حرب على القضاء، وأسئلة مشروعة حول طرق المواجهة


2013-05-29    |   

حرب على القضاء، وأسئلة مشروعة حول طرق المواجهة

تعرض منزل أحد القضاة التونسيين ليلة 27 ماي 2013 لمحاولة حرق بعدما أضرم مجهولون النار ببابه الخارجي وكادت النيران أن تلتهم المحل لولا تدخل الأجوار الذين أخمدوا الحريق. ورغم أن الأبحاث ما زالت في بداياتها، فقد ربط متابعون بين الواقعة والتهديدات التي وصلت لمجموعة من القضاة مؤخرا والإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها في محيط قصر العدالة بالمحكمة الابتدائية بتونس خلال الأسبوع الفائت. اذ ومنذ بداية شهر ماي 2013 ورسائل التهديد تتوالى على القضاة. ورغم أن الرسائل الأولى كان من جهات مجهولة على الساحة، فان الأمر اتخذ طابعا أكثر جدية بعدما أضحت التهديدات تصل الى القضاة الذين يتعهدون بقضايا توصف بالإرهابية ولها علاقة بالعنف السلفي. وبعدما كان الأمر تهديدا لأشخاص القضاة كشفت جملة من الاجراءات اتخذتها مصالح الأمن بمحيط قصر العدالة بالعاصمة على أن التهديدات باتت تستهدف مقرات المحاكم.   
ينتهي الربط بين جملة الأحداث المتسارعة والمتلاحقة زمنيا الى تعزيز الفرضية في كون المجموعات السلفية والتي تتبنى العنف السياسي كأسلوب في التعبير عن مشروعها هي مصدر الخطر الذي يهدد المحاكم والقضاة في أشخاصهم وأسرهم.
تبدو فكرة الخطر الأمني غريبة عن الأسرة القضائية ويبرز ذلك في الغياب السابق لأي إجراءات أمنية في محيط المحاكم وداخلها باستثناء ذلك الذي يلزم لتسيير عمل المرفق. ويبدو الهاجس الأمني في محيط المحكمة متجها نحو التطور فقد كانت البداية برسائل مجهولة المصدر شكك البعض في جديتها وتعاملت معها السلطة بمقاييس متباينة اذ اعتمدت الأهمية الاجتماعية للشخص المستهدف في تقدير التدخل من عدمه فتولت الاهتمام بالتهديد الذي استهدف رئيسة جمعية القضاة ووفرت لها مرافقة أمنية دائمة فيما تجاهلت بقية من تلقوا التهديدات ولم تتدخل لحماية أمنهم. وأضحى التهديد لاحقا أكثر جدية فلم تصل رسائل ولم نسمع خطبا تهدد ولكن الأمن استشعر الخطر على قصر العدالة بتونس وتم الأسبوع الفائت منع وقوف السيارات بمحيط المحكمة وتم اخضاع الذين يدخلونها لمراقبة أمنية وهو أمر يؤشر الى تطور مستوى الخطر.
ويهدد حديث العنف السياسي في محيط المحاكم وعالم القضاة وأسرهم بإدخال تغييرات جوهرية في منظومة العدالة التونسية ويجعل القضاء موضوعا للتجاذب بين توجهات تستهدف خصوصيته. فقد يؤدي الخوف من الاستهداف وجدية التهديد به ومدى هذا التهديد المتسع والذي يتجاوز القاضي ليشمل أفراد أسرته إلى إعادة إنتاج منظومة الخوف في الذهنية القضائية مع ما قد يستتبع ذلك من إخلال في ممارسة الوظيفة القضائية. وهو أمر يستوجب جدية التعاطي مع التهديدات في اتجاه ضمان أكبر قدر من الأمن للعاملين بالمحاكم والقضاة وأسرهم خصوصا منهم أولئك الذين يباشرون القضايا التي تتعلق بالجماعات التي تتهم بالعنف السياسي. وفي مقابل وجوب الأمن يبدو دخول اعتبار الحراسات والمرافقات الأمنية وعسكرة المحاكم عاملا قد يفسد الصورة الايجابية للقضاء فيما يتعلق ببساطة تعاطي القضاة في شأن حياتهم وبعيدا عن المظاهر المرافقة عادة للسلطة. ويخشى أن تتحول الحماية من التهديد على أهميتها الى عنوان يؤدي الى ابراز هذه المظاهر مع ما يستتبعها من تصورات لدى العامة تعمق المسافة بينهم وبين القضاء. وليس مستبعدا أن يستهوي بعض القضاة هذه المخاطر ويسعون الى الاستفادة منها لجني مزايا ملازمة للسلطة بمعناها السلطوي، عنوانها التمتع بالحراسة والمرافقين.
قد يهدف استعمال العنف السياسي ضد القضاء الى النيل من الحلقة الأضعف في نسق السلطة لتغيير سلوكها بما يخدم فكرة اسقاط الدولة. غير أن حلول التعامل مع هذه الحرب الخاصة قد لا تكون واضحة ومعلومة لصعوبة التعاطي معها والحاجة لبحث هادئ غايته ضمان الأمن من دون السقوط في الهوس الأمني.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، استقلال القضاء ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية