بعد محاكم البداية والاستئناف العدلية، مفوّض المحكمة العسكرية يرفض ملاحقة المثلية


2019-04-02    |   

بعد محاكم البداية والاستئناف العدلية، مفوّض المحكمة العسكرية يرفض ملاحقة المثلية

نهاية الأسبوع الفائت صدر عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس، قرار بمنع الملاحقة بحق أربعة عسكريين أحيلوا أمامه بجرم المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني المتعلقة ب “المجامعة على خلاف الطبيعة”، وهي المادة المستخدمة لتجريم ذوي الميول الجنسية غير النمطية، لا سيما مثليي الميل الجنسي.

وقد أثار قرار جرمانوس جدلاً متوقعاً مضاعفاً، بالنظر إلى حساسية المسألة وبخاصة في ظل الربط التقليدي بين الرجولة والعسكر. يعود هذا الربط إلى بدايات تشكّل المؤسسة العسكرية وحصر مهمة حمل السلاح بالرجال، وقد بقي الأمر كذلك على مدى قرون مضت[1]. من هنا، لطالما عاقبت المؤسسة العسكرية وقضاؤها أصحاب الميول المثلية بقسوة، تحمل في معظم الأوقات إتجاهاً نحو “تطهير” المؤسسة من هؤلاء لما يمثّلونه من “خطر” على صفات الرجولة النمطية، المؤهلة لحمل السلاح. فهذه الأهلية تستدعي إلتزاماً بالأخلاق والآداب العامة، كمفهوم واسع ومطاط يتعارض مع كل سلوك يخلّ بالنمط الرجولي المقبول إجتماعياً. ورغم حساسية القضية، اللافت أن جرمانوس أعلن عن ذلك في أحاديث صحفية عدة، أولها الحديث الذي أدلى به للدايلي ستار في 30 آذار 2018، فيما أنه لم يسجل له منذ استلامه منصبه هذا أي حديث إعلامي من قبل.

وبحديث مع “المفكرة القانونية”، صرح جرمانوس: “ليس من عملي أن أتكلم حقوق إنسان، حقوق الإنسان عمل المشرّع، أنا قاضٍ. وأنا كقاضٍ عبد للنص، لو المشرّع قال المثلية الجنسية جرم، أعاقبها”. ويسترسل جرمانوس في تعليل موقفه إثباتا بأنه لم يعمد إلى تفسير المادة 534 بل فقط إلى تطبيقها تطبيقا تقنيا: “ليس عملي أن أقول ما هي الطبيعة، أقول للمشترع أنه إذا أراد تجريم المثلية ليضع نصا واضحا”. يضيف جرمانوس: “بالشرع الاسلامي، إذا الرجل عاشر زوجته خلافا للطبيعة يعاقب ب 100 جلدة” في إشارة إلى التساؤل عن أي شكل من أشكال المجامعة خلافاً للطبيعة التي تكون معاقبة بموجب المادة. بهذا المعنى فإن “نص المادة يستدعي أولاً حصول مجامعة، أي عملية ولوج، في الوقت الذي لا يحدد فيه المشرّع عندما يقول (خلافاً للطبيعة) هل أنه يتعلق بالإناث أو الذكور. ولكن لا يمكن تخيّل عميلة مجامعة بين إمرأتين في الوقت الذي يمكن أن تكون المجامعة مخالفة للطبيعة بين رجل وإمرأة. وعندها يمكن للمرأة أن تسجن زوجها سنة على هذه الخلفية”. يضيف أنه “لهذا السبب تحديداً، فقد درجت الأمور على توقيف الرجال بناءً على هذه المادة”. ومع ذلك “فإن مجرد المداعبة بين رجل ورجل لا يمكن أن تعاقب بموجب نص المادة 534” يقول القاضي جرمانوس. ويضيف جرمانوس أن “المادة 534 وردت في نبذة تحت عنوان “التعرض للآداب والأخلاق العامة”، حيث تندرج المواد 531 إلى 534،.علما أن المادتين الأولين من هذه “النبذة” تحيلان إلى المادة 209 لتحديد العقوبات عن “التعرض للآداب العامة”، وهي مادة تشترط حصول الفعل في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو شاهده بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل، الكلام أو الصراخ وما شابه. بالنتيجة، المسألة وفقاً لمفوضو الحكومة تتعلق بحدوث الأمور بالعلن: “فأي فعل مخالف للطبيعة سواء تناول امرأة أو رجلا وحصل في العلن يطبق النص عليه، فنحن لا نستطيع تطبيق هذا النص على شخص في غرفته، هذه حياة شخصية”. ينتهي القاضي جرمانوس لهذه الناحية بالقول ” ما يحصل، على صعيد هذه القضايا، في الحيز الخاص هو متعلق بالحريات الشخصية، والملاحقة هنا تكون حصراً في حال حصل هذا الأمر في الحيز العام، لذا فإن قوة القرار الذي اتخذته أنني رفضت أن أدعي ورفضت أن أحرك الدعوى العامة”. ورغم نفي تأثره بأي حكم سابق، فإن المبررات التي أدلى بها لاستبعاد المادة 534 عقوبات إنما تتطابق تماما مع المبررات التي أدلت بها محكمة إستئناف الجنح في المتن بتاريخ 12/07/2018، وهو القرار الخامس بعد أربعة صدروا سابقا عن قضاة منفردين جزائيين في 2009 و2014 و2016 و2017. وقد ذهب الأحكام الثلاثة الأولى منها (الصادرة عن القضاة منير سليمان وناجي الدحداح وهشام القنظار) إلى القول بعدم جواز افتراض أن المثلية مخالفة للطبيعة، فيما ذهب الحكم الأخير منها الصادر عن القاضي ربيع معلوف إلى القول بأن المثلية هي ممارسة لحق طبيعي مشروع، مما يمنع معاقبتها.

يأتي حديث القاضي هنا فيما سجلت عدد من الملاحقات التي تطال أفراد مجتمع الميم على خلفية محادثات وصور على هواتفهم، بدون أي إثبات لحصول مجامعة أو حتى علاقة جنسية. وهو ما تؤكد المحامية غيدة فرنجية رئيسة المفكرة القانونية استمرار حصوله، وقد أفادتنا أنها اطلعت مؤخرا على عدد من الملاحقات ضد عناصر أمنيين، حصلت في إثر تفتيش هواتفهم أو في إثر إدعاءات زوجاتهن. وتلفت فرنجية إلى أن الإجراءات في هذه القضايا ليست موحّدة بين جميع الأجهزة الأمنية. وقد أشارت إلى أن بعضها طلب فحصات شرجيا إلا أن الفحص لم يحصل بعد رفض العنصر المعني به الخضوع له.

إضافةً إلى ما تقدّم، فإن لقرار القاضي جرمانوس أهمية مضاعفة على ضوء اختصاص القضاء العسكري وطابعه الاستثنائي. فمن المعلوم أن اختصاص القضاء العسكري يشمل كل الجرائم التي يقترفها العسكر، أو التي تقع عليهم أو التي يكون أحد مرتكبيها عسكريا. بهذا المعنى، نظر القضاء العسكري في العديد من القضايا التي ادعي فيها على عسكري ومدني بإقامة علاقة مثلية. وقد مهد ذلك لمحاكمة مدنيين أمام المحكمة العسكرية فيما يتصل بشؤونهم الأكثر حميمية.

ختاما، تجدر الإشارة إلى أن النظام العام للعسكريين، ينص بحسب موقع وزارة الدفاع، على الأعمال المحظورة على العسكريين في الخدمة الفعلية، ومن ضمنها “الأعمال التي تمس بالآداب والأخلاق العامة”، وذلك تحت طائلة التعرّض “لعقوبات تأديبية فضلاً عن العقوبات التي تنزلها المحكمة العسكرية” وهو ما يعني أن معاقبة العسكري جزائياً لا يلغي عقوبته التأديبية والعكس أيضاً صحيح. وتتراوح العقوبات التأديبية بين “الملاحظة الشفوية إلى التسريح التأديبي من الخدمة”. هذه العقوبات تفرض بناءً على إجراءات محددة بقوانين المؤسسة العسكرية حيث تلعب الشرطة العسكرية دور الضابطة العدلية، فيتولى ضباطها التحقيق في كل قضية تكلفّها بها النيابة العامة العسكرية، أو السلطات العسكرية ذات الصلاحية. بهذا المعنى تشمل التحقيقات مواضيع متعددة منها الجرائم التي تحيل مرتكبها أمام القضاء العسكري(…) كذا الأوضاع الإدارية مثل زواج العسكري من دون رخصة. ينتهي التحقيق بمراجعة السلطة التي أمرت به ويعمل بإشارتها لناحية إخلاء السبيل أو التوقيف[2]. وهذا ما يؤكده جرمانوس لجهة أن “بإمكان المؤسسة العسكرية أن ترفض وجود مثليين في صفوفها، وأنا لا شأن لي في هذا المجال، ولا أثر لقراري على العقوبة التأديبية بكل الأحوال، كل ما أقوله هو عدم محاكمة العسكر جزائياً على هذه الخلفية”.


[1]   يمكن مراجعة: فريدريك إنغلزأصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، أيضاً غسان مكارم: الرجولة في خطر“: منظمات الحقوق الجنسية والدولة، دعم لبنان، civil society knowledge center

[2] باسكال معوض بو مارون: مسارٌ قانوني يكفل إحقاق الحق، مجلة الجيش، لعدد 371 – أيار 2016

انشر المقال

متوفر خلال:

جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *