضوض وكدمات trauma" (المحضر). وهكذا، فيما انتهى الأطباء الشرعيون الى التأكيد على حصول النزيف عن انفجار ام الدم لعيب خلقي، سجل الأطباء المتخصصون في بيروت أن النزيف الحاصل في غالبيته في الجزء السفلي يحصل عادة بسبب العنف.

وعليه، تكون هذه القضية قد شكلت من هذه الزاوية فرصة هامة لإظهار مدى الخلل الحاصل في أعمال الطب الشرعي في لبنان، وتاليا درسا بليغا للجميع وخصوصا لوزارة العدل، مفاده وجوب العمل على اصلاح عمل أداء الأطباء الشرعيين من دون تأخير. وهذا أمر يتأكد في قضايا عدة حظيت بتغطية إعلامية وباتت معروفة من العامة وباتت كلها شواهد على سوء الطب الشرعي في لبنان. فسواء كان البازي بريئا أو مذنبا، ثمة فريق تضرر كثيرا بسبب سوء أداء الأطباء الشرعيين. فبفعل سوء أدائهم، استغرق عمل لجان النقابة أشهرا طوالا بقي خلالها البازي أشهرا في الحبس هي ظلم اذا كان بريئا وضاع حق ذوي المتوفاة والمجتمع في معرفة الحقيقة ومعها حق هؤلاء في المعاقبة والمحاسبة في حال كان مذنبا. وبالطبع، من شأن أي تأخير في اصلاح الطب الشرعي في لبنان أن يفتح الباب أمام مظالم إضافية كثيرة.  
 
2- ملاحظات بشأن منهجية القاضي في البحث عن أدلة وفي تقديرها
من يقرأ القرار، يرى أنه بني على مجموعتين من الأدلة:  
المجموعة الأولى من الأدلة، التقارير الطبية وخصيصا التقارير الصادرة عن الأطباء الشرعيين والتي تعرضنا اليها أعلاه. وفي هذا المجال، نلحظ أولا أن القرار استعاد ما وصل اليه تقريرا الأطباء الشرعيين فذكر أن النزيف حصل عن انفجار ام الدم anevrisme . كما نلحظ أنه لم يذكر من تقارير نقابتي الأطباء الا جانبا واحدا وهو الجانب الآيل الى اثبات خلو جسد المتوفاة من الكسور. وهو بذلك تجاهل كل الملاحظات التي أبدتها النقابتان والتي أدت الى نسف تقارير الأطباء الشرعيين وأيضا ملاحظاتهما بشأن استحالة الجزم بأسباب الوفاة علميا في ظل تحلل الأنسجة بعد شهرين من الوفاة. كما أن القرار تجاهل تماما تقرير نقابة بيروت التي رجحت ضمنا حصول الوفاة نتيجة العنف TRAUMA. وما يجعل تغييب هذه الأمور أكثر قابلية للنقد هو أن السبب الرئيسي في عجز الأطباء عن كشف الحقيقة هو بطء الإجراءات في قبول طلب ذوي المتوفاة في إعادة تشريح الجثة وتطبيق القرارات القضائية في هذا المجال، بحيث أن اللجوء الى النقابتين حصل بعد حوالي عشرين يوما من الحادثة، من دون أن يتضمن القرار معلومات واضحة بشأن تواريخ إحالة الملف الى النقابتين لإجراء التحقيقات، وهي معلومات نجدها في ملف القضية والذي يبقى خاضعا للسرية.

أما المجموعة الثانية التي بني عليها القرار الظني، فهي إفادات ابنتي المتوفاة والتي نقضت ما كان تم تداوله في الحي السكني لآل يعقوب غداة الحادثة لجهة أن احدى بنات المتوفاة استغاثت بالجيران ضد والدها الذي كان يضرب هذه الأخيرة بالعصا ولا نعلم فيما إذا كانت وردت أي إشارة الى معلومات من هذا القبيل في أي فترة من فترات التحقيق الأولي، نظرا لسرية وثائق التحقيق. فقد ورد في القرار الظني نقلا عن الطفلتين "أن والدهما لم يتعرض لوالدتهما بالضرب يوم الأحد (بل قام بذلك قبل حوالي ثلاثة أيام) وأنه يوم الأحد الواقع في 7-7-2013 .. أغمي عليها ووقعت أرضا .. عندها طلب (الوالد) من غلادس (احدى الفتاتين) مناداة الجيران…". وبشكل أكثر تفصيلي، نقلت عنهما الإفادة الآتية: "في 7-7-2013 (أي يوم الوفاة)، حصل شجار بينهما (أي بين الطفلتين…) وبين والدتهما (المتوفاة )…التي أقدمت في اثر ذلك على ضربهما بواسطة عصا شفاطة التنظيف، عندها تدخل والدهما .. وبدأ بالصراخ على الجميع لإنهاء الشجار وتناول العصا وكسرها وانتهى الشجار عندها"… كما جاء في القرار الظني أن الكشف الذي قام به الطبيبان الشرعيان (هما نفسهما اللذان كشفا على الأم) على الطفلتين أظهر "كدمات رضية على الساعد والزند والكتف من اليسار وان عمر هذه الكدمات لا يتعدى 24 ساعة".

وبالطبع، إذا صدقت رواية الطفلتين، يكون الأب الذي كان يمارس العنف الجسدي بشكل شبه منتظم على زوجته بفعل الكدمات التي تمت معاينتها على جسدها، قد فعل ذلك للمرة الأخيرة قبل ثلاثة أيام من وفاة المتوفاة (وبذلك تلتقي افادة الطفلتين مع تقرير الأطباء الشرعيين الذي ذهب الى هذه النتيجة). أما في يوم وفاتها، فانه تحول الى واعظ يمنع زوجته من استعمال العنف ضد بناته وهو يصرخ ويكسر العصا التي تستعملها لكن من دون أن تلمسها يداه. فعنفه في ذلك اليوم لم يتجاوز العنف الكلامي، وتركز على العصا وليس على البشر. بالمقابل، وحدها المتوفاة هي التي استخدمت العنف الجسدي في ذلك النهار فضربت بناتها بعصا شفاطة التنظيف (هي نفسها العصا التي عاد الوالد وكسرها) فتسببت لهن بكدمات رضية على أنحاء مختلفة من جسميهما (وهي كدمات مشابهة لما وجد على جسدها). وبالطبع، وحتى ولو كانت هذه الرواية صحيحة، فإنها تشكل بمفهوم السينما CONTRASTطالما انها تؤدي الى قلب الأدوار المنتظرة بشكل مفاجئ فتتحول ضحية العنف الى انسانة شديدة العنف، فتضرب بناتها بما توفر لها من عصي من دون رحمة. ورغم هذا الCONTRAST، يسجل أن القرار الظني استند الى الافادتين من دون أي تحفظ ومن دون أن يتضمن أي إشارة أو معلومةمن شأنها أن تبين قيام القاضي بأي اجراء للتحقق من صدقيتهما وفيما اذا كانتا حصلتا من دون أي ضغط أو ابتزاز عاطفي، علما أن الشاهدتين هنا طفلتان تعيشان في كنف ذوي والدهما. كما لا يبين القرار الظني فيما إذا كان قد تم الاستماع اليهما بحضور مندوبة اجتماعية في المخفر أو أمام القاضي أم لا.  

وتاليا، من يقرأ القرار، يلحظ خلوه من أي افادة أو حجة وبشكل أعم من أي دليل ناف للبراءة، رغم توفر أدلة كثيرة في هذا الاتجاه. وقد بدا بذلك وكأنه يأخذ من الملف كل ما من شأنه اثبات البراءة، مهما ضعفت مصداقيته، ويتجاهل كل ما عدا ذلك مهما كان علميا وموضوعيا.فلا يصار قط (أقله في القرار) الى الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة، ويُوجّه قارئ القرار الى الموافقة على النتيجة التي خلص اليها من دون تمكينه من تكوين قناعة موضوعية مستقلة.

وبالطبع، هذا النهج يصبح أكثر قابلية للانتقاد، في سياق عمل قاضي التحقيق الذي يفترض به أن يكون قاضي ظن وليس قاضي يقين. فقاضي الظن يبني قراره على أرجحية الأدلة حتى ولو لم تكن كافية للإدانة وبعبارة أخرى معروفة في قصور العدل في لبنان "مع توسيع ذمته"، بحيث يكون للفرقاء في الدعوى وللنيابة العامة المجال الكافي لاستكمال الأدلة أمام المحكمة في ظل العلانية وبإشراف الاعلام في قضايا الرأي العام كما هي الحال في هذه القضية. أما أن يقرر منع المحاكمة ل"عدم كفاية الدليل" (العبارة واردة في القرار) من دون أي موازنة بين الأدلة المتوفرة، فذلك يشكل استعجالا في انهاء الدعوى قبلما تبدأ. 
 
3- المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى: اعلام مُوجّه ضد الاعلام
حظيت هذه القضية باهتمام خاص لدى مجلس القضاء الأعلى الذي أصدر من خلال مكتبه الإعلامي في غضون أسبوع واحد (في 27 و31 كانون الثاني) بيانين للدفاع عن القضاة المعنيين في هذه القضية في مواجهة الاعلام. وقد عكس بيانا مجلس القضاء الأعلى أمرين خطيرين:
الأول، تبرم من المساءلة الإعلامية للقضاة وللعمل القضائي. فبعدما أهاب المجلس بوسائل الإعلام توسل المهنية والدقة في مقاربة العمل القضائي وعدم السماح بالتعرض جزافا لكرامة القضاة -الذين له ثقة تامة بمناقبيتهم والذين لا يجوز افتراض تعرضهم لضغوط أو أن ثمة خلفيات وراء النتائج- والقضاء، بدا في بيانه الثاني وكأنه فقد صبره إزاء استمرار الاعلام في انتقاد القرار الظني. فاعتمد لهجة أكثر حزما، رافضا أن يتم تناول القرار "خارج أطر المراجعة المكرسة قانونا في وقت لا يزال فيه القرار خاضعا لطرق المراجعة"، وأن يتم استعمال الاعلام "وسيلة ضغط للتشويش على حسن سير العمل القضائي". وعاد وكرر ان ما قام به القضاة الثلاثة الذين تعاقبوا على متابعة قضية رلى يعقوب في مرحلتيها الأولية والاستنطاقية، "هو نتاج اقتناع خلصوا إليه وفق قراءتهم أوراق الملف، من دون أن يؤثر فيهم أي معطى آخر"، نافيا بذلك حصول أي تدخل في أعمالهم. وبذلك بدا وكأنه تدرج في خطابه من انتقاد عمل الاعلام في بيانه الأول الى رفض تام لأي مساءلة إعلامية، على أساس أن أي مساءلة من هذا النوع انما تشكل "وسيلة ضغط للتشويش" على القضاء، مستعيدا بذلك الخطاب السلطوي الذي كان سائدا في التسعينيات والذي ذهب فيه وزير العدل آنذاك الى وضع اقتراح قانون تحت تسمية "تجريم المس بهيبة القضاء" وذلك تيمنا ب"تجريم المس بهيبة الجيش"[1]. وفي الاتجاه نفسه، يسجل أن المجلس وضع وسائل الاعلام في سلة واحدة، كما وضع كل ما نشر فيها في سلة واحدة، فبقيت ملاحظاته على درجة عالية من التعميم والايحاءات، من دون أن يتكبد في أي لحظة عناء تفسير ما هو الخطأ المرتكب من الاعلام تحديدا. فكأنه بذلك يعلن ضمنا أنه لا يجادل في هذه العبارة غير الموفقة أو تلك (وكلها صغائر)، طالما أن ما يرفضه ليس خطأ معينا انما مبدأ التداول الإعلامي في قضية قضائية بحد ذاته (وهو تشويش يدخل ضمن الكبائر). وتاليا، اذا سلمنا بما يقول به المجلس، نخلص الى نتيجة مفادها أن المنظومة القضائية، بقضاتها وأطبائها الشرعيين، تعمل بشكل لا غبار عليه، وأنه ليس هنالك أي شخص مهما بلغ نفوذه على الأرض اللبنانية يتدخل أو يجرؤ حتى على التدخل بالقضاء، وأن الاعلام تاليا هو الوحيد الذي يزج نفسه في هذه القضية، لا لسبب الا الضغط والتشويش على القضاء. وبالطبع، التدقيق في تفاصيل هذه القضية التي أبرزناها أعلاه يقوّض هذه المسلمات ومعها املاءات المجلس بشكل كامل: فعلى العكس تماما من ذلك، شكلت هذه القضية شاهدا حاسما على ما قد يؤديه الاعلام من دور إيجابي في تصويب المسار القضائي وربما في موازنة ما قد يعترض القضاء من اختلالات أو تأثيرات غير معلومة. ولإدراك ذلك، يكفي التذكير بأن الاستعانة بنقابتي الأطباء تم حسبما جاء في القرار الظني "تبعا لما أثارته وسائل الاعلام بخصوص التشكيك بصدقية وصحة التقارير الطبية المنظمة من قبل الأطباء الشرعيين الأربعة"، وأن تقريري النقابتين أكدا من خلال ما توصلا اليه من نتائج، حجم الأخطاء المرتكبة من قبل الأطباء الشرعيين الأربعة وأيضا حجم الخطأ في ارجاء طلب ذوي المتوفاة بتشريح جثتها (وهي الأخطاء التي ألمح اليها الاعلام)، وهي أخطاء أدت ربما الى تضييع امكانية اثبات أسباب الوفاة علميا. ومن هذه الزاوية، تشكل هذه القضية اثباتا على ما يمكن للإعلام أن يؤديه من أدوار إيجابية في متابعة القضايا القضائية وفي الآن نفسه درسا لمجلس القضاء الأعلى بوجوب الاعتراف بأهمية المساءلة الاعلامية بعيدا عن أي مواقف نقابية أو فئوية مسبقة، من دون أن يعني ذلك بحال من الأحوال تبرير الاعلام في المطلق أو تنزيهه عن الأخطاء التي تبقى واردة في كل مجال.

أما الأمر الثاني الخطير في بياني المكتب الإعلامي، فقد تمثل في توجيه الرأي العام في اتجاه معين في قضية رلى يعقوب، وهو الاتجاه نفسه الذي حدده القرار الظني. وبالطبع، يطرح توجيه الرأي العام المكثف الى الاطلاع على ما تضمنه القرار الظني أسئلة وجيهة: فاما أن المجلس لم يطلع على كامل ملف القضية، ويكون موقفه في هذا الصدد بمثابة موقف مسبق مجرد من أي معطيات موضوعية أساسية، واما أنه اطلع على هذا الملف، فاختار عن سابق تصور وتصميم أن يوجه الرأي العام الى قراءة القرار الظني وأن يحصر أفق التفكير بأدلة البراءة التي أوردها القاضي فيه مهما كانت ضعيفة من دون سائر الأدلة التي استبعدها مهما بلغت قوتها، والتي هي قد تبرر الظن وفق ما أسهبنا في تبيانه أعلاه. وفي كلا الحالتين، يكون من المشروع التساؤل عن موضوعية المجلس ومدى التزامه الدقة والمهنية اللتين طالب وسائل الاعلام الالتزام بهما. ولعل أخطر ما في حماسة المجلس في هذا المجال، هو أن من شأنها أن تضع الهيئة الاتهامية التي تتولى النظر في الاستئناف المقدم ضد هذا القرار، في موقف حرج يظهرها مظهرا مناوئا للمجلس في حال ارتأت فسخه والتوسع في التحقيقات وفق ما يطالب به الاعلام. ولا نبالغ إذا قلنا إن بياني المجلس (بما له من سلطة على المسارات القضائية) يلامسان من هذه الزاوية حدود الضغط و"التشويش" على الأعمال القضائية وبكلمة أخرى التدخل فيها، وكلها أفعال كان المجلس استسهل اتهام الاعلام بها.

بقي أن نذكر ختاما بأن أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى (القاضي رضا رعد) هو رئيس الهيئة الاتهامية في طرابلس والتي آلت اليها القضية، فهل ينظر في الطعن أم يتنحى عن ذلك على اعتبار أن البيانات الصادرة عن المجلس الذي ينتمي اليه انما تؤشر عن موقف مسبق في هذه القضية؟ فلنتابع.



[1] نزار صاغية، قراءة نقدية في خطاب اصلاح القضاء في جمهورية ما بعد الطائف، المركز اللبناني للدراسات، 2008. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، لبنان ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية