خبراء الأمم المتحدة يدينون جرائم إسرائيل وحلفائها جماعيًا: قتل الناس والبيوت “إبادة جماعية”


2023-10-25    |   

خبراء الأمم المتحدة يدينون جرائم إسرائيل وحلفائها جماعيًا: قتل الناس والبيوت “إبادة جماعية”
مصدر الصورة: وكالة أ ف ب

تبعاً لمجزرة المستشفى المعمداني واستهداف مدرسة الأونروا في مخيم المغازي، أصدر 7 خبراء من الأمم المتحدة[1] بيانٍا صدر في 19/10/2023 عبروا فيه عن استيائهم من الجرائم المرتكبة من إسرائيل. ومن اللافت أن المقررين الخاصين حمّلوا إسرائيل مسؤوليّة مباشرة عن “الغارة على المستشفى” التي “حصلت بعد تحذيريْن أصدرتْهما … بأن هجومًا وشيكًا سيقع على المستشفى إذا لم يتم إخلاؤه”. وبعد أن أثار الخبراء الأمميون مخاوف إنسانية وقانونية بشأن حصار إسرائيل المستمر منذ 16 عامًا على قطاع غزّة وسكانه واحتلالها “الوحشي غير القانوني”، مما يحرم 2.2 مليون شخص من الغذاء والوقود والمياه والكهرباء والدواء؛ ذكّروا أن مجلس الأمن كان قد أدان مرارا وتكرارا استخدام تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي. كذلك حذر الخبراء من أن الحرمان غير القانوني من وصول المساعدات الإنسانية يشكل أيضًا انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي، مشدّدين على ضرورة حماية جميع العاملين في المجال الإنساني ومقدّمي خدمات الرعاية الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما تطرّق البيان إلى التدمير المتعمد والممنهج لمنازل المدنيين والبنية التحتية في غزّة، والمعروف باسم “قتل المنازل” أي “Domicide”، والذي اعتبره الخبراء، إلى جانب الحصار الكامل المفروض على القطاع، وأوامر الإخلاء والنقل القسري للسكان وقطع المياه والأدوية والمواد الغذائية الأساسية، انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي ومحظورا بشكل واضح بموجب القانون الجنائي الدولي.

وعليه، صنف الخبراء الأمميون الانتهاكات التي تشنها إسرائيل على أنها جرائم ضدّ الإنسانية في سياق حربها على غزة، واعتبروا إنه بالنظر إلى التصريحات التي أدلى بها القادة السياسيون الإسرائيليون وحلفاؤهم، وتصعيد الاعتقالات والقتل في الضفة الغربية، أن هناك أيضًا خطر الإبادة الجماعية ضدّ الشعب الفلسطيني. وعليه، طالب الخبراء في بيانهم بوقف فوري لإطلاق النار وضمان السلامة الجسدية للسكان المدنيين فضلا عن ضمان الوصول العاجل إلى الإمدادات الإنسانية الأساسية دون عوائق.

وختاما ناشد موقعو البيان بوجوب إنهاء الاحتلال بالتوازي مع تعويضات وإعادة إعمار وإعادة بناء “لتحقيق العدالة الكاملة للفلسطينيين”.

وعليه، نظراً لأهميّة هذا البيان وخلاصاتْه، نستوقف عند ثلاث نقاط أساسيّة أثارها:

1-أهميّة اجتماع الخبراء الأمميين

عدا عن أهميّة صدور البيان تبعاً لمجزرة المستشفى المعمداني خاصّة وفي سياق الحرب على غزّة عموماً، يكتسب هذا البيان قيمة مضاعفة نظراً لصدوره عن 7 مقررين خاصين في الأمم المتحدة معنيين بحقوق الإنسان التاليّة: الحقوق المتعلّقة بالأراضي الفلسطينية المحتلّة (Francesca Albanese)، المياه (Pedro Arrojo Agudo)، النساء (ريم السالم)، النازحون داخلياً (Paula Gaviria Betancur)، الغذاء (مايكل فخري)، الصحّة الجسدية والنفسية (Tlaleng Mofokeng)، والسكن (Balakrishnan Rajagopal).

وفي هذا الصدد، يجدر الثناء بشكل خاصّ على جهود المقرّرة الخاصّة المعنيّة بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرنشيسكا ألبانيز، التي تقود منذ اليوم الأول معركة وقف إطلاق النار و تندّد بالانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل. يشار إلى أن ألبانيز كانت أول من أعطى التوصيف القانونيّ الصّحيح لاحتمال حصول نكبة جديدة وهو مرادف للتطهير العرقيّ، في بيانٍ أصدرته في 14/10/2023، داعيةً الدول الكبرى إلى تحمّل مسؤولياتها في وقف حصوله.

2-أهميّة اعتماد خطاب يقلب سرديّة الشمال السياسي بشكل تامّ

تكمن القيمة الكبرى للبيان أنه يقلب السرديّة الغربيّة الرسميّة بشكل تام. إذ أنه عدا عن أنه يخلو من أي ذكر لحقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، فإنه يستبعده ضمنا على ضوء أهداف الحرب المعلنة وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين وحلفائهم والتي تتعدى بكثير حدود هذا الحق على فرض وجوده. لا بل أنّ البيان يؤكد حصول جرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية المشار إليها أعلاه والتي “لا توجد مبررات أو استثناءات” لها. بمعنى أنهم لم يكتفوا بالتذكير بوجوب احترام القانون الدولي وقوانين الحرب كما دأب عليه قادة الشمال في معرض تأييدهم حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها إنما ذهبوا إلى حدّ التأكيد على خرقها بشكل واسع.

أبعد من ذلك، لم يحصرْ الخبراء انتقادهم بقادة إسرائيل إنما أعربوا أيضا عن ذعرهمْ “إزاء تقاعس المجتمع الدولي في مواجهة الترويج والتحريض للحرب” “war mongering[2]“، بما يشكّل إدانة غير مباشرة لتورّط قادة دول الشمال السياسي في هذه الحرب من خلال تشجيع إسرائيل على شنّها. ومن أهم القادة الذين يفترض أن تنطبق عليهم هذه الإدانة، رئيس الولايات المتحدة الأميركية جو بايدن، ورئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

3-جرم قتل المنازل Domicide 

فضلا عمّا تقدم، من اللافت أن الخبراء تعمدوا تضمين بيانهم جرم قتل المنازل Domicide ضمن تعداد كمّ من جرائم الحرب المرتكبة من قبل إسرائيل. وقد بدوا هنا في معرض استكمال عدد من الجهود الأممية المبذولة سابقا بهدف تكريس الاعتراف بخطورة هذا الجرم وخصوصيته. ومن أهم هذه الجهود، تلك التي بذلها مقرر الأمم المتّحدة الخاص المعني بالحق في السكن اللائق بالاكريشنان راجاغوبال والذي طالب أكثر من مرة بضرورة الاعتراف بهذا الجرم كجرم دولي مستقلّ، علما أن مطالبته الأحدث عهدا والتي شاركه بها خبيران آخران (المقررة الخاصة بشأن الأراضي المحتلة فرانشيسكا ألبانيز والمقررة الخاصة بشأن بحقوق الإنسان للنازحين داخليًا باولا جافيريا بيتانكور) حصلت في 13/2/2023، واتصلت مباشرة بسياسة إسرائيل المعتمدة في هدم البيوت وإقامة المستوطنات وحرمان الفلسطينيين من تصاريح البناء في الضفة الغربية. كما يشار إلى أن المقرر الخاص المعني بالحق في السكن كان برّر مسعاه لتجريم قتل المنازل في بيان تلاه في أعقاب التقرير الذي قدّمه إلى الجمعية العامة للأمم المتّحدة في 28/10/2022، بأن المنزل “يشكّل تتويجًا لجهود طويلة وهو فخر الأسر بأكملها، وقد رأيتُ بأمّ العين كيف يتمّ تدميره في غضون ثوانٍ قليلة وتحويله إلى أنقاض. ولا يقتصر التدمير على تدمير المنزل بحدّ ذاته. بل يشمل أيضًا القضاء على مدّخرات أسر بأكملها وعلى الذكريات وعلى الراحة التي يولّدها الشعور بالانتماء. كما يتسبّب إهلاك السكنى بصدمات اجتماعية ونفسية يصعب عليّ وصفها أو حتّى تصوّرها.”

كما أكدّ الخبير الأممي أنذاك أن النزاعات، حينما يتمّ استهداف منازل المدنيين وتدمير مدن وقرى بأكملها بشكل متعمّد، كما حصل في حلب وصنعاء وماريوبول، تؤدي إلى تشريد الملايين وتتسبب في أبشع الانتهاكات لحقوق السكن مع تضييق خياراتهم بالعودة الطوعية. 

يبقى أن نشير إلى أن تعبير “Domicide” استخدمه للمرة الأولى الكاتبان ج. دوغلاس بورتيوس وساندرا سميث في عام 1998 في كتابهما “Domicide: The Global Destruction Of Home”.

وبحسب التحديث الصادر عن مكتب الإعلام الحكومي الفلسطيني يوم الإثنين 23/10/2023، عن حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يتبيّن أنّ أكثر من 181 ألف وحدة سكنية تضررت بفعل العدوان الاسرائيلي المستمرّ، منها أكثر من 20 ألف وحدة سكنية هدّمت بشكل كامل أو باتت غير صالحة للسكن.


[1] Pedro Arrojo Agudo, Special Rapporteur on the human rights to safe drinking water and sanitation;

Francesca Albanese, Special Rapporteur on the situation of human rights in the Palestinian Territory occupied since 1967;

Reem Alsalem, Special Rapporteur on Violence against women and girls;

Ms. Paula Gaviria Betancur, Special Rapporteur on the human rights of internally displaced persons;

Michael Fakhri, Special Rapporteur on the right to food;

Tlaleng Mofokeng, Special Rapporteur on the right of everyone to the enjoyment of the highest attainable standard of physical and mental health;

Balakrishnan Rajagopal, Special Rapporteur on the right to adequate housing.

[2] Cambridge dictionary definition “the act of encouraging a country to go to war or of threatening violence against another country”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

فلسطين ، الحق في الحياة ، الحق في السكن ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية