تشريع الأمر الواقع في عقود الزواج


2015-12-14    |   

تشريع الأمر الواقع في عقود الزواج

بعد أزيد من سنة على انتهاء المرحلة الانتقالية التي حددتها مدونة الأسرة لإثبات "زواج الفاتحة بالمغرب"، صادقت لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب[1]على مقترح قانون تقدمت به فرق الأغلبية، يهدف إلى تمديد فترة قبول دعاوى اثبات الزوجية لخمس سنوات إضافية. وكانت المعارضة مدعومة بمنظمات المجتمع المدني قد اعترضت على هذا التعديل، وطالبت بتعديلات موازية في مدونة الأسرة، بموجبها يتم استثناء حالات تزويج الطفلات وزواج التعدد من امكانية الاستفادة من هذا التعديل حتى لا يتم تشجيع حالات التحايل على القانون.

تمديد إلى ما لا نهاية

كانت المادة 16 من مدونة الأسرة عند صدورها سنة 2004[2]، تنص على ما يلي:

"تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذا الخبرة.
تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.

يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ.".
وقد حاول المشرع المغربي من خلال هذه المادة القضاء على حالات عدم توثيق الزواج والتي كانت ولا تزال منتشرة في العديد من المناطق سيما في الأرياف، لذا وضع أجل 5 سنوات لتسوية حالات الزواج غير الموثقة التي تعود للفترة السابقة لصدور مدونة الأسرة. إلا أن ضعف حملات التحسيس بهذا المستجد أدى لاستمرار حالات الزواج غير الموثق، رغم انتهاء مدة خمس سنوات المرصودة لمعالجة هذه الأوضاع. وهو ما دفع المشرع للتدخل بتعديل مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة، حيث أصبحت الفترة الانتقالية محددة في عشر سنوات من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ[3].

وتكرر نفس السيناريو من جديد إذ لم تكف هذه المدة لاستيعاب كل حالات الزواج غير الموثق، خاصة وأن تطبيق المادة 16 أدى إلى نتائج معاكسة. فعوض أن تشجع على توثيق عقود الزواج السابقة على تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ أصبحت مخصصة لحالات الزواج الجديدة غير الموثقة سواء بالمدن أو القرى، واستغلت للتهرب من القيود التي تفرضها مدونة الأسرة على تعدد الزوجات وحالات تزويج الطفلات. وهكذا انتهى أجل عشر السنوات الذي حددته المدونة في فبراير 2014، دون أن يتحقق الهدف المنشود بتسوية كافة حالات الزواج غير الموثق، وبموجب التعديل الجديد سيتم تغيير مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 16 من مدونة الأسرة، برفع الفترة الانتقالية المحددة لسماع دعوى الزوجية لمدة 15 سنة من تاريخ صدور مدونة الأسرة، وهو ما يعني اضافة خمس سنوات جديدة!

تعديل المادة 16 من مدونة الأسرة .. إصلاح قانوني أم تقنين للتحايل على القانون؟

كان لصدور مدونة الأسرة المغربية سنة 2004 أثرها الكبير في إعمال المعايير الدولية المتعلقة بإقرار المساواة بين الجنسين في كافة الآثار المترتبة على الزواج، وإقرار حماية أكبر لحقوق الانسان للمرأة المغربية. وهكذا تم تقييد زواج القاصر بالحصول على اذن قضائي مسبق، بعد الخضوع إلى خبرة طبية، أو بحث اجتماعي، وتم اخضاع تعدد الزوجات لقيود صارمة تحت مراقبة القضاء الذي يتعين عليه التأكد من توفر الزوج على الامكانيات المادية الكافية لإعالة أسرتين، وتوفره على مبرر موضوعي استثنائي لطلبه للتعدد، إلا أن تطبيق مدونة الأسرة لمدة ناهزت 12 سنة كشف عن كون العديد من المتقاضين يلجؤون للتهرب من هذه الرقابة القضائية المسبقة المفروضة على طلبات زواج القاصر أو التعدد، عن طريق الاكتفاء بإبرام زواج الفاتحة، وعند انجاب الأبناء أو ظهور حمل بالزوجة القاصر أو الزوجة الثانية، يلجؤون للمحكمة لطلب توثيق هذا الزواج اعتمادا على المادة 16 من مدونة الأسرة، وبذلك يضعون المحكمة أمام الأمر الواقع، حيث تكون المحكمة ملزمة بمراعاة وجود أبناء نتجوا عن هذه العلاقة الزوجية التي تمت بشكل غير موثق.

ان سياسة الأمر الواقع التي كشف عنها تطبيق مدونة الأسرة طوال هذه المدة دفعت منظمات حقوقية إلى دق ناقوس الخطر بخصوص سوء تطبيق المادة 16 من مدونة الأسرة، التي نسفت كل المقتضيات القانونية المقررة لمصلحة المرأة والطفل حيث طالبت بعدم اضافة تمديد جديد، أو على الاقل تدعيم هذا التمديد بإجراءات ومقتضيات مواكبة من بينها :

– عدم سماع دعوى ثبوت الزوجية فيحالات تزويج  القاصرات أو التعدد؛
– إقرار عقوبات ضد أي استغلال سيء للمادة 16 يهدف التحايل على القانون.
إلا أن اقرار التعديل الجديد بنفس طريقة التعديل السابق سيؤدي الى تفاقم ظاهرة الزواج غير الموثق، واستمرار حالات التحايل على القانون، وسيكون المشرع مضطرا بعد انصرام هذا الأجل  للتدخل مرة أخرى لإضافة أجل جديد، وهو ما يعني الدخول بالفعل في حلقة مفرغة.
 

الصورة منقولة عن موقع www.ahdath.info


[1]– الغرفة الأولى للبرلمان المغربي.
[2]– قانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، والذي صدر بتنفيذه ظهير رقم 1.04.22 بتاريخ 3 فبراير 2004، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 1 فبراير 2004، ص: 418.
[3]– عدلت هذه المادة بمقتضى  ظهير رقم 1.10.103 الصادر في (16 يوليو 2010 ) بتنفيذ القانون رقم 08.09 المعدلة بموجبه المادة 16 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5859 الصادرة بتاريخ ( 26 يوليو 2010).
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية