حوار مع لطفي بن عيسى: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عنوان “لأنسنة” الاقتصاد


2020-11-17    |   

حوار مع لطفي بن عيسى: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عنوان “لأنسنة” الاقتصاد

حاوره محمد سميح الباجي عكاز

تطلّب الأمر أكثر من ثلاث سنوات، ليرى القانون الخاص بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني النور بعد المصادقة عليه من قبل مجلس نوّاب الشعب في 17 جوان 2020. خطوة وإن لم تنل رضا المدافعين عن المشروع بعد التعديلات التي أدخلتها الحكومة على النصّ المقدّم من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أعلن عن تبنيه، إلاّ إنه مثل إنجازا على مستوى اقتلاع الإعتراف السياسي بالدور التنموي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني. في هذا الحوار مع الأستاذ لطفي بن عيسى، الخبير الاقتصادي والمنسق العلمي لمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل المتعلقة بمشروع القانون الخاص بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تسعى المفكرة القانونية إلى العودة إلى أسس فلسفة هذا المفهوم وسياقات نشأته التاريخية على المستوى الكوني، كما تسلّط الضوء على أهم الإحترازات حول القانون الجديد والتحديات التي قد تعترض مسار إنفاذه.

المفكرة القانونية: فلنبدأ أوّلا بالسياق التاريخي لنشأة مفهوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، كيف ظهر هذا الطرح الاقتصادي وفي أي ظروف تاريخية؟
لطفي بن عيسى: ظهر مفهوم الاقتصاد الاجتماعي في منتصف القرن التاسع عشر وفي سياق تاريخي حافل كانت تشهده القارة الأوروبية آنذاك، وبالتحديد سنة 1848. فقد كانت المنطقة تعيش على وقع موجة من الثورات والانتفاضات الشعبية ذات الطابع السياسي والاجتماعي. بل يمكن أن نقول إن مفهوم الاقتصاد الاجتماعي جاء كإمتداد لخطاب أيديولوجي جديد وهو الاشتراكية. لكن هذا المفهوم وإن استمدّ الكثير من الاشتراكية العلمية التي طوّرها كلّ من كارل ماركس وانجلز لتتحوّل إلى إيديولوجيا تبنتها ثورات عدّة خاصة الثورة البلشفية ومن ثم الصين وبعض دول أمريكا اللاتينية، إلاّ أنه تمايز عنها في نقاط أخرى. حيث اعتبر منظّروه في تلك الفترة على غرار سان سيمون Saint Simon وفوريي Fourrier وكابيه Cabet وأوين Owen، أنهم داخل مجتمع رأسمالي فعلي ولم يقرّوا بضرورة إسقاط النظام برمته، بل بإمكانية إحداث الفارق عبر تأسيس ما يمكن تسميته بالجُزُر في بحر أو محيط المنظومة القائمة. بمعنى انشاء وحدات اشتراكية داخل الجسم الرأسمالي والمراهنة على تمدّدها وتوسعها في الجسد الاجتماعي ككل لتحلّ تدريجيا محلّ النظام الاقتصادي المهيمن. هذه الرؤية كانت محلّ انتقاد الاشتراكيين العلميين الذين اعتبروها “اشتراكية طوباوية” على حدّ تعبير إنجلز في كتابه “الاشتراكية العلمية والاشتراكية الطوباوية”، ولكن هذا الصراع الفكري بين المعسكرين إن صحّ التعبير، هو ما أفرز في نهاية المطاف المبادئ الكونية التي أسست للاقتصاد الاجتماعي.
ويتأسس الاقتصاد الاجتماعي على ثلاثة مكوّنات رئيسيّة؛ أوّلها التعاضديات التي تعتبر أصل هذا المفهوم، والتي استوعبتها لاحقا كومونة باريس (1871) من خلال تسخير بعض الورشات التي تخلى عنها مالكوها وتحويلها الى تعاضديات عمالية بعد تقديم تعويضات لأصحابها ووحد صفوفها ورسخ مبادئها التحالف التعاضدي الدولي الذي تأسس في سنة 1895 الذي كان له دور كبير في تخفيف تبعات الحربين العالميتين على الحرفيين وصغار الفلاحين. المكوّن الثاني لمفهوم الاقتصاد الاجتماعي هو التعاونيات، التي لعبت نفس الدور الاجتماعي للتعاضديات خلال تلك الحقبة. في البداية، نشأت التعاونيات على مستوى ضيّق وخصوصا في الوسط العمّالي. أما المكوّن الثالث فهو الجمعيات التي تأسّست في البداية للإحاطة بجرحى الحربين الذين كانت أعدادهم بالملايين إضافة إلى مساعدة الفئات الهشة إجتماعيا، لتتوسّع لاحقا دائرة نشاطاتها إلى كلّ المجالات تقريبا.

المفكرة القانونية: وأين مصطلح “التضامني” من كلّ هذا؟
لطفي بن عيسى: كنا نتحدث عن المكوّنات أو العناصر التقليدية للاقتصاد الاجتماعي. لاحقا، ومع تطور الأنشطة ذات الغايات البيئية والاجتماعية والاقتصادية، ظهر شكل جديد من المؤسسات ذات الصبغة التجارية؛ (شركة تجارية ذات غاية اجتماعية وغير ربحية) أو ما يسمى بالـEntreprenariat social . وهي جمعيات تأخذ في أغلب الأحيان صبغة شركات تجارية، وقد ظهرت بالأساس في الولايات المتحدة الأمريكية. إذن فالتضامن يعتبر خروجا من الشكل الكلاسيكي في الاقتصاد الاجتماعي عبر التعاضديات والتعاونيات والجمعيات والمرور نحو شركات ذات صبغة قانونية تجارية إنّما بأهداف اجتماعية غير ربحية. فالاقتصاد التضامني يُعرف قبل كل شيء بمشروعه الاجتماعي وليس بشكله القانوني.
وهنا توسّع مجال الاقتصاد الاجتماعي ليتّخذ تسميته الحالية بعد إضافة مصطلح “التضامني”. وقد استوعب القانون التونسي هذا الطرح على غرار نظيره الفرنسي الذي صادق عليه في سنة 2014، بعد أن أثار نقاشا واسعا حول طريقة تصنيف هذه الشركات التجارية وصحّة اعتبارها مكوّنا من مكوّنات الاقتصاد الاجتماعي.
وتجدر الإشارة ما دمنا نتحدث عن التسميات أن هناك ثلاث كبرى: الأولى الاقتصاد التضامني والاجتماعي في الفضاء الأوروبي الذي تُعتبر تونس امتداد له، الاقتصاد غير الربحي في المجتمعات الأنغلو-سكسونية والاقتصاد الشعبي في أمريكا اللاتينية.

المفكرة القانونية: لو أردنا تشريح فلسفة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ما هي الفكرة المحورية التي يطرحها هذا المفهوم؟
لطفي بن عيسى: وُلد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من رحم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ولدتها الأنظمة الرأسمالية (الأزمات الدورية للرأسمالية، التي كانت آخرها سنة 2008) وكإجابة عليها.
يجمع هذا المفهوم في أرقى تجلياته، بين مميزات القطاع الخاص وأساسا المردودية (الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لا يستثمر في الفقر كما يُروّج، بل غايته الأساسية هي القضاء على الفقر) وركائز القطاع العام وأهمها المصلحة العامة. فالقطاع الخاص يضحي بالإنسان والمجتمع من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح، والقطاع العام يضحي بالجانب الربحي من أجل الإنسان، أما الاقتصاد الاجتماعي والتضامني فهو خلق منظومة جديدة أساسها تعزيز دور الإنسان والحفاظ على كرامته من دون إغفال أهمية المردودية في النشاط الاقتصادي ولكن بتسخيرها لخدمة المجتمع.
إذن، فإن العنوان الكبير للاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو “أنسنة” الاقتصاد، لأن الدمار الذي عاشته الإنسانية بدأ منذ ظهور الملكية الخاصة التي كانت بدورها سببا في تشكيل الطبقات الاجتماعية واستغلال الإنسان للإنسان تحت مسميات متغيرة عبر العصور وآخرها المالك والأجير في العصر الحديث. هذه الحالة ولّدت أزمات دورية ونزاعات وحروبا؛ وهنا يكمن دور الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في رسم خط العودة نحو الفطرة.

المفكرة القانونية: كيف يقدم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نفسه كبديل أو خط ثالث؟ وهل يصح أن نعتبره منوالا إنتاجيا متمايزا عن نظيريه في القطاعين العام والخاص؟
لطفي بن عيسى: يسعى هذا المفهوم إلى إيجاد تلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي. فالاقتصاد يجب أن يكون في خدمة المجتمع. وهو ما يحتّم ارتكازه على جملة من المبادئ الخاصة التي ترسم خط تباين واضح مع القطاع العمومي (رأسمالية الدولة) والقطاع الخاص (رأسمالية الخواص).
نقطة الإرتكاز الأولى والتي سبق أن أشرت إليها هي أولوية الإنسان على رأس المال. فوفق فلسفة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، المال عنصر أساسي، ولكن كوسيلة وليس كغاية. فعلى عكس المنظومة الرأسمالية التي تقوم على اعتبار الربحية هدفا ومعيارا للنجاح ولو أدى ذلك إلى التضحية بكرامة العاملين والسلامة البيئية والتحايل على القانون، فإن تطوير المردودية المالية للمؤسسة يهدف إلى تحقيق سعادة الإنسان. بمعنى آخر، أن يستفيد الفرد من عائدات الإستثمار بما يلبي حاجياته في العيش الكريم ولكن في إطار المجموعة وضمن مشروع متكامل يضمن استمرارية المؤسسة وظروف العمل اللائق. وهذه النقطة بالذات تحيلنا إلى آلية تقسيم المرابيح التي تختلف كليّا عن نظيرتها في المؤسسات التجارية. فالقانون الخاص بالإقتصاد الاجتماعي والتضامني يلزم الهياكل والمؤسسات المنضوية تحته بتخصيص نسبة 15% من العائدات في شكل احتياطات وجوبية إلى أن تبلغ نسبة 50 %من رأس مال المؤسسة المعنية. كما يتم تخصيص نسبة 5% من الفواضل كحد أقصى للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية، ثمّ يتم توزيع المتبقي من الفواضل في حدود نسبة لا تتجاوز 25% بقرار من الجلسة العامة. أمّا ما زاد على ذلك، فيتم توجيهه نحو تنمية أنشطة المؤسسة وتطويرها أو المساهمة في بعث مؤسسات جديدة في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتتعلّق النقطة الثانية بالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، والتي تتنزّل في المنظومة الرأسمالية في سياق عقلنة أداء رأس المال. بينما لا نحتاج إلى قرارات ردعية للتأكيد على هذه الضمانات الأساسية لأنها تعتبر روح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
أمّا المبدأ الثالث، فهو يتمحور حول آلية الحوكمة. إذ يعود القرار صلب المؤسسات أو الشركات التجارية التقليدية إلى صاحب النصيب الأكبر في ملكية رأس المال، في حين يختلف الأمر وفق فسلفة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. حيث تتساوى الأصوات بغضّ النظر عن قيمة الأسهم أو حجم الملكية، ويخضع القرار إلى معيار الحجّة.

المفكرة القانونية: لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا محوريا في صياغة ملامح القانون المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، واصطدم بتباين في الرؤى مع النسخة الحكومية قبل أن تتم المصادقة عليه في 17 جوان 2020، فما هي أبرز التحفظات حول هذه النسخة النهائية؟
لطفي بن عيسى: أهم مؤاخذاتنا تتعلق بمضمون القانون. فقد تمّ تمريره في مجلس نوّاب الشعب في شكل قانون عاديّ على عكس طرحنا الذي طالب بأن يكون قانونا أساسيا لضمان علويته ولكي يكون نصّا مرجعيا ملزما لجميع مكوّنات النسيج الخاص بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
هذا وتغافل الفصل 4 من القانون المتعلق بالمبادئ عن ذكر مبدأ مدنية الدولة والمواطنة وعدم التمييز على أسس جنسية أو دينية أو فئوية كما جاء في مشروع الاتحاد العام التونسي للشغل وهي نقطة أساسية كانت لتلعب دور صمام الأمان ضد توظيف مكوّنات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مصالح فئوية أو عقائدية أو سياسية ضيّقة.
أما المؤاخذات الأهم فتتعلّق بتكريس مبدأ الاستقلالية عن الدولة.

المفكرة القانونية: بخصوص هذا المحور بالذات، إلى أي مدى يكرّس القانون الجديد مبدأ استقلالية الاقتصاد الإجتماعي والتضامني عن الدولة؟
لطفي بن عيسى: للأسف تمّ خرق مبدأ الاستقلالية على مستوى ثلاث نقاط. تتعلّق الأولى بعلامة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتي تعتبر تأشيرة الدخول إلى هذا القطاع. إذ لا ينص مشروع الاتحاد على هذه النقطة، حيث صنف مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ضمن فئتين؛ مؤسسات منخرطة بشكل طبيعي (par nature) وآلي في منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نظرا لأن القوانين الأساسية التي تنظمها تنص على نفس المبادئ (التعاونيات وشركات التأمين ذات الصبغة التعاونية والشركات التعاونية للخدمات الفلاحية والتعاضديات والوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي…) ومؤسسات منخرطة اختياريا (par option) كالشركات التجارية (باستثناء الشركات التجارية الناشطة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل) والتي تستجيب لشرطي الغاية الاجتماعية للنشاط وإعادة استثمار الأرباح في حدود الثلثين على الأقل في مجال موضوعها الاجتماعي. التنصيص على هذه العلامة يثير اشكاليات مبدئية وعملية. فالفئة الأولى من المؤسسات لا تحتاج أصلاً إلى علامة باعتبار طبيعة نشاطها الاقتصادي والاجتماعي والتضامني. وقد أحال القانون شروط منح العلامة والجهة المانحة بأمر حكومي من دون أن يوضح ماهيتها بالتحديد. لكن من حسن حظنا وقع تدارك هذا الإخلال في مشروع الأمر الحكومي المعروض على آخر مجلس وزاري للحكومة المتخلية والذي شاركت شخصيا في صياغته. فقد تم إحداث “لجنة إسناد وسحب علامة مؤسسة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني” على مستوى كل الإدارات الجهوية للتكوين المهني والتشغيل يرأسها ممثل عن وزارة التشغيل وتتركب من ممثلين عن المنظمات الوطنية الكبرى (اتحاد الشغل واتحاد الأعراف واتحاد الفلاحة واتحاد المرأة) وعن مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. كما نص مشروع الأمر على منح العلامة آليا للتعاضديات بما في ذلك الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية ومجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري والجمعيات التعاونيات وجمعيات التمويل الصغير وشركات التأمين ذات الصبغة التعاونية وبعد دراسة ملفاتها والتثبت من مدى التزامها بمبادئ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نصا وسلوكا بالنسبة الى للجمعيات والشركات وتجمعات المصالح الاقتصادية.
وتتعلّق النقطة الثانية بالهيئة العمومية التي تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية وتعمل تحت إشراف الوزارة المكلفة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فقد تمّ منح هذا الهيكل العمومي صلاحيات ومهامّ واسعة كنّا نرى ضرورة بقائها صلب اختصاصات الهياكل المنتخبة وفق المشروع الذي تقدّم به الاتحاد العام التونسي للشغل، كي نتجنب إحكام سيطرة الأجهزة الإدارية على القطاع.

وأخيرا، تمّ التنصيص على مبدأ الاستقلالية في التسيير تجاه السلط العمومية والأحزاب السياسية مع استثناء الجمعيات التعاونية. وهو ما يعتبر خرقا خطيرا، إذ كان المطلوب عدم المساس من شمولية المبدأ وترك التعاونيات التي لا تلتزم بمبدأي الحرية والاستقلالية خارج منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. مع العلم أن تعاونيات أعوان وموظفي القطاع العمومي تضم أعوان وموظفي الوزارات والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والجماعات المحلية ويكون الانخراط فيها اختياريا باستثناء التعاونيات التي تم إحداثها بمقتضى قوانين على غرار تعاونية أعوان الديوانة، تعاونية الجيش الوطني، تعاونية أعـوان الأمـن والسجون والإصلاح، تعاونية أعوان الحرس الوطني والحماية المدنية وتعاونية القـضاة. في هذا الصنف يصبح الإنخراط وجوبيّا بالنسبة لكافة الأعوان النشيطين وإختياريّا بالنـسبة للأعـوان المتقاعدين. هذا وتعهد إدارة التعاونيات التي أحدثت بمقتضى قوانين إلى رؤساء مجـالس إدارة يقع تعيينهم من قبل وزارات الإشراف.
أما المفاجأة التي لم نتوقعها، فتمثلت في حذف وزارة التكوين المهني والتشغيل وإلحاق مصالحها بوزارة الشباب والرياضة تحت مسمى “الإدماج المهني” ضمن هندسة الحكومة الجديدة. قرار اتخذّ دون مراعاة لحجمها وثقلها راهنا ولا للمهام الموكلة لها مستقبلا كجهة حكومية مكلفة بملف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

المشروع الجديد بني على قراءة نقدية لتجربة بن صالح، والتي أخلّت بأهم عنصرين وهما الحريّة والاستقلالية.

المفكرة القانونية: مثلت قضية تمويل المشاريع المنضوية ضمن منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نقطة نقاش محورية أثناء مسار صياغة هذا القانون. كيف تمّ حل هذه المشكلة؟ وهل يمكن أن تكون البنوك التعاضدية حلاّ ناجعا؟
لطفي بن عيسى: لقد صادق مجلس نواب الشعب على أهم الاحكام المتعلقة بتمويل منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كما جاءت في مشروع الاتحاد العام التونسي للشغل، وأهمها إحداث بنك تعاضدي وفق نظام أساسي نموذجي يستند الى القانون الأساسي العام للتعاضد. إذ أن الاستقلالية الحقيقية مدخلها المال. وإذا غابت الموارد المالية، فإن القطاع سيظلّ رهين سياسات واختيارات البنوك التجارية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ لتونس تجربة ناجحة في هذا السياق تتمثّل في بنك الشعب الذي تمّ تأسيسه سنة 1957 من قبل المنظّمة الشغيلة. وعلى عكس التصوّر الخاطئ حوله، لم يكن هذا المصرف عموميا، بل كان رأس ماله متأتيا من مساهمات الأطراف المكوّنة لهذا القطاع على غرار العمال والحرفيين والفلاحين.
ولأن تمويل البنوك التعاضدية سيحتاج حيّزا زمنيا يتراوح بين 3 و5 سنوات، تمّ التنصيص في القانون الجديد على فتح خطوط تمويل بصفة تفاضلية لدى المؤسسات المالية لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتخصيص نسبة من الطلبات العمومية لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ومنح امتيازات جبائية ومالية حسب صنف المؤسسة وطبيعة نشاطها دون التقيد بجهة الانتصاب. وتم تعزيز هذه الإجراءات بإجراءات أخرى لفائدة القطاع تتمثل في تركيز وتطوير منصات خاصة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني وآلية ضمان لفائدة المؤسسات المنخرطة فيه تهدف إلى ضمان القروض وكافة أصناف التمويلات المسندة خاصة من قبل الجهاز البنكي وغيره من مؤسسات التمويل.

غفل القانون عن ذكر مبدأ مدنية الدولة والمواطنة وعدم التمييز وتاليا عن وضع صمام أمان ضد التوظيف الفئوي أو السياسي.

المفكرة القانونية: يرتبط الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عضويا بالحكم المحليّ. فما مدى قدرته على التأقلم مع الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية المحلية؟ وهل تبدو منظومة الحكم المحلي جاهزة للإنفتاح على هذه التجربة؟
لطفي بن عيسى: إنّ القاسم المشترك بين التنمية المحلية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو ما يسمى باقتصاد القرب أي تلك المشاريع التي تتبلور وفق الحاجيات المحلية التي لا تكون مسقطة من المركز. وهنا يأتي دور البلديات لترجمة هذا المشروع. وقد نصّت مجلة الجماعات المحلية التي تمّت المصادقة عليها في سنة 2018 بصريح العبارة على التعبئة المالية لصالح مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الفصلين 109 و110 وذلك في إطار عقود مبرمة بين الطرفين. لكن وإلى حدود سنة 2019 لم يتم التفكير في برمجة اعتمادات مالية لتمويل مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعي طالما أنه لا يوجد قانون ينظم عملها. واليوم أصبح النص التشريعي جاهزا والأمور تسير في الاتجاه الصائب على المستوى القانوني.
أما بخصوص سؤالك حول الجاهزية، فلا بدّ أن نقرّ بأن الظروف الاستثنائية المرتبطة بجائحة كورونا عصفت بإمكانية تدشين التجربة. إذ تم صرف معظم الإعتمادات لتغطية الأجور والنفقات الطارئة الخاصة بمقاومة تفشي فيروس كورونا. لذلك تمّ تأجيل المشاريع التنموية ذات العلاقة بمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى سنة 2021، والتي ستنطلق بالحد الأدنى من التكلفة والمصاريف والتمويل لأن الارتدادات الاقتصادية لهذا الوباء ستمتدّ لسنوات لاحقة.
كما أن مسار تركيز هذه المنظومة ما يزال طويلا. فعلى صعيد ترسيخ مسار اللامركزية، يتطلب الأمر 27 سنة لتحقيق الأهداف المرجوة، كما لم يتمّ بعد بعث كلّ المؤسسات الخاصة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني كالمركز الأعلى للاقتصاد الاجتماعي والتضامني والذي لا يمكن أن يُبعث إلا بعد تأسيس الهيئة العمومية.
هذا ويعاني الجانب التشريعي من بعض النقائص، كإتمام الأوامر الترتيبية والنظر في التشريعات الخصوصية على غرار الأمر العلي المؤرخ في 18 فيفري 1954 المتعلق بالجمعيات التعاونية، ومراجعة النصوص التي تهم المكونات التي تنشط في القطاع الفلاحي، لتتأقلم جميعها مع الفضاء القانوني الجديد الذي أسسه الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن لا يجب في ذات الوقت التبخيس من قيمة ما أنجز، على غرار اقتلاع الإعتراف السياسي بهذا القطاع وتأسيسه على المستوى القانوني في انتظار استكمال الخطوات اللاحقة.

المفكرة القانونية: عاشت البلاد في ستينيات القرن الماضي تجربة مؤلمة مع التعاضد انتهت إلى الفشل وسجن ونفي مهندسها لاحقا. ما الذي قد يجعل من الآتي متميزا ومتمايزا عن تجربة أحمد بن صالح؟
لطفي بن عيسى: المشروع الجديد بني على أساس قراءة نقدية لتجربة بن صالح، والتي أخلّت بأهم عنصرين وهما الحريّة والاستقلالية. فقد انتهجت الدولة سياسة تسلطية ليصبح الإنخراط إجباريا في منظومة التعاضد. وهنا يكمن الفرق مع هذا القانون الجديد. فطلب تجديد تجربة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وإعادة تأسيسه لم يُفرض من قبل مؤسسات الدولة بل نبعت المبادرة من منظمات المجتمع المدني والاتحاد العام التونسي للشغل وانخرط فيها المواطنون وأصحاب القطاع والمعنيون بالأمر. هذا التغيير الجذري على مستوى المسار التقليدي لمثل هذه المشاريع والتي تصدر عادة عن السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية برأسيها، هو ما يجعلنا مؤمنين أكثر بصلابة هذه التجربة وقدرتها على النجاح لأنّها انبثقت عن رغبة قاعدية ووعي المتضررين من المنوال التنموي واختيارهم.

 

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تونس ، حركات اجتماعية ، مجلة ، مجلة تونس ، مصارف



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *