تشكيلُ المحكمةِ الدستوريّة الفلسطينيّة، خروجٌ من الأزمة الدستوريّة أم تعميقٌ لها؟


2016-04-27    |   

تشكيلُ المحكمةِ الدستوريّة الفلسطينيّة، خروجٌ من الأزمة الدستوريّة أم تعميقٌ لها؟

أثار مرسوم رئاسي صادر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتشكيل المحكمة الدستورية الفلسطينية عاصفة من ردود الفعل المعارضة عبّر عنها طيف واسع من مؤسسات المجتمع المدني المشتغلة بالحقل القانوني في فلسطين. وجاء هذا التشكيل بعدما يناهز عشر سنوات من إصدار المجلس التشريعي الفلسطيني لقانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006، حيث كانت تنعقد المحكمة العليا الفلسطينية قبل هذا التشكيل بصفة مؤقتة للنظر في الطعون الدستورية بمقتضى المادة 104 من القانون الأساسي الفلسطينية المعدل لسنة 2003.
ويكتسب تشكيل المحكمة الدستورية في الوقت الذي صدر فيه أهمية خاصة نظرا للأزمة الدستورية التي تعاني منها الحالة الفلسطينية في ظل تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني عن العمل منذ العام 2006، وقيام الرئيس الفلسطيني باستخدام صلاحيته المؤقتة بمقتضى المادة 43 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 التي أعطت الرئيس صلاحية إصدار قرارات لها قوة القانون في غير حالات انعقاد المجلس التشريعي إذا استدعى ذلك حالة ضرورة لا تحتمل التأخير.
كما أنّ المحكمة الدستورية ستكون أمام استحقاقات صعبة أهمها البتّ في مسألة رفع الحصانة البرلمانية عن نواب المجلس التشريعي، لاسيما أنّ هذه المسألة أثارت جدلا عاصفا في ظل قيام النيابة العامة بتصدير مذكرة إحضار للنائبة نجاة أبو بكر على خلفية تصريحات أدلت بها، وكذلك في ظل قيام محكمة جرائم الفساد بوقف التعقبات النائب محمد دحلان من التهم الموجهة له باعتبار أنّ الرئيس الفلسطيني لا يملك حق رفع الحصانة عن النواب البرلمانيين الأمر الذي دعا محكمة النقض إلى إحالة الدعوى إلى المحكمة العليا بصفتها الدستورية للفصل في المسألة الدستورية.
 
تخوفات من المحاصصة السياسية وتعميق الانقسام
الخوف من المحاصصة السياسية وتعميق الانقسام من أبرز المبررات التي ساقتها مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين بغية دعم موقفها المتشدد حيال معارضة آلية وتوقيت تشكيل المحكمة، لاسيما أنّ هذا التشكيل قد جاء في ظل حالة الانقسام السياسي التي تعاني منها الحالة الفلسطينية ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي دعا هذه المؤسسات إلى توجيه رسالة عاجلة إلى الرئيس الفلسطيني تطالبه بضرورة أن يأتي تشكيل المحكمة الدستورية العليا خطوة لاحقة تتوج إعادة الحياة الدستورية المتمثلة بإجراء الانتخابات العامة (الرئاسية والتشريعية) وإعادة توحيد القضاء الفلسطيني، وأن لا يأتي تشكيل المحكمة مبنياً على محاصصة سياسية يسعى من خلالها أي حزب أو جهة سياسية للسيطرة على هذه المحكمة. فالمحكمة الدستورية العليا، هي حارسة القانون الأساسي، وحامية الحقوق والحريات العامة، فحياديتها ونزاهتها واستقلاليتها شأن ينبغي عدم المساس به.
وبعيدا عن هذه التخوفات، يبدو تشكيل المحكمة الدستورية العليا أمراً واجبا في ظل سريان القانون المنشئ لها منذ ما يزيد عن عشر سنوات. فالرئيس الفلسطيني يملك حق التشكيل الأول لهذه المحكمة بمقتضى المادة 5 فقرة 1 من قانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006، وذلك بالتشاور مع مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل. إلا أنّ المؤسسات الحقوقية الموقعة على الرسالة الموجهة للرئيس الفلسطيني دعت الى شراكة حقيقية وأداء تكاملي بين المجتمع المدني ومؤسسات دولة فلسطين، حيث عبرت عن تفاجُئها من حالة التكتم والسرعة التي تمت فيها هذه التشكيلة، دون الأخذ بعين الاعتبار مطالب المؤسسات التي سبق أن قدمتها في مذكرات رفعتها للرئيس محمود عباس في العام 2014.

شبح الآراء المسبقة لرئيس المحكمة يطارده بعد تقلّده المنصب
أثارت مقالة سابقة نشرت لرئيس المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 28/3/2013 قبل توليه هذا المنصب تساؤلات مختلفة في صفوف المعنيين بالشأن القضائي في فلسطين، وخلقت حالة عاصفة من الجدل حول شخص رئيس المحكمة العليا ومدى قدرته على أن يتمتع بالحياد المطلوب لممارسة مهامه القضائية. وعلى الرغم من أنّ رئيس المحكمة الدستورية العليا هو شخصية فلسطينية أكاديمية مرموقة وأستاذ للتعليم العالي مدة أربعين عاما في الجامعات المغربية، إلا أنّ ذلك لم يسعفه من تلقي سهام النقد اللاذع من قبل شخصيات حقوقية فلسطينية حول آرائه المسبقة التي أعلن عنها في المقال المشار له وصلت إلى حدّ مطالبته بالاستقالة من قبل مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار دويك، الذي وصف مقالة رئيس المحكمة العليا بأنها  خطيرة في مواقفها المسبقة وفيها مغالطات جسيمة داعيا رئيس المحكمة الدستورية  الاستقالة حفاظا على مصداقية ما تبقى من النظام السياسي.
في حين نشر الدكتور عصام عابدين من مؤسسة الحق رسالة وجهها إلى رئيس المحكمة الدستورية مشيرا إلى وجود خلط لدى رئيس المحكمة الدستورية بين  "أساليب نشأة الدساتير" ديمقراطية كانت أم غير ديمقراطية، وبين "الوثيقة الدستورية" في ذاتها، وجوداً وعدماً، فالدستور قد ينشأ بأسلوب "المنحة"، فهل هذا يعني أنه ليس وثيقة دستورية على حد وصفه.
كما أنّ المدير التنفيذي للهيئة الأهلية لاستقلال القضاء الأستاذ ماجد العاروري صرح أنّ الرأي المنشور لرئيس المحكمة الدستورية  أثار شكوكاً حول دوافع تشكيل المحكمة الدستورية في هذا الوقت، وبذلك تحولت المحكمة من آلية لحل الخلافات الدستورية إلى مشكلة خلافية قد تودي بالحياة الدستورية للهاوية.
وفي ذات السياق، حذر مفوض الهيئة المستقلة لحقوق الانسان الدكتور ممدوح العكر من مخاطر نشوء نظام شمولي بعد تشكيل محكمة دستورية بناء على الآراء السابقة لرئيس المحكمة الدستورية التي تم نشرها على لسان رئيس المحكمة خاصة فيما يتعلق بالمجلس التشريعي، وقال أنه لا يجوز تشكيل محكمة دستورية في ظل غياب المجلس التشريعي الفلسطيني، فيما قال الخبير في الدراسات الدستورية محمد خضر بجامعة بيرزيت أن القضاء الدستوري سينهار في ظل غياب فكرة وجود قانون يسمو على القوانين الاخرى، وذلك في اشارة الى تصريح سابق لرئيس المحكمة الدستورية بأن القانون الأساسي الفلسطيني لا يسمو على القوانين الأخرى.

نقابة المحامين قلقة من تشكيل  المحكمة
من جانبها، بدا موقف نقابة المحامين جليّا في ما عبر عنه عضو مجلس النقابة المحامي فهد الشويكي من أن النقابة لم تستشر في تشكيل المحكمة على الرغم من خطورة اصدار هذا القرار في هذا الظرف الذي نمر فيه، وأشار إلى تشكيل محكمة دستورية وفقا لقانون تشكيل المحكمة في ظرف دقيق وخطر على المستوى المحلي و القانوني، وبيّن أنه فيما فيما يتعلق بالنقابة  يجب أن يكون لها رأي لما لذك من أثر على الحقوق و الحريات العامة. وأشار صراحة إلى أنّ تشكيل المحكمة الدستورية في هذا التوقيت و غياب المجلس التشريعي شكل خللا ولن يؤدي الى إنهاء أي اشكاليات قانونية بل على العكس يزيد الامر سوءا و تؤدي الى وجود فجوة كبيرة في السلطات الثلاث.

صمت رسمي مُطبق
من ناحيته، وباستثناء تأكيده على استقلال المحكمة الدستورية وعدم تبعيتها لأية سلطة في تصريح له على فضائية فلسطين، لم يصدر رئيس المحكمة الدستورية العليا أية ردود أو تعقيبات تفصيلية حول ما أثير من جدال حول تشكيل المحكمة أو حيال المواقف التي تناولت رأيه المسبق المنشور في مقالته المشار لها. بل على العكس من ذلك، بدا رئيس المحكمة الدستورية هادئا في لجة العاصفة التي أثيرت حوله، وعمد خلال ذروة العاصفة إلى زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمد الله للبحث في متطلبات إنشاء المحكمة، حيث أكد رئيس الوزراء الفلسطيني على هامش لقائه برئيس المحكمة الدستورية أنّ الحكومة ستقدم كافة التسهيلات والدعم للمحكمة، على أساس فصل السلطات، لتكريس سيادة القانون وتحقيق العدالة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، فلسطين



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية