حقوق بلا حدود


2020-12-15    |   

حقوق بلا حدود
صورة من مجلة فورين بوليسي

في سياق التعاون بين منظمتي دجوستيسيا والمفكرة القانونيّة، القائم على تبادل الخبرات والتجارب بين دول الجنوب، تنشر المفكرةعلى موقعها مقالات لكتّاب من دجوستيسيا تمت ترجمتها للغة العربية حول أمور مختلفة، تتناول إشكالات مشتركة (المحرر).

 

تنتهك مأساة النزوح القسري الحقوق الأساسية لأولئك الذين يضطرّون لترك أسرهم وبيوتهم وأعمالهم بحثاً عن طرق للصمود والاستمرار. لذلك من الإلزامي على الدول التي تستقبلهم أن تضع سياسات تضمن حياتهم وسلامتهم ولمّ شملهم مع عائلاتهم.

لا يكاد يمرّ يوم واحد من دون أن يعبر آلاف الفنزويلّيين إلى كولومبيا هرباً من الأزمة. ومن بين هؤلاء جوهان الذي كان يعمل مهندس اتصالات في شركة “فوميستار”، واليوم بعد ثلاثة أشهر في بوغوتا، ها هو يبيع الحلوى في ترانسميلينيو. في الوقت نفسه، تقوم صونيا بتنظيف المنازل في تكساس، بالولايات المتحدة، هي التي كانت تدير في ولاية تاموليباس بالمكسيك مطعمها الخاص. 

جوهان وصونيا هما اثنان من أصل 25.3 مليون شخص في العالم أجبروا، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على النزوح “بسبب الاضطهاد والنزاع والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان” واضطروا إلى عبور حدود بلدانهم بحثاً عن الحماية وفرص الصمود. جوهان مثلاً قرّر مغادرة بلده مخافة أن يعلق بسبب الإغلاق التام للحدود. فحياته تحوّلت إلى جحيم في فنزويلا بسبب العنف في الطرقات وقمع الاحتجاجات والانتهاكات المستمرّة لحرّية التعبير والحق في الصحة (نتيجة النقص في الغذاء والدواء). 

أما صونيا ففرّت من المكسيك بعدما تعرّضت للتعذيب والاعتداء الجنسي من قبَل عناصر الشرطة الذين اتّهمومها بالمشاركة في تهريب المخدرات لرفضها دفع رشوة. وبعد احتجازها لأكثر من عام، أعلن قاضٍ براءتها وأمر بفتح تحقيق ضد الشرطة. وكردّ على ذلك، تلقّت صونيا وعائلتها تهديدات فقرّرت عندها المغادرة إلى الولايات المتحدة. 

عادة ما لا يجد جميع الأشخاص الذين أجبروا على النزوح الاستجابة نفسها لاحتياجاتهم الإنسانية عند وصولهم إلى بلدان أخرى، بل يعتمد الاهتمام الذي يتلقونه على عوامل متعدّدة مثل: وجود السياسات والبرامج الخاصّة، وتوافر الموارد، وتجربة البلد في إدارة تدفقات الهجرة، والموقف السياسي للحكومة القائمة بشأن الهجرة.

وبالتالي، فور دخول صونيا الولايات المتحدة أوقفتها الشرطة واقتادتها إلى مركز للاحتجاز حيث احتجِزت 5 أشهر مع محدودية في استخدام وسائل الاتصال وفي عدد الزيارات. وفي تلك الفترة، قدّمت صونيا طلبها للحصول على اللجوء بدعم من منظمة “أميركان غايتويز” (American Gateways)، وهي باتت اليوم قادرة على البقاء في البلاد والعمل بشكل قانوني هناك.

أمّا بالنسبة لجوهان، فلدى عبوره الحدود سمح له موظّف الهجرة الكولومبي بالدخول “كسائح” لمدة 180 يوماً. ولا يعترف هذا النوع من التأشيرات بالوضع الإنساني الخطير للفنزويليين أمثال جوهان، ولا يسمح لهم بالعمل أو بالحصول على الخدمات الصحية (إلّا في حالات الطوارئ الطبية). وعلى الرّغم من أنّ مفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شجّعت الحكومات على اعتبار الفنزويليين الهاربين من الأزمة كلاجئين، كما ويمنح القانون الكولومبي وضع “لاجئ” لأيّ شخص أُجبر على مغادرة بلاده بسبب العنف المنتشر فيها أو لظروف أخرى “أدّت إلى زعزعة النظام العام بشكل خطير”، إلّا أنّ عوائق تتعلّق بالوقت وبالمعلومات تقف أمام الوصول إلى هذا الإجراء. فعلى سبيل المثال، لا يُسمح لمقدّمي الطلبات المحتملين بتقديم الطلب إلّا فور دخولهم أو في غضون الشهرين التاليين لذلك، وهو إطار زمني غير كافٍ نظراً للظروف التي يصلون فيها ولأولويّتهم التي تتمثّل في إيجاد المأوى والمأكل يومياً. وفي حالة جوهان، فإنّ أحداً لم يخبره عن إمكانية تقديم طلب لجوء في كولومبيا وقد انقضت بالفعل مدّة الشهرين من دون أن يقدّم طلبه.

تُظهر قصّتا جوهان وصونيا نوعين مختلفين من الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في عالمي الشمال والجنوب، كما تدلّان على الآثار (الإيجابية والسلبية) لهذه الاستجابات. وتُثير حالتا الولايات المتحدة وكولومبيا الاهتمام لتحليلهما في ضوء تجارب هاتين الدولتين مع تدفقات المهاجرين. فتاريخياً، كانت الولايات المتحدة الدولة المقصد الرئيسي للنازحين قسراً عبر الأميركيتين، ولديها نظام للهجرة مهيكَل ذي قنوات قضائية وإدارية للحصول على التأشيرات الإنسانية إلى جانب مجتمع مدني منظّم لتمثيل حقوق هؤلاء الأشخاص. وفي المقابل، كانت كولومبيا في الغالب بلداً يغادره الناس بفعل النزاع المسلح ولأسباب اقتصادية. وبالتالي، يعَد الدّفق الهائل للفنزويليين أولى أزمات الهجرة واسعة النطاق التي يتعيّن على الدولة الكولومبية الاستجابة لها. 

في الواقع، لدى الولايات المتحدة وكولومبيا الكثير لتتعلمانه من بعضهما البعض في ما خصّ سياسات الهجرة حتى يتمكّن من هم في وضع مشابه لجوهان وصونيا من الحصول على الحماية التي يحتاجونها. فعلى كولومبيا تعزيز قنوات المراقبة وتدابير نشر المعلومات لديها كي تتمكّن من توفير استجابة سريعة وواضحة ومرنة. وكمثال على هذه الجهود إصدار تصريح إقامة خاص بالفنزويليين الذين دخلوا البلاد بشكل قانوني، يوفّر لهم أذون عمل. كذلك، ينبغي على المجتمع المدني توفير المساحات للنقاش بشأن سياسات الهجرة واتّخاذ إجراءات المساعدة القانونية والإنسانية التي تستهدف هؤلاء الأشخاص.

أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، فينبغي عليها أن تعيد النظر في استخدام الاحتجاز كوسيلة للسيطرة على الهجرة، إذ أنّ ذلك لا يعتبر انتهاكاً للحق في الحرّية فحسب، بل له آثار خطيرة على الصحة البدنية والعقلية لمن يبحثون عن الحماية. إلى ذلك، ينبغي لإصلاحات سياسة الهجرة أن تكون جزءاً من قرارات الدولة وليس مجرّد قرار تتّخذه الحكومة القائمة. ونظراً للآثار الخطيرة للتدابير المتّخّذة، كتعليق برنامج اللاجئين من قبل إدارة ترامب مؤخراً، من الضروري أن تؤخذ العوامل غير السياسية في الاعتبار عند اتخاذ القرارات.

تنتهك مأساة النزوح القسري الحقوق الأساسية لأمثال جوهان وصونيا الذين يضطرون لترك أسرهم وبيوتهم وأعمالهم بحثاً عن طرق للصمود والاستمرار. لذلك من الإلزامي على الدول التي تستقبلهم أن تضع سياسات تضمن حياتهم وسلامتهم ولمّ شملهم مع عائلاتهم. وختاماً، على الدول أن تتذكّر أنّ حقوق الإنسان لا تضيع عند عبور الحدود.

 

*  لوسيا راميريز هي باحثة في مركز دراسة القانون والعدالة والمجتمع (ديجوستيسيا- Dejusticia).

يشار إلى أنّ القصص الواردة في هذه المدوّنة هي نتاج مقابلات أجرتها الكاتبة في سياق عملها كباحثة في مركز ديجوستيسيا (كولومبيا) وكمساعدة قانونية في منظمة أميركان غايتويز-American Gateways (الولايات المتحدة).

انشر المقال

متوفر من خلال:

أميركا الجنوبية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في السكن ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تشريعات وقوانين ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حرية التنقل ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، منظمات دولية



لتعليقاتكم