تفعيل متردد للفصل 80 من الدستور خلال أزمة كورونا: ليست كل وضعية استثنائية “حالة استثناء”


2020-06-27    |   

تفعيل متردد للفصل 80 من الدستور خلال أزمة كورونا: ليست كل وضعية استثنائية “حالة استثناء”

طرح التفشي السريع لجائحة كورونا تحديات غير مسبوقة على معظم دول العالم. فقد اضطرّ جلها إلى اتّخاذ إجراءات تحدّ بشكل كبير من الحريات الفردية كغلق الحدود وإعلان الحجر الصحي العام، وإصدار تشريعات جديدة سعيا للسيطرة على تفشي الفيروس والحدّ من آثاره الإقتصادية والإجتماعية. لجأت جلّ الدول إلى إعلان “حالة طوارئ صحية” تمنح صلاحيات إستثنائية للسلطة التنفيذية لمجابهة الفيروس. أما في تونس، فقد اتخذت معظم الإجراءات الجديدة شكل مراسيم أصدرها رئيس الحكومة بناء على تفويض من مجلس نواب الشعب طبق الفصل 70 من الدستور. لكن، قبل ذلك، أعلن رئيس الجمهورية الحجر الصحّي العام وحظر التّجول ليلا عبر أوامر رئاسية استند فيها للفصل 80 من الدستور الذي ينظم حالة الإستثناء.

أثار هذا الاستناد جدلا قانونيا حول مدى توفر شروط تفعيل الفصل 80 من الدستور، خصوصا في غياب المحكمة الدستورية المؤهلة للبت في تواصلها بعد مرور شهر من إعلانها، وتعارض حالة الإستثناء، بما تفترضه من تركيز السلطة في يدي رئيس الجمهورية، مع طلب الحكومة تفويضا برلمانيا لإصدار مراسيم. غير أن الأخطر من ذلك هو التطبيع مع حالة الإستثناء، واعتبار الفصل 80 نافذة متاحة للتوسيع في صلاحيات رئيس الجمهورية كلما طرأ ظرف استثنائي. إذ أنه على خلاف حالة الطوارئ التي يقتصر أثرها على منح صلاحيات أكثر للسلطة التنفيذية للحدّ من بعض الحقوق والحريات، فإن تفعيل حالة الإستثناء يعني وضع كل المنظومة الدستورية والقانونية بين قوسين حتى العودة للحالة العادية.

عدم ملاءمة الإطار القانوني الموجود لمجابهة الكورونا

منذ تسجيل أول حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 في مطلع شهر مارس، بدأ النقاش حول مدى ملاءمة الإطار القانوني الموجود لمتطلبات مكافحة انتشار الفيروس، وبالتحديد لإجبار المسافرين الوافدين على تونس بالإلتزام بالحجر الصحي الذاتي، خصوصا في غياب قانون ينظم حالة الطوارئ الصحية. 

فمن جهة أولى، لم يتطرق القانون عدد 63 المؤرخ في 22 جويلية 1991 المتعلّق بالتنظيم الصحي إلى الوضعيات الإستثنائية. أما القانون عدد 72 المؤرخ في 27 جويلية 1992 والمتعلق بالأمراض السارية، ورغم صدور أمر حكومي يصنف فيروس كوفيد 19 ضمن الأمراض السارية على معنى هذا القانون، فإنه لا يبدو هو الآخر متناسبا مع خطر التفشي السريع للكورونا وضرورة اتخاذ إجراءات إحترازية ذات نطاق واسع للتصدي له. فالإجراءات الوقائية التي يتيحها لا تنطبق سوى على المصابين بمرض سارٍ، لا على كل من يشتبه في إصابته. كما أن قرارات الإستشفاء الوجوبي لغرض العزل الاتّقائي، التي يصدرها القضاء استعجاليا بطلب من وزير الصحة، لا تشمل الحجر في فضاءات غير الهياكل الصحية العمومية. وقد صيغ هذا القانون آنذاك خصيصا لمناهضة فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز/السيدا) والأمراض المنقولة جنسيا، دون أن يميزها عن باقي الأمراض السارية وذلك إلتزاما بتوصيات منظمة الصحة العالمية لتجنّب المساهمة تشريعيا في وصم المصابين بها[1]، وهو ما يجعله، رغم تصنيف فيروس كوفيد 19 ضمن الأمراض السارية، غير كافٍ لمجابهته.

أمام هذا النقص، دعت بعض الأصوات، من بينها رئيس لجنة الصحة في البرلمان خالد الكريشي، إلى استعمال الأمر المنظم لحالة الطوارئ لإجبار المسافرين الوافدين إلى تونس على الالتزام بالحجر الصحي الذاتي، وذلك باستصدار قرارات في الإقامة الجبرية ضدهم. لكن، رغم أن حالة الطوارئ تتيح للسلطة التنفيذية اتخاذ اجراءات قد تبدو صالحة لمقاومة الكورونا من قبيل حظر الجولان والإقامة الجبرية والتسخير، يصعب اعتبار الأمر 50 لسنة 1978 أساسا قانونيا صالحا لهذا الظرف. إذ تطغى على هذا النص مقاربة أمنية وردعية بحتة، تمنح الصلاحيات لوزارة الداخلية وللولاة، ولا تتناسب مع استراتيجيا وقائية تقودها وزارة الصحة. كما أن تطبيق حالة الطوارئ دون انقطاع منذ الهجوم الإرهابي في شارع محمد الخامس سنة 2015، وما آل إليه توظيفها من قبل حكومة يوسف الشاهد في «حربها على الفساد» أظهر حدود التوسع في استعمال الصلاحيات التي تتيحها حالة الطوارئ لأهداف لا تتعلق بالنظام العام. وبصرف النظر عن مدى جواز اعتبار انتشار فيروس كورونا كحدث «يكتسي بخطورته صبغة كارثة عامة»، مثلما ينص الفصل الأول من أمر 1978، فإن الإشكال الأهم مع هذا الأمر هو عدم دستوريته التي سبق وأن صرحت بها المحكمة الإدارية في قرارات عدة ألغت اجراءات اتخذت بالإستناد عليه[2].

ورغم إيداع مشروع قانون ينظم حالة الطوارئ منذ نهاية سنة 2018، وانتهاء لجنة الحقوق والحريات من مناقشته في شهر ماي 2019، لا يزال مشروع القانون عالقا في رفوف البرلمان دون أن تظهر أي نية للتصويت عليه في الجلسة العامة[3]، لتبقى حالة الطوارئ منظمة بأساس قانوني هش، غير دستوري ويفتقر لأبسط ضمانات الحقوق والحريات. صحيح أن مشروع القانون حافظ على نفس المقاربة الأمنية لحالة الطوارئ، أي أنه لا يشمل مبدئيا حالات الطوارئ الصحية، لكن النقاش أثير داخل اللجنة وكان بالإمكان استئنافه في الجلسة العامة.

هل كانت حالة الإستثناء الخيار الوحيد الممكن؟

أمام سرعة انتشار الوباء في العالم وخصوصا في أوروبا، ومع ظهور حالات عدوى محلية في تونس، بدأ الحديث عن المرور استباقيا إلى المرحلة الوبائية الثالثة وإعلان حجر صحي شامل. جاء الإعلان في خطاب لرئيس الجمهورية يوم 20 مارس، بعد استشارة رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة. ولئن كانت هذه الإستشارة من بين الشكليات التي يشترطها الفصل 80 من الدستور، لم يعلن رئيس الجمهورية بصراحة ووضوح تفعيل حالة الإستثناء. وإنما استنتجنا ذلك من الأمرين الرئاسيين الذين صدرا يومي 18 و22 مارس، الأول يتعلق بمنع الجولان في كامل تراب الجمهورية، والثاني بتحديد الجولان والتجمعات خارج أوقات منع الجولان، أي الحجر الصحي الشامل. فقد استند هذان الأمران في اطلاعاتهما إلى «الدستور وخاصة الفصل 80 منه».

وبقطع النظر عن جدوى هذه الإجراءات ودورها في السيطرة على تفشي الفيروس، فإن اتخاذها بالاستناد إلى حالة الإستثناء يطرح أكثر من سؤال. فرغم أن عددا مهما من الدول استوحت، كما المؤسس التونسي، حالة الإستثناء من الفصل 16 من الدستور الفرنسي، لم تلجأ هذه الدول لتفعيلها خلال أزمة الكورونا، حتى تلك التي أقرت حجرا صحيا شاملا[4]. فرغم أن حالة الإستثناء تصنّف ضمن «سلطات الأزمة» شأنها شأن حالة الطوارئ وحالة الحصار، فهي تعدّ أشدها شروطا وآثارا. فهي تقتضي «خطرا داهما يهدد كيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة»، وتسمح مبدئيا عند تفعيلها بتعليق النظام الدستوري وتركيز كل السلطة بيدي رئيس الجمهورية. لذلك وصفت بالدكتاتورية المؤقتة، بل أن فيلسوف القانون الألماني كارل شميت يعتبر أن «الحاكم السيّد هو الذي يقرر في حالة الإستثناء».

إن تفعيل حالة الإستثناء يجب أن يكون الملاذ الأخير الذي لا يتم اللجوء إليه إلا في صورة تعطل كل الوسائل الأخرى لمجابهة الخطر. فإذا سلمنا أن الإطار القانوني الموجود لم يكن صالحا لاتخاذ هذا الإجراء، ألم يكن بالإمكان التفكير، منذ بداية الأزمة، في مبادرة تشريعية تحظى باستعجال النظر، لتنظيم الحجر الصحي العام وضبط كيفية إقراره وجزاء عدم الإلتزام به؟ فإجراء من هذا النوع يدخل ضمن مجال القانون حسب الفصلين 49 و65 من الدستور طالما أنه يحدّ من الحقوق والحريات بهدف حماية الصحة العامة. وإذا كانت حالة الإستثناء تتيح لرئيس الجمهورية التدخل في مجال القانون، فإن تفعيلها في الوقت الذي كانت الحكومة تستعد فيه لطلب تفويض من مجلس نواب الشعب لإصدار مراسيم غير مفهوم. إذ أن استعجالية الإجراء لا تبرر تفعيل الفصل 80 لأخذه، بل كان من الممكن التعجيل بطلب التفويض، والضغط على مجلس النواب من أجل التسريع في التصويت عليه، عوض الذهاب للحل الأقصى بتفعيل حالة الإستثناء.

عودة الخلط بين حالة الطوارئ وحالة الإستثناء

لقد أدى إقرار الحجر الصحي العام بهذا الشكل إلى ضبابية دستورية، إذ لم يكن واضحا إن كنا تحت حالة الإستثناء، خصوصا وأن رئيس الجمهورية اكتفى بإجراءيْ منع الجولان والحجر الصحي العام، وترك التدابير الأخرى لمجابهة الوباء للمراسيم والأوامر الحكومية.

بل أن الأمريْن اللذين صدرا تطبيقا لحالة الإستثناء لم يتضمنا عقوبة لعدم احترامهما. فكانت النتيجة لجوء السلطة القضائية إلى معاقبة المخالفين بتهمة مخالفة حالة الطوارئ وتطبيق العقوبة المنصوص عليها في الأمر عدد 50 لسنة 1978 المنظم لحالة الطوارئ في مخالفة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات[5]. تداركت الحكومة الأمر فيما بعد بإصدار مرسوم في 17 أفريل يضبط الأحكام الزجرية المنطبقة على مخالفة منع الجولان وتحديده والحجر الصحي الشامل[6].

هذا الخلط بين حالة الطوارئ وحالة الإستثناء ليس جديدا في تونس. فأمر 1978 نفسه استند في إطلاعاته إلى الفصل 46 من دستور 1959 الذي كان ينظم حالة الاستثناء. كما استندت أوامر إعلان حالة الطوارئ والتمديد فيها سنة 2015 و2016 إلى الفصل 80 من الدستور، قبل أن يتم تدارك الأمر منذ الأمر المؤرخ في 19 جويلية 2016 ويصبح الفصل 77 الذي يضبط صلاحيات رئيس الجمهورية هو الأساس الدستوري لإعلان حالة الطوارئ. وكأن التقاليد القانونية التونسية تأبى أن تميّز بين حالة الطوارئ وحالة الإستثناء، وأن تعي خطورة هذه الأخيرة وما تعنيه من تعليق لكل النظام الدستوري.

خطورة التطبيع مع حالة الإستثناء

لقد شهدت العشريتان الأخيرتان توجها عالميا لإقحام الصلاحيات الإستثنائية في القوانين الدائمة، وتطبيقها دون الكلفة السياسية لإعلان حالة الطوارئ، حتى في بعض الديمقراطيات الليبرالية. وقد نبّه العديد من المفكرين، كالإيطالي جورجيو أغامبين، لخطورة ذلك. في تونس، وبعد أكثر من أربع سنوات من تطبيق مستمر لحالة الطوارئ، اقترح رئيس الجمهورية قبل أسابيع من أزمة الكورونا فكرة إقحام بعض صلاحيات حالة الطوارئ ضمن التدابير العادية للإستعاضة عن التمديد فيها[7].

تفعيل الفصل 80 بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام خطر أكبر، وهو التطبيع مع حالة الإستثناء. أي أن يتحول الفصل 80 إلى نافذة أمام رئيس الجمهورية للتوسيع في صلاحياته كلما كان هناك ظرف إستثنائي. وما يزيد في خطورة الأمر هو غياب المحكمة الدستورية: فهي الوحيدة التي لها صلاحية البت في مدى استمرار حالة الإستثناء بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 نائبا. كما أنها الوحيدة التي يمكنها إعفاؤه من أجل الخرق الجسيم للدستور، بعد تصويت أغلبية الثلثين في البرلمان، وامكانية إعفاء رئيس الجمهورية تمثل ضمانة أساسية لعدم الإنحراف بحالة الاستثناء حتى في فرنسا حسب ميشيل تروبر[8].

لا ندري إن كان التطبيق الخجول للفصل 80 من قبل رئيس الجمهورية مرده فهم خاطئ لمقتضياته أم الحذر من تفعيله في غياب المحكمة الدستورية، لكن قد يكون له أثر عكسي، وهو تبسيط اللجوء إلى هذا الفصل الخطير والتطبيع معه، حتى إذا لم تظهر عوالم أي نية خبيثة لرئيس الجمهورية لاستغلال أزمة الكورونا من أجل الإنقلاب على الديمقراطية.

ما من شك أن أزمة تفشي وباء الكورونا استثنائية بكل المقاييس، وأنها فاجأت كل دول العالم واضطرّتها لاتخاذ إجراءات غير مسبوقة. لكن هذا لا يكفي لتبرير اللجوء إلى حالة الإستثناء، خصوصا في غياب الضمانة الدستورية الوحيدة أمام الإنحراف بها، وهي المحكمة الدستورية. ففي غياب هذه المؤسسة المحورية في النظام الديمقراطي، ومع ضيق صلاحيات الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وضعف ضمانات استقلاليتها، ينبغي البحث عن أكبر قدر من وضوح الرؤية الدستورية وتجنّب كلّ ما من شأنه أن يثير الشكوك والمخاوف، خصوصا من طرف رئيس الجمهورية الذي ينيط به الدستور مهمة السهر على احترامه.

  • نشر هذا المقال في الملحق الخاص بالعدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة الملحق اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورونا غزوة مرعبة بأسئلة كثيرة

  •  لقراءة العدد 18 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

التعليم، قلعة تونس المتصدعة


[1] حسب دراسة للجمعية التونسية للدفاع على الحريات الفردية حول الجوانب القانونية لفيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيا، قدمت لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بمناسبة الاستعراض الدولي الشامل لتونس، الدورة الثالثة عشر، ماي 2012. 

[2] عماد غابري، رقابة القاضي الإداري على التدابير الاحترازية الأمنيّة في تونس، نشر في موقع المفكرة القانونية، ماي 2019.

[3] مهدي العش، تمديد جديد في حالة الطوارئ في تونس: عندما يصبح الوقتي دائما والاستثناء قاعدة، نشر في موقع المفكرة القانونية، فيفري 2020.

[4] International center for non-for-profit law, COVID-19 Civic Freedom Tracker.

[5] محمد العفيف الجعيدي، محاكمات الحجر الصحي في تونس: تشدد قضائي حيث وجب الحذر وعقوبة من دون نص، نشر في موقع المفكرة القانونية، مارس 2020.

[6] مرسوم من رئيس الحكومة عدد 9 لسنة 2020 مؤرخ في 17 أفريل 2020 يتعلق بزجر مخالفة منع الجولان وتحديده والحجر الصحي الشامل والتدابير الخاصة بالأشخاص المصابين أو المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا كوفيد – 19″

[7] مهدي العش، تمديد جديد في حالة الطوارئ في تونس: عندما يصبح الوقتي دائما والاستثناء قاعدة، نشر في موقع المفكرة القانونية، فيفري 2020.

[8] Michel Troper, L’état d’exception n’a rien d’exceptionnel, in Droits et culture, Mélanges offerts au Doyen Yadh Ben Achour”, CPU, 2008, p. 1150

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *