حوار مع النائب التونسي بدر الدين القمودي: قضية البنك الفرنسي التونسي جريمة مستمرة في حق الدولة منذ ثلاثة عقود


2020-06-20    |   

حوار مع النائب التونسي بدر الدين القمودي: قضية البنك الفرنسي التونسي جريمة مستمرة في حق الدولة منذ ثلاثة عقود

بدأت لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام منذ 18 ماي 2020، في سلسلة من جلسات الإستماع السرية لمختلف المتدخلين في ملف البنك الفرنسي التونسي الذي وصفه وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية السابق مبروك كورشيد بأنه “ملف فساد بامتياز، وهو خطأ يرتقي إلى مستوى الجريمة، التي لم تشهد تونس لها مثيلا منذ القرن التاسع عشر. فبعد الإستماع إلى وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية غازي الشواشي بحضور وزير المالية نزار يعيش للتباحث حول مسببات القضية وأبعادها وأسباب عدم محاسبة الضالعين فيها، تم الاستماع إلى محافظ البنك المركزي مروان العباسي في 8 جوان الجاري.

ويعتبر هذا الملف أحد أثقل ملفات الفساد المالي في تاريخ تونس المعاصر، والذي ما تزال فصوله متواصلة منذ ثلاثة عقود من المواجهات القضائيّة المسترسلة لدى لجنة التحكيم التابعة للبنك الدولي CIRDI، بين الدولة التونسيّة والمجموعة الإستثمارية ABCI حول ما يُعرف بقضيّة البنك الفرنسي التونسي. ودخلت القضية منعرجا حاسما بعد تأكيد الهيئة التحكيميّة الدوليّة في 02 سبتمبر 2019 قرارها الصادر منذ 19 جويليّة 2017 لصالح المجموعة الإستثماريّة ABCI القاضي بتحميل الدولة التونسيّة غرامة ماليّة قُدّرت بمليار دولار حسب طلب الإدّعاء وتنفيذ عقلة على أصول البنك الفرنسي التونسي في فرنسا وأهمّها بنك تونس الخارجي Tunisian Foreign Bank.

في هذا السياق، كان للمفكرة القانونية حوار مع النائب بدر الدين القمودي، رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال للعودة على ملابسات القضية وتفاصيل هذا الملف والوقوف على أهم مستجداته.

المفكرة القانونية: فلنعد أولا إلى بداية قضية البنك الفرنسي التونسي، ما هي أبرز أطوار هذا الملّف؟

بدر الدين القمودي: لا بد أولا من التعريف بهذه المؤسسة البنكية، حيث يعتبر البنك الفرنسي التونسي أحد فروع الشركة التونسية للبنك ويعود أصل القضية لسنة 1980، حيث قررت الدولة رفع رأس مال البنك إلى 5 مليون دينار وفتحه للإستثمار الخاص وتم الترخيص لشركة ABCI لاقتناء 50% من ملكية البنك مقابل 2.5 مليون دينار. وقد قامت الشركة بتحويل المبلغ المذكور للبنك المركزي التونسي في 1982 ولكن تم تجميده. وفي 30 ديسمبر 1982 تمّ إلغاء الترفيع في رأسمال البنك. ومنذ ذلك التاريخ إلى حدود سنة 2011 تعرض البنك إلى شتى أنواع الإختلاس باعتباره مؤسسة عمومية ليصل مبلغ القروض الهالكة لحدود سنة 2016، ما يناهز 450 مليون دينار. بعد الثورة، أوصى البنك المركزي خلال مجلس وزاري لحكومة الجبالي في 13 ديسمبر 2012، بتصفية البنك. ظاهر هذه التوصية هو تقليص الخسائر ولكن هدفها الحقيقي كان التغطية على الفاسدين وإخفاء البراهين وعدم تحديد المسؤولين عن الوضعية الكارثية التي صارت عليها هذه المؤسسة البنكية العمومية.

وقد أثرنا اليوم هذه الإشكالية لأننا نعتبر قضية البنك الفرنسي التونسي من أكبر قضايا الفساد والخيانة في تاريخ تونس. فهذا الملف يجمع العديد من الإخلالات على غرار مشاكل الحوكمة وسوء التصرّف والتغاضي وتواطؤ المسؤولين المريب سواء قبل الثورة أو من بعدها.

 

المفكرة القانونية: هل من تطورات جديدة فرضت عودة ملف البنك الفرنسي التونسي إلى واجهة النقاش البرلماني والعام؟

بدر الدين القمودي: عاد ملف البنك الفرنسي التونسي إلى الواجهة لاعتبارات أساسية، أهمها الجانب القضائي. فثمة قضيتان جاريتان في الموضوع وجب تتبعهما جيدا. القضية الأولى منشورة لدى الدوائر الجزائية التونسية، عقدت إحدى جلساتها بتاريخ 15 جوان الجاري، للنظر في مدى ضلوع وزير أملاك الدولة السابق سليم بن حميدان في هذا الملّف، خاصة أنه قد وُجّهت إليه عديد الإتهامات الجدية التي من شأنها تغيير بعض المعطيات. أما القضية الثانية فهي بين يدي الهيئة التحكيمية الدولية التي أصدرت حكما أوليا يقضي بتغريم الدولة التونسية بمبالغ طائلة، في انتظار الإنتهاء من حسم المبلغ الجملي للتعويضات وخروج الحكم النهائي في شهر مارس سنة 2021.

وقد أعدنا تسليط الضوء على هذا الملف إيمانا منا ببراءة الدولة التونسية من الإتهامات الموجهة ضدها وسنسعى إلى نقض الحكم الذي أصدرته الهيئة التحكيمية الدولية عبر عملنا المشترك من أجل تقديم وثائق ستساهم بلا ريب في تعديل الكفة.

المفكرة القانونية: اعتبرتم أن ملف البنك الفرنسي التونسي هو أكبر قضية فساد في تاريخ تونس، واتهمتم أطرافا سياسية قبل الثورة وبعدها وأصحاب أعمال بالضلوع في هذه القضية، فكيف تورّط كل هؤلاء فيها؟

بدر الدين القمودي: قبل الثورة، كان القطاع البنكي يعاني من سوء الحوكمة والتصرف بسبب تدخل السلطة السياسية في تحديد الخيارات المالية والنقدية. فمسيّرو البنوك يتم تعيينهم وفق توجيهات سياسية من السلطة. لذلك وقع تسخير البنك الفرنسي التونسي باعتباره مؤسسة عمومية من أجل تحقيق منافع شخصية للطبقة السياسية الحاكمة آنذاك من جهة، وتمكين عدد من أصحاب الأعمال والشخصيات النافذة المرتبطين بالسلطة من قروض ميسّرة أو من دون ضمانات لم يتم استرجاعها.

إذن، الفساد الذي كان ينخر البنك الفرنسي التونسي قبل الثورة يتعلق بتبادل مصالح بين الطبقة السياسية وأصحاب الأعمال وتقاسم الملك العمومي، لذلك سبق وطالبنا بإعادة محاكمة هؤلاء لأن قضايا الفساد يجب ألا تسقط بالتقادم مطلقا.

أما بعد الثورة، فهناك عدد من المسؤولين الحكوميين الذين تحوم حولهم شبهات في التورط في هذا الملف، كوزير أملاك الدولة الأسبق سليم بن حميدان على سبيل المثال، الذي ما تزال التهم الموجهة إليه إلى حد الآن محل نظر من قبل القضاء. فقد مكّن هذا الأخير أحد أطراف النزاع مع الدولة من الاستفادة من العفو التشريعي العام الصادر في 19 فيفري 2011، مباشرة بعد سقوط نظام بن علي بالرغم من أنه لم يتعرض إلى أي اضطهاد سياسي إنما حوكم مرّتين ودخل السجن مرة من أجل جرائم صرف. ولكن بطبيعة الحال سيبقى الوزير السابق بريئا إلى أن تثبت إدانته.

المفكرة القانونية: كلفت الدولة التونسية مكتب المحاماة الدولية “هاربت سميث” لإنابتها أمام الهيئة الدولية للتحكيم، ولكن ذكرتم أن هناك شكوكا تحوم حول الملف، فما هي طبيعة هذه الشكوك؟

بدر الدين القمودي: تحوم شكوك كثيرة حول تكليف هذا المكتب خاصة بعد اعتراف المستشار المقرر العام بمتابعة هذا الملف بأنه لم يعثر على أية وثيقة تحدد طريقة خلاص مكتب المحاماة المذكور، فيما يؤكّد تقرير صادر عن وزارة أملاك الدولة تمّ نشره في جوان 2013 أن المكتب احتسب تعريفة بالساعة غير التعريفة المتفق عليها. وحسب الوثيقة دائما فقد بلغت أتعاب المكتب في الفترة الممتدة بين 01 ماي 2008 و26 جوان 2010 ما يُقارب 36 مليون دولار وهو يُعتَبر رقماً هائلاً. ورغم ذلك فإن الهيئة الدولية للتحكيم قد استصدرت حكما ضدنا، وهو ما عجزت عنه طيلة 20 سنة. وقد أثار هذا الحكم الذي صدر ضد تونس ذهولا لدى الرأي العام الدولي لأن كل المؤيدات كانت لصالحنا، لذلك طالبت منذ مدة بأن تتولى كفاءات تونسية العمل على هذه القضية نظرا لمعرفتهم بخصوصية الملف وأطواره مع إمكانية الاستعانة بكفاءات دولية، وهذا ما تداركته الدولة التونسية الآن.

 

المفكرة القانونية: اجتمعتم بالسيد وزير أملاك الدولة غازي الشواشي في جلسة استماع سريّة يوم 18 ماي، ماذا كانت أبرز مخرجات هذه الجلسة، وكيف وجدتم التعامل الوزاري مع هذه القضية؟

بدر الدين القمودي: لقد خيرنا أن تكون الجلسة سرية نظرا لأهمية المعطيات وحساسيتها والتي قد تتحوّل إلى سلاح ضدنا يستفيد منه خصمنا في هذا النزاع. كما أن الجلسة كانت ذات أهمية فائقة حيث دامت 6 ساعات وتداولنا خلالها أغلب الجزئيات والمحاور التي تهم قضية البنك الفرنسي التونسي بعمق شديد وستعقبها جلسات أخرى لنتمكن من استيفاء جميع جزئيات هذا الموضوع. ولا بد هنا من التعريج على موقف وزير أملاك الدولة غازي الشواشي الذي كان متعاونا معنا عكس سابقه الذي أبدى صدّا تجاه محاولات لجنة برلمانية سابقة أرادت فتح هذا الملف.

المفكرة القانونية: يتداول الحديث حول وجود تجاذبات بين لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهناك من تحدث عن حجب بعض الوثائق الهامة عنكم فما مدى صحة ما يُشاع؟

بدر الدين القمودي: لا بد من التأكيد أولا على نقطة أساسية وهي أن اللجنة البرلمانية قد طلبت في أكثر من مرة من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مدها بعدد من الوثائق الأساسية لاستكمال الملف إلا أن تعامل الهيئة الوطنية لم يكن تعاملا إيجابيا، وهو ما يثير الكثير من التساؤلات حول أسباب رفض الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي من المفترض أن تكون في مقدمة الساعين لمحاربة الفاسدين التعامل معنا في هذا الملف تحديدا، الذي يكتسي أهمية كبرى نظرا  لحجم الفساد المتعلق به والخسائر التي تكبدتها تونس بسبب تسخير هذه المؤسسة العمومية لصالح النظام السابق وحاشيته والتي ستتكبدها مرة أخرى إذا ما خسرنا النزاع القضائي وتم إقرار التعويض المالي. وعموما نحن مستعدون للتعامل مع جميع الأطراف دون استثناء، وهذه اللجنة البرلمانية ستعمل على فتح جميع الملفات ولن يمنعها أحد من ذلك.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم