برلمان الرئيس: مِرآة تناقضات “الديمقراطية الجديدة”


2023-07-03    |   

برلمان الرئيس: مِرآة تناقضات “الديمقراطية الجديدة”
الصورة منقولة من صفحة رئاسة الجمهورية (بتصرّف)

يُشكّل البرلمان التونسي الجديد جزءًا من “مشروع” الرئيس قيس سعيّد، وامتدادًا لمسار الانقلاب الدستوري الذي دشّنَه في 25 جويلية 2021. وُلدَ هذا البرلمان من داخل تصور سياسي عام للرئيس وأنصاره، يَدعو إلى إعادة بناء الديمقراطية التونسية من خلال مَا يعرف بمشروع البناء القاعدي.[1] وضمنَ هذا المِنوال يُصبح النائب-الفرد مُمَثِّلا مباشرًا لقاعدته الاجتماعية المحلية عبرَ التوجّه إليها ببرنامج محلّي خاصّ، يحظى بموجبه على تزكية أوّلية من الناخبين، ثم يَعرِض نفسه عليهم كمترشح انتخابي للمجلس التشريعي في مرحلة ثانية. وقد قد رُوّج لهذا الطراز الانتخابي -طيلة الفترة السابقة- بوصفه أداة فكرية وسياسية ستؤدي ضرورة إلى إحلال الإرادة الشعبية “الحقيقية” والتأسيس لقطيعة “تاريخية” مع “فساد” الديمقراطية التمثيلية ونُخبها وأحزابها المنفصلة عن هموم الشعب وإرادته.

خلافًا للبروباغاندا الرّسمية المُبشّرة بميلاد مؤسسات ديمقراطية جديدة أكثر “جذرية”، فإن البرلمان الحالي الذي بدأ نشاطه في 13 مارس 2023، كَشفَ إلى حدّ الآن عن غياب مظاهر الممارسَة الديمقراطية على عدة أصعدة، من ضمنها: نظام داخلي مُتطابق إلى حد بعيد مع إرادة الرئيس ولا يَعترف بشرعية المعارضة ودورها السياسي داخل البرلمان وخارجه،، نزوع واضح نحو عزل البرلمان عن بقية المكونات الفاعلة في المجتمع من خلال الحظر النسقي لتواجد وسائل الإعلام داخل الجلسات العامة،، إضافة إلى التركيبة البرلمانية التي تقوم في معظمها على المنطق الوَلاَئي للسّلطة التنفيذية تحت صيَغ مختلفة، ولكنّها تُحافظ في نفس الوقت على مضامين صراع لا يُسندها أي برنامج سياسي أو مشروع بدائلي، وإنما تحتَكم إلى تناقضات جهوية أو متعلقة بحسابات القرب من السلطة وشبكات النفوذ الجديدة.

البرلمان الجديد و”فوبيا” المُعَارضة      

أثناء المصادقة على النّظام الدّاخلي للبرلمان الجديد طُرِح النقاش حول تَحديد مفهوم “المعارضة”، ليتّضحَ بذلك النّزوع العامّ نحوَ تمييع هذا المفهوم وعدَم تحديدِه سياسيا ومعياريّا، حتى لا تلتصق بالمعارضة البرلمانية -إن وُجدت- شبهة معارضة رئيس الدولة أو حُكومته، لأن جميع النواب تقريبا يَربطون العمل البرلماني بالدفاع عن “مسار 25 جويلية”. وعلى هذا الأساس،، تحَمّس الكثير من النواب وفي مقدمتهم رئيس المجلس إبراهيم بودربالة نحو إظهار تعالٍ أخلاقويّ عن فكرة “المعارضة الهدّامة” ورَبط دورهم البرلماني بالدفاع عن “البناء الجديد” و”مصلحة الوطن” وغيرها من المصطلحات التي أصبحت تُستخدم في الخطاب البرلماني كنقيض لفكرة المعارضة. وهذا التوجه عبّرَ عنه رئيس مجلس النواب إبراهيم بودربالة قائلا: “سيشهد الشعب التونسي ميلاد مجلس تشريعي جديد يقطع مع الصورة السابقة، مجلس تشريعي يشارك في البناء ولا يشارك في التعطيل والتهديم…إن هذا اليوم هو انطلاق فعلي لبناء تونس الغد خاصة بعد التدابير التي تمّّ اتخاذها منذ 25 جويلية والتي أنقذت البلاد من الويلات التي كنّا نعيشها كل يوم”.[2]

هذا الخطاب المُوَالي لـ”مَسار 25 جويلية” يُشكّل هويّة مُشتَركة داخل البرلمان الجديد.. وهذه الهويّة تُصَادر كل النصوص أو المفاهيم والنزعات التي تناوئ هذا المَسار أو تُبدي استعدادً لمعارضته. ومن هذا المنطلق، تمّ إسقاط الفصل 22 الذي وردَ في الصيغة الأصلية لمشروع النظام الداخلي، رغم أنه لا يحدّد مفهوم المعارضة البرلمانية والسياسية بدقة، خاصة من زاوية علاقتها بالسلطة التنفيذية. ورَدَ الفصل 22 الذي تمّ إسقاطه من النظام الداخلي الجديد بهذه الصيغة: “يصنّف ضمن المُعارَضة النائب الغير منتمي أو الكتلة النيابية الذين يصرّحون في بداية الدورة النيابية انتماءهم للمعارضة بموجب إعلام كتابي يُوَجّه إلى رئاسة المجلس ويقع الإعلان عنه في الجلسة العامة الموالية للتصريح. كما يصنّف ضمن المعارضة النائب غير المنتمي أو الكتلة النيابية التي لا تصوّت بأغلبية أعضائها على قانون المالية ومخطط التنمية أو أحدهما”. وفي الأثناء، تمّ الاكتفاء بالفصل الثاني من النظام الداخلي الذي يتضمّن إشارة عامّة لفكرة المعارضة، وقد وردَ فيه: “تَكفُل أحكام هذا النّظام الدّاخلي لجميع أعضاء مجلس نوّاب الشعب حرية الرأي والفكر والتعبير بما لا يتعارض وأحكام الدستور وتَضمن حرية المُعارضة وتحقيق التّعاون بين مجلس نوّاب الشعب وجميع المؤسسات الأخرى”.[3]

عُمومًا لا تلُوح فكرة الإشهار بالمعارضة ملائمة لمصالح النوّاب الجدد. لأنّ البرلمان في حدّ ذاته باتَت شرعيّته مُرتبطَة بالشرعية التي يَمنحها له الرئيس، ويَكتسب قوَّته التأسيسية من دستور الرئيس ومراسيمه الانتخابية. والنائب تحت رقابة السلطة التنفيذية، يعيش دائما قلق التهديد المُستمر بـ”سحب الوكالة” أو “رفع الحصانة”، وهو ما يُلوِّح به دائما رئيس الجمهورية، خاصة في الاجتماع الأخير الذي جَمعَه أواخر شهر ماي الماضي برئيس مجلس النواب، حيث أورد بلاغ الرّئاسة: “على النواب الذين هم مسؤولون أمام ناخبيهم أن يتحمّّلوا المسؤولية في رفع الحصانة عمّّن تعلقت به قضايا قبل الانتخابات وما  زالت هذه القضايا منشورة أمام المحاكم سواء في تونس أو في الخارج”.[4] وعلى هذا الأساس،، يشكّل البرلمان جزءًا من بقية “المؤسسات التمثيلية” الجديدة التي يُزمَع تركيزها، من بينها مجلس الجهات والأقاليم والمجالس المحلية، وهي كلّها مشدودة إلى إرادة الرئيس وتصوراته السياسية والاجتماعية. وهذا ما يُجسّد التحول الهيكلي في النظام السياسي التونسي، الذي انزلق نحو “الرئاسوية” التسلّّطية التي تصادر التداول والتعدّد والمساءلة، من أجل التمكين لسلطة الحاكم-الفرد. وعلى هذا الأساس، فإن الفكرة القائلة بأن البرلمان الجديد قد يشكّل خطرا على “مسار 25 جويلية” وعلى الرئيس[5] تبدو متهافتة، لأنه برلمان فاقد لكل آليات تحقيق التوازن، ولن يُشكّل سلطة رقابة مضادة للسلطة التنفيذية بأي حال من الأحوال، مهما كان حجم الاستعراض الخَطابي الذي يتحلّى به بعض النواب.             

التركيبَة البرلمانية الجديدة ليست بنت المؤامرة     

وُلدَت التركيبة البرلمانية الجديدة ضمن سياقات سياسية وانتخابية ساهَم الرئيس وأنصاره -بقسط كبير- في تشكيلها. فبالتوازي مع شيطنة العمل الحزبي وكل النخب السياسية، تمَّ الترويج لآلية الاقتراع على الأفراد على دورتين بوصفها الحلّ الأمثل لتعميم المشاركة الديمقراطية والحدّ من سطوة المال السياسي وشبكات النفوذ.. وفي هذا السياق نفسه،، ذهب المرسوم الانتخابي نحو إلغاء الدعم العمومي للحملات الانتخابية والاكتفاء بالتمويل الذاتي والخاص. كان لهذا السّلوك والتصوّر نتيجتان مباشرتان: أوّلا إفراغ التنافس الانتخابي من مضامينه السياسية العامة وربطه بخطاب مَحلّوي غير واقعي وضيّق الأفق، حاول استثمار الفراغ الحزبي ولكن النتيجة كانت مشاركة انتخابية هزيلة لم يعترف بعد الرئيس سعيّد بهزالتها (11.22 بالمائة في الدور الأول). ثانيا، كَشفت الانتخابات التشريعية الأخيرة أنه بالإمكان اختبار صِدقية الفكرة القائلة أن نظام الاقتراع على الأفراد بإمكانه إعادة إنتاج الزبائنية وروابط القرابة العائلية والعروشية[6]، وهو ما أظهَرته في فترة أولى الحملات الانتخابية وجمع التّزكيات، ثم في فترة ثانية التركيبة الانتخابية التي كشفت عن صعود انتخابي مَسنود بالوَجاهة المحلية والنفوذ الجهوي والعائلي. ويُمكن أن نلاحظ هنا أن هناك 10 نوابا في المجلس الجديد أنتجهم الفراغ، لأنهم لم يجِدوا منافسين في دوائرهم الانتخابية.. لذلك فازوا بمقاعد من من دون خوض السباق الانتخابي.

لا يَسمح هنا المجال بإجراء تحليل كافٍ للتركيبة الاجتماعية للبرلمان الجديد.. ولكنّ المُلفت للانتباه أن معظم النوّاب قادمون من مجالات مهنية أهمّها التعليم ووظائف عمومية أخرى، ومهن حرة، وأصحاب مشاريع صغرى ومتوسطة خاصة، ولا تتجاوز نسبة النساء داخل التركيبة البرلمانية الجديدة 16 بالمائة (25 عضوة). ولعلّ الأكثر تأثيرا داخل هذه التركيبة أولئك القادمين من الحزب الحاكم السابق “نداء تونس”. لقد اختَبَر هؤلاء تجربة الرّبط بين الوجاهة المحلية والعمل السياسي داخل مُختبر “نداء تونس” الذي كان أشبَه بأخطبوط النفوذ والمصالح المتصارعة. وقد وَفّر لهم نظام الاقتراع على الأفراد فرصة للصعود الانتخابي، مُستغلّين في ذلك رصيد علاقات القرابة والنفوذ التي كوّنوها طيلة “العشرية” الفارطة، وقد كان بعضهم متواجدا في البرلمانات السابقة أو في مجالس البلديات، وبعضهم الآخر لم يُسعفه الحظ في ظل التنافس الذي حدث داخل حزب نداء تونس حول تشكيل القائمات الانتخابية خاصة في تشريعيات 2014. هذه التركيبة التي لا تُشكّل كتلة متجانسة داخل البرلمان الجديد، يمكن أن نَصِفها بالصف الثالث أو الرابع القادم من تجربة نداء تونس ومختلف الأحزاب الصغيرة المنشقة عنه، ويمكن ملاحظة تأثيرها في رئاسة الكُتل البرلمانية وتركيبتها:

-كتلة صوت الجمهورية (25 عضو) تترأسها آمال المؤدب، التي كانت عضوة في هيئة المنسقين لحزب نداء تونس سنة 2016.

-الكتلة الوطنية المستقلة (21 عضو) يترأسها عماد أولاد جبريل الذي كان ناشطا في حزب نداء تونس ثم انتقل إلى حزب قلب تونس (جزء من الائتلاف الحاكم سنة 2021).

-كتلة لينتصر الشعب (15 عضو) يترأّسها علي زغدود، ناشط سابق في حزب نداء تونس بمنطقة بن قرادان، وترشّحَ ضمن القائمة الانتخابية للحزب بدائرة مدنين سنة 2014، ولكنه لم يَحظَ بمقعد.

هذه التركيبة، رغم أنّها لا تُشكّل قاعدَة لمشروع سياسي بأي معنى من المعاني، إلا أنّها وضَعت الرئيس وأنصاره في تناقض كبير مع فكرة “القطع مع رموز الماضي”، وأظهَرَت حدود التصوّر المثالي الذي نُسجَ حول نظام الاقتراع على الأفراد، بوصفه نظاما يجسّد الإرادة الشعبية “الحقيقية” ويعطي فرصة للمهمشين وذوي الموارد المحدودة في النفاذ إلى المؤسسات التمثيلية.[1]  بالإضافة إلى هذا فشِلت الحلقات والتيارات السياسية الأخرى المساندة للرئيس (جزء من اليساريين والعروبيين و”أبناء المشروع”) في تشكيل كتل برلمانية وازنة[7]، لأن هذه المجموعات لم تكُن الأقرب إلى الروابط المحلية السائدة، فضلا عن أنها لا تملك مشروعا واضحا بصدد الترويج لنفسه داخل المجتمع والنخب، وإنما حاولت الاستفادة من الزخم الشعبوي الذي أنتجه الرئيس سعيد، ولكنها فشلت في نهاية المطاف في ذلك.          

نشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة المفكرة القانونية-تونس.

لقراءة العدد كاملا اضغط هنا

                        


[1]  للوقوف أكثر حول تصورات البناء القاعدي، انظر/ي: مهدي العش، محمد الصحبي الخلفاوي، بمشاركة سامي بن غازي. الرئيس يريد: تناقضات البناء القاعدي ومخاطره، إصدار المفكرة القانونية، تونس، 2022.

[2] حوار رئيس مجلس النواب إبراهيم بودربالة مع التلفزة الوطنية التونسية. القناة الوطنية الأولى 14 مارس 2023.

[3] النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، بتاريخ 02 ماي 2023. صادق عليه المجلس في 28 أفريل 2023.

[4] لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع السيّد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نوّاب الشعب، موقع رئاسة الجمهورية التونسية، 26 ماي 2023.

[5]  هذه الفكرة لا يتبنّاها فقط أنصار الرئيس الذين يحكمهم دائما منطق المؤامرة، وإنما خصومهم أيضا من المعارضة الذين ينتظرون برلمان قادر على قلب الطاولة على الرئيس، لأنهم لم يدركوا بعد الانزلاق الهيكلي الذي وقع داخل النظام السياسي برُمّته.  

[6] مهدي العش، محمد الصحبي الخلفاوي. الاقتراع على الأفراد: الأولوية للزبائنية والعروشية، نشر بموقع المفكرة القانونية. بتاريخ 27 ديسمبر 2022.

[7] ياسين النابلي. بخصوص عدد نوّابها في البرلمان: هكذا قامت أحزاب وشخصيات بتضليل الرأي العام، موقع المفكرة القانونية، 12 ماي 2023.


انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية