تعميم إلى مستشفيات لبنان: حقّ المدمن بالحياة أولى من مكافحة المخدرات


2017-01-11    |   

تعميم إلى مستشفيات لبنان: حقّ المدمن بالحياة أولى من مكافحة المخدرات

تزين لوحات رسمها “ساري” الجدار المؤدي إلى المقهى، حيث حُدّد اللقاء معه. إلى جانب الرسم، يهوى الشاب العشريني الكتابة، ومنها يعتاش. هو يعمل لدى شركة لإنتاج سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية. وقد كتب أيضاً إلى جانب مجموعة من الشباب عملاً مسرحياً شارك بالتمثيل فيه.

نجا ساري من الموت مراراً. هو لا يقول ذلك تحديداً، بل يكتفي بإخبارك: “المرات الخمس التي تعرضت فيها لجرعة زائدة، لم يتم نقلي إلى المستشفى خوفاً من الملاحقة”. والحال أن الجرعة الزائدة (أو “الأوفردوز” كما يعرف في رطانة عالم المخدرات) تختلف بوقعها بين مرة وأخرى تبعاً للعديد من العناصر الأخرى المحيطة بها، مثل سرعة الإسعاف وكيفية الإسعاف (إسعاف ذاتي، مستشفى إلخ). المرة الأسوأ التي اختبرها ساري بقي فيها “حوالي 12 دقيقة شبه ميت” وفقاً لما أخبره إياه أصدقاؤه لاحقاً. هو لا يلوم من تواجد معه حينها واكتفى بالأساليب التقليدية – مثل حقن المياه والملح – لإنقاذه من دون إقتياده إلى أي مستشفى. فالإمتناع عن نقل شخص تحت تأثير جرعة زائدة الى المستشفى هو “أمر محسوم” بحسب ساري. علماً أنه نفسه التزم بذلك تجاه أصدقائه، وكأن ثمة اتفاقاً ضمنياً فيما بينهم على ذلك. مرة وحيدة شكلت إستثناءً، وقتها “نقلنا فيها صديقاً إلى المستشفى بعدما فشلت كل محاولاتنا لإعادته إلى وعيه. وقد استخدمنا لذلك حقن المياه والملح وصولاً إلى (دوش) مياه باردة”. يسارع ساري إلى توضيح اللبس الذي يمكن أن يتركه هذا الإستثناء في ذهن من يستمع لقصته: “تركناه أمام الباب وفررنا هرباً”. يردف: “علمنا أنه بعد تلقيه العلاج اللازم، تم نقله إلى مخفر حبيش لا سيما أن المستشفى [وهي إحدى أكبر مستشفيات بيروت] سارعت إلى الإتصال بالدرك مباشرةً”. هذه القصة تحديداً حصلت منذ أكثر من عشر سنوات، لكن قصصاً مماثلة لا تزال تتكرر حتى اليوم. وعلى الرغم من إقلاع ساري عن تعاطي المخدرات منذ حوالي الخمس سنوات، إلا أنه لا يزال يمتنع عن اللجوء إلى المستشفى لإنقاذ أي شخص يتعرض لأوفردوز “خوفاً من أي ملاحقة لا سيما أن سجله مليء بملاحقات وتوقيفات و”أسبقيات” على خلفية التعاطي. الواقع هذا شديد الثقل على ساري الذي يجزم أنه “لو كانت المستشفيات أكثر أماناً لما خسرت الكثير من أصدقائي”.

للتعمق في هذا الموضوع، كان لا بد من لقاء مي الناشطة في قضايا الإدمان على المخدرات. الأخيرة تشرح أن هذا الأمر ناتج مباشرة عن انتشار ممارسة تقوم بها المستشفيات في لبنان، ومفادها إبلاغ الشرطة عن حالات إستهلاك المخدرات التي تصل إليها. تبادر مي، وهي كانت قبل سنوات عديدة تدمن الهيرويين، إلى مشاركة تجربتها الخاصة. الحادثة حصلت بينما كانت تتلقى العلاج في إحدى المستشفيات إثر تعرضها لأوفردز عندما دخل إلى غرفتها شخص يضع مسدساً على خصره. قال لي:”أتيت لأتأكد من وجودك هنا، عندما تخرجين ستذهبين مباشرةً إلى أم النور/ يشير إلى سلاحه لترهيبي/ يكمل الكلام: اذا اعترضت، لن تكوني سعيدة”.

هذه الممارسات التي تتعارض مباشرة مع حق الأفراد بالوصول إلى الرعاية الصحية، غير مسندة على أي نص قانوني. بل هي ناتجة عن فهم خاطئ لتعميم كانت قد أصدرته وزارة الصحة العامة في سنة 2006 تطلب فيه من المستشفيات إعلام قوى الأمن الداخلي عن الحوادث الطارئة المتأتية عن فعل الغير[1]. وقد استند التعميم آنذاك على المادة 400 من قانون العقوبات التي تعاقب “من قام حال مزاولته إحدى المهن الصحية باسعاف شخص يبدو أنه وقعت عليه جناية او جنحة تجوز ملاحقتها دون شكوى ولم ينبئ السلطة بها…”. وفي إثر اعتراض كثيرين، بالأخص جمعيتي سكون والمفكرة القانونية، على هذا التعميم لمساسه بالحقوق الأساسية لا سيما الحق بالحياة، أصدر مدير عام وزارة الصحة العامة تعميماً جديداً في آذار 2016 ذكّر فيه بذاك الصادر عام 2006، موضحاً أنه لا يشمل حالات الادمان والجرعة المفرطة. لكن على الرغم من صدور هذا التعميم لا تزال تستمر أغلب المستشفيات في لبنان في إتباع سياستها القديمة والآيلة الى إبلاغ أقرب مركز للشرطة عن حالات إستهلاك المخدرات والأوفردوز التي تستقبلها، وذلك وفقاً لما بينته دراسة أجرتها جمعية “سكون” هذا العام.

60% من المستشفيات لا تزال تبلغ

تحت عنوان “عدم تجريم الجرعة الزائدة واستقبالها في المستشفيات” عقدت جمعية سكون مؤتمراً يوم الجمعة في 25/11/2016، أطلقت خلاله نتائج دراستها حول مدى التزام المستشفيات بالتعميم الصادر عن وزارة الصحة من جهة، ومدى ثقة الأشخاص الذين يتعاطون مخدرات باللجوء إلى المستشفيات في حالات الجرعات الزائدة من جهة أخرى. وتناولت الدراسة على المستوى الأول عينة من 122 مستشفى أما على المستوى الثاني فعينة من 300 شخص يتعاطون المخدرات. وتبين أن 57% من الأشخاص الذين تعرضوا لجرعة زائدة للمرة الأولى لم يذهبوا الى المستشفى. كما تبين أن 50% من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم يعرفون شخصاً توفي في إثر جرعة زائدة. هذا الأمر يصبح أكثر وضوحاً في ظل ما أظهرته الدراسة إزاء المستشفيات حيث تبين أن 60% منها لا يزال يبلغ الشرطة عن حالات إستهلاك المخدرات التي تصله. وفيما أن القسم الأكبر منها يبرر ذلك بعدم استلامه تعميم وزارة الصحة الأخير، يصرح قسم آخر بأنه تم إلزامه بذلك من قبل قوى الامن الداخلي أو بأنه يعتبر الأوفردوز محاولة انتحار.

حاولت المفكرة القانونية التواصل مع عدد من المستشفيات التي شملتها الدراسة من أجل الإستماع الى وجهة نظرهم ومناقشتهم بهذا الموضوع. إلا أن محاولاتها تلك اصطدمت بعدم تجاوب المستشفيات المعنية. الإستثناء الوحيد كانت مستشفى الجعيتاوي حيث أشارت موظفة في تصريح غير رسمي إلى أن المستشفى توقفت عن التبليغ منذ أشهر بعد علمها بالتعميم. وكانت الأخيرة قد أجابت في دراسة سكون أنها تقوم بالتبليغ بسبب عدم استلامها للتعميم.

تذليل الإلتباسات: الإدمان ليس جريمة

خلال المؤتمر المذكور أعلاه، ألقت منسقة سياسة المخدرات في سكون ساندي متيرك، الضوء على مجموعة ملاحظات توقفت عندها الدراسة، أبرزها حديث المستشفيات عن غياب الحماية القانونية لطاقمها والعاملين فيها في حال استدعائهم من قبل القوى الأمنية متى امتنعوا عن التبليغ. وهذه المخاوف تبرز الهوة الكبيرة بين واقع القانون وكيفية فهمه من قبل المستشفيات والقوى الأمنية على حد سواء. ف “القانون، بوضعه الراهن، يلزم الطبيب بعدم التبليغ خلافاً لما يقال”، يوضح المحامي كريم نمور خلال المؤتمر عينه، مضيفاً أن قانون الآداب الطبية يمنع صراحة الطبيب من الإبلاغ عن مريض اعترف له بارتكاب جرم، مع الإشارة إلى أن الإدمان بحد ذاته “ليس جرماً وفقاً لمفهوم المادة 127 من قانون المخدرات التي تنص على توفر عنصرين للجرم: الادمان ورفض العلاج” وتاليا لا يمكن اعتباره كذلك لمن يلجأ إلى المستشفى طلبا للعلاج. هذا فضلاً عن أن المادة 579 من قانون العقوبات، “تعاقب كل شخص كشف خلال ممارسته لمهنته جرماً وأفصح عنه من دون سبب شرعي”. أما المادة 400 المشار إليها أعلاه فهي طبعا لا تنطبق، طالما أن فعل الإدمان هو فعل يرتكبه شخص على نفسه من دون تدخل من الغير,

على الرغم من كل ذلك، يجد العماد فؤاد حميد الخوري أنه “على المستشفيات الإفادة عن وجود متعاطين بما يصب في مصلحة المجتمع بالوصول إلى المروجين والتجار”. وهذا التصريح إنما يبرز مستوى آخر من الثغرات في معايير التعامل مع الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات، قوامه وفق نمّور خلل في تحديد الأولويات: “حرب الدولة على المخدرات أم الحق بالحياة؟” ويلفت نمور الى وجود خطر فعلي ينتج عن استخدام الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات كجسر عبور نحو المروجين والتجار. فـ”عملياً، تتم استخدام كل الوسائل بوجه المتعاطي للحصول على معلومات منه”.

تجربة ساري خلال توقيفه تؤكد ذلك. وفقاً له “أكثر ما يُسأل عنه الشخص خلال التوقيف هم التجار [2]والمروجون والمتعاطون الآخرون، وكل ذلك تحت الضغط والترهيب”. بالمقابل، لا يُسأل اذا كان يود الخضوع لعلاج. فحتى خلال مثوله أمام قاضي التحقيق وطلب تحويله إلى مركز علاج بدلاً من الملاحقة، ردّ القاضي على ساري قائلاً: “لا أستطيع ان أفعل شيئا، اطلب من عائلتك أن تبحث لك عن مركز للعلاج”.

في النهاية أرسل ساري إلى السجن، حيث استمر “لسنة كاملة بتهمة تعاطي الهيرويين”. بعد ذلك تمكن من الخضوع لإعادة تأهيل في إطار برنامج تنظمه جمعية عدل ورحمة العاملة في السجون. نجاة ساري في نهاية المطاف ارتبطت بجهود جمعية مدنية. أما إجراءات الدولة والمستشفيات، فما كانت إلا مجموعة من المخاطر المتكررة التي نجا منها مصادفة بينما سقط بسببها كثيرون. فداحة هذا الواقع تبرزه الإحصاءات التي تصدرها المديرية العامة لقوى الامن الداخلي والتي تظهر أن معدل 3000 شخص يتم توقيفهم سنوياً بتهمة تعاطي المخدرات، فيما لم يتم تحويل إلا 2% منهم فقط الى لجنة مكافحة الادمان بحسب إحصاءات المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته.

بناءً لطلبهما، أسماء ساري ومي هي أسماء مستعارة.

 


[1]  يراجع كريم نمور، “مأسسة الأوفردوز في حالات الإدمان: عندما يصطدم الحق في الحياة بحرب الدولة على المخدرات“، العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية.
[2]  كريم نمور، “العلاج في قضايا الإدمان على المخدرات لا يزال معطّلاً وملاحقة الأشخاص المدمنين مستمرة“، العدد السادس و العشرون من مجلة المفكرة القانونية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية