حكم قضائي تونسي جديد ضد التطبيع الثقافي


2018-11-05    |   

حكم قضائي تونسي جديد ضد التطبيع الثقافي

أعلنت الكشافة التونسية نهاية الشهر العاشر من سنة 2018 عزمها على تنظيم ندوة دولية بالتعاون مع الاتحاد العالمي للكشاف المسلم[1] في مدينة الحمامات، مدتها ثمانية أيام ابتداء من يوم 04-11-2018 تحت مسمى “الملتقى العالمي سفراء السلام”. وتهدف الندوة للعمل “على تبني الحوار في المناهج الكشفية وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش بين الأديان و تنشئة الأجيال الكشفية على القدرة على قبول الآخر وإنتاج وسائل وأدلّة مدعّمة تساعد القيادات على التواصل مع أتباع الأديان المختلفة من الكشافين”. وذكرت أن هذا النشاط الذي يعد الأول من نوعه في العالم سيحضره أكثر من عشرين ممثلا لدول مختلفة[2]. وبتاريخ 01-11-2018، أفاد زهير حسين غنيم أمين عام الاتحاد العالمي للكشاف المسلم أن من بين الدول المشاركة في الندوة، “إسرائيل” التي سيتولى ممثلها تمثيل “المنتدى العالمي للكشاف اليهودي”. ومن بين الغائبين عنها الكشافة الفلسطينية التي رفضت الحضور.

تبعا لذلك، نشطت أحزاب سياسية تونسية وجمعيات مناهضة للتطبيع لوقف التظاهرة الكشفية التي وصفوها نشاط تطبيعي مع الكيان الصهيوني غايته التسويق لمشاريع المصالحة التي تطرح في الساحة العربية والتي تهدف لوأد القضية الفلسطينية، تحت شعار التسامح وحوار الأديان.

حاول بداية الحزب الجمهوري لفت نظر السلطة التنفيذية لخطورة التظاهرة فدعا رئيس الحكومة إلى اتخاذ خطوات عملية تمنع حضور الوفد الإسرائيلي. إلا أن مسعاه ذلك ظل دون نتيجة فكان أن غير وجهته نحو القضاء ليرفع وحزب حركة الشعب والهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية دعوى استعجالية بالمحكمة الابتدائية بتونس موضع الطلب فيها تحجير دخول المدعو الإسرائيلي تونس. وقد نظر القاضي الاستعجالي “رحمة الزواري” في الدعوى بتاريخ 02-11-2018 وأصدر في ذات التاريخ قراره لفائدة الطلب.

بعد يوم من صدور الحكم القضائي، أصدرت قيادة الكشافة التونسية في موقف لافت بيانا “أكدت صلبه احترامها للمقرر القضائي والتزامها بمنطوقه” ووجهت صلبه تحية لخصومها في الدعوى “لتنبههم للأمر”. لا بل أنها عادت وأكدت على التزامها “بمناهضة التطبيع “وللقضية الفلسطينية” لافتة إلى أنها “لم توجه أي دعوة لطرف إسرائيلي ولكن لممثلي منظمات دينية كشفية معترف بها”.

يلاحظ هنا أن الكشافة التونسية بدت في خاتمة “النزاع القضائي مرحبة بالحكم الصادر بما قد يؤشر على كون شريكها هو من حاول دفعها باعتماد نفوذه أو دون علم منها بدقائق التفاصيل للانخراط في خط تطبيعي عادت لتؤكد رفضها له.

يكشف النظر في تعاطي المنظمة الكشفية التونسية عن كون جانب من مؤسسات المجتمع التونسي السياسي والمدني تخضع لضغوط إقليمية ودولية هامة غايتها فرض انخراطها في المشروع التطبيعي، وهي تجد فعليا صعوبة في مقاومة هذه الضغوط بفعل قوة مصدرها في مقابل هشاشتها[3]. ويؤشر التجاء القوى الوطنية والحقوقية للتقاضي كسبيل للتصدي لمحاولات التطبيع عن كونها وجدت في بعد القضاء عن الضغوط السياسية سببا في أن تطلب منه أن يستعمل استقلاليته في سياقات وطنية تحمي ثوابت الشعب التونسي كما ضبطها دستوره.

من جهة ثانية، يؤشر موقف القضاء في هذا النزاع[4] إلى تطور لتصور الوظيفة القضائية بتونس في اتجاه حماية القيم الدستورية المتمثلة كما جاء في مقدمته في “تقديس حق الشعوب في تقرير مصيرها” و”دعم حركات التحرر العادلة وفي مقدمتها حركة التحرر الفلسطيني و(مناهضة) كل أشكال الاحتلال والعنصرية”. ويؤسس الفعل القضائي الجديد لبناء تصور خاص للتقاضي بتونس، وجد سريعا صداه الدولي في ترحيب فلسطيني بدعم بات عزيزا في وقت سادت فيه قيم التطبيع[5] وبإدانة إسرائيلي[6] لخطوات أفراد ومحاكم تهدد ما تحلم به من تطبيع ثقافي واقتصادي، تقدر أنه سيحمي توسعها الاستيطاني ويئد القضية  الفلسطينية.

 


[1]  منظمة كشفية مقرها بالمملكة العربية السعودية

[2]  بلاغ اعلامي صدر عن الكشافة التونسية

[3]   ياسمين هاجر، تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في تونس: مطالبة شعبية يقابلها مماطلة سياسية ، المفكرة القانونية،    2018-02-23

[4]  قرار قضائي يأمر بإيقاف عرض الكاميرا الخفية “شالوم”: المقاصد الجميلة لا تحقق العدل، المفكرة القانونية، 30-05-2018

قرار قضائي في محكمة تونس: المقاطعة الثقافية ثابت وطني، المفكرة القانونية،  2017-06-12

[5]  حُكم بتونس يمنع دخول وفد إسرائيلي وحماس ترحب، موقع الجزيرة، 03-11-2018

[6]  موقع إسرائيلي يهاجم القضاء التونسي ويتهمه بـ”النازية”، وليد التليلي، 06-04-2018، موقع العربي الجديد

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية