المشتركون في شبكة الدّويلات: ضحية سلطة الأمر الواقع


2021-05-06    |   

المشتركون في شبكة الدّويلات: ضحية سلطة الأمر الواقع
رسم رواند عيسى

حين تقول جدّتي “إجت الدولة” توحي لك للوهلة الأولى بأنّ هناك مداهمة ما وأنّ قوى الأمن سيلقون القبض على شخص في الحي. إلّا أنها بكلّ بساطة تستخدمها لتفرّق بين كهرباء المؤسّسة العامة وكهرباء المولّدات. ولجدّتي أيضاً موقف من أزمة الكهرباء إذ تتمتم كلّما “راحت الدولة”: “لو فرضوا من الأوّل 50 ألف ليرة ع كلّ بيت لصار عنّا كهرباء 24 على 24، بس ما بدّن، بدّن يتركونا تحت رحمة أصحاب الموتورات”. 

لعلّ اقتراح جدّتي غير عملي من حيث إعطاء اللبنانيين أبسط حقوقهم في الاستفادة من الكهرباء 24\24 إلّا أنّها أصابت بقولها “تركونا تحت رحمة أصحاب الموتورات” وما أدراكم ما أصحاب الموتورات، مع أنّنا بطبيعة الحال خاضعون لمشيئتهم. فهؤلاء انتقل تاج زعماء المناطق أيام الحرب إلى رؤوسهم بتصويت الأمر الواقع. ففي عين الرّمانة مثلاً، يردّد صاحب مولّد “كل واحد عندو منطقتو”، و”هيدا الحي عندو موتورو، والحي التاني عندو موتور”. ويرفع صاحب مولّد في برج البراجنة صوته قائلاً “إنّو هلّق وقفت ع مافيا الموتورات، وين رحتو بمافيا المي والدش”. و”مافيا” لقب فازت به أيضاً السّلطة السياسية التي تحتكر الكراسي بشكل لا يختلف عن احتكار أصحاب المولّدات والدّش وأصحاب صهاريج المياه لهذه الخدمات الحيويّة. وهؤلاء لا يحتكرون كرسي زعيم المنطقة أو زعيم الحي فحسب بل يورثونها أيضاً لأولادهم ويبسطون بالقوّة كابلاتهم ويمدّون خراطيم صهاريجهم ويهدرون بمولّداتهم. 

ففي زقاق البلاط، لم ينسَ الأهالي حين كان يفرض عليهم صاحب أحد أصحاب المولّدات 150 ألف ليرة عن كلّ 10 أمبيرات وكانوا جميعاً يدفعون له كي لا يصبحوا أسرى العتمة. وحين عرض عليهم صاحب مولّد آخر دفع مئة ألف ليرة فقط وتوفير 50 ألفاً، جاء قرار معزّز بغطاء حزبي يقول إنّه: “من محطّة الصحناوي وطلوع لا يمكن لأحد الاستفادة من عروض توفيرية، فهذه المنطقة محسوبة على صاحب المولّد فلان ولا يمكن لأحد غيره سحب مشتركين لصالحه”.

 

الحلّ ممكن: العدّادات نموذجاً

يبلغ عدد المولّدات في لبنان بحسب مصادر وزارة الطاقة والمياه حوالي 7000 وبات احتكار أصحابها للأحياء للأسف عرفاً في غالبية المناطق اللبنانية. ولكن الحلّ لا يحتاج سوى إلى توفّر إرادة لدى الدولة، والمقصود هنا الدولة فعلياً وليس الكهرباء. وجاءت بشائر هذه الإرادة في قرارين صدرا عن وزير الاقتصاد والتجارة السابق رائد خوري: الأول يفرض استخدام العدّادات على أيام، وقرار يمنع أصحاب المولّدات اعتباراً من 1/10/2018 من تقاضي أيّ تعرفة شهرية سلفاً من المشترك. وقد تم ربط التعرفة بعدد الكيلوواط وإلزامية تركيب عدّادات لجميع المشتركين والتقيّد بالتسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه.

يبدأ رائد خوري الذي أصبح يعرف بـ”وزير العدّادات” حديثه إلى “المفكرة القانونية” مذكّراً بتقرير وصفه بـ”المستفزّ” نشر على قناة “إل بي سي” عن المولّدات “أجرى معدّ التقرير مقابلات مع مواطنين عديدين في منطقة الجديدة لم يجرؤوا على إظهار هويّتهم فأخفوا وجوههم وغيّروا أصواتهم. وذلك يظهر مدى خوفهم من أصحاب المولّدات، لذلك قرّرت مباشرة وضع حدّ لهذه المافيا”. ويتابع: “درست الخطوة قانونياً وتابعت مع مجلس شورى الدولة كي لا أقع في خطأ تشريعهم. حاول أصحاب المولّدات الدفاع عن أنفسهم بكلّ الطرق الشرعية وغير الشرعية. تحدّوا وزارة الاقتصاد وهدّدوا بإغراق البلد في عتمة مفتوحة إلّا أنّ الأجهزة الأمنية ساعدتني كثيراً وأمكننا سجن عدد من الوجوه البارزة في هذه المافيا”. 

وعن الصعوبات التي واجهته سياسياً، يجيب: “لا أخفي أنّ عدداً كبيراً من النوّاب والأحزاب كانوا يستفيدون من المولّدات. بيعطوهن خدمات وبيعطوهن مصاري”. ويضيف أنّ “أصحاب المولّدات يجنون أرباحاً خيالية فيوزّعون من أرباحهم ليبقى نفوذهم. كما كانوا يرشون بعض البلديات مثل إعطاء تيار كهربائي لمبنى البلدية ويضيئون الشوارع مجّاناً ‘حكّلي تحكّلك’”.

 

أرباح تناهز المليار دولار

تشير أرقام وزارة الاقتصاد إلى أنّ الأرباح السنويّة لأصحاب المولّدات كانت تصل إلى مليار دولار قبل تركيب العدّادات. وبعد ذلك، انخفض الربح إلى ثلاثمئة مليون دولار. وفي الواقع كان هؤلاء يصدرون فواتير بمليار ونصف سنوياً فيما تتراوح تكلفتهم بين خمسمئة وسبعمئة مليون دولار، ويرجّح أن تكون انخفضت هذه الأرباح بمعدل نصف مليار دولار بعد فرض استخدام العدّادات.  

وحتى العدّادات التي خفّضت عبء فاتورة المولّدات، عاد التفلّت يتسلّل إلى التسعيرة في ظلّ غياب العقاب والصرامة في تنفيذ القرارات الصادرة سابقاً. واليوم، إضافة إلى معاناتهم من تقنين كهرباء “الدولة”، يصطدم المواطنون بشعار العتمة وتقنين أصحاب المولّدات المستجد الذين يردّون قرارهم تقليص ساعات التغذية لعدم توافر مادة المازوت والصعوبات التي تواجههم لتأمينه. فرئيس تجمّع أصحاب المولّدات في لبنان عبده سعادة يؤكد أنّهم يضطرون لشراء المازوت من السوق السوداء لنفاذه عند الموزعين بحيث يصل سعر الصفيحة الواحدة أي الـ 20 ليتر إلى أكثر من أربعين ألف ليرة في الوقت الذي يسجل السعر الرسمي لها 27 ألفاً. 

 

ولا يكتفي أصحاب المولّدات بأرباحهم الكهربائية إذ يدخلون البيت الواحد بأكثر من خدمة مدفوعة. فأصحاب المولّدات هم أنفسهم أصحاب الدش في عدد كبير من المناطق وهم شركاء أساسيّون في هذا القطاع الخارج عن القانون أيضاً. وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، التي مضى على آخر تحديث لها عشر سنوات، هناك 735 محطّة إعادة بث رئيسية وفرعية عاملة في لبنان.

لكنّ انخفاض أسعار الصحون اللاقطة والمسار القانوني الذي سلكه أصحاب المحطّات الفضائية بعد محاولات فكّ تشفير قنواتهم جعلت أصحاب الدش في لبنان يطالبون بقوننة عملهم بحسب أحد البارزين في تجمّع أصحاب الدش الذي تأسّس عام 1998. ويؤكّد الأخير أنّهم لم يحظوا بأيّة حماية قانونية إلّا أنّهم تمكّنوا من الحصول على وعد شفهي من المرجعيات السياسية بضمان عدم إغلاق المحطّات وعدم القبول ببيع القطاع واحتكاره من بعض الشركات فقط. 

ويؤكّد مصدر في وزارة الاتصالات لـ”المفكرة” هذه الحماية السياسية التي ترجمت عامي 2014 و2018 بدفع ملايين الدولارات من قبل الدولة اللبنانية لشركات bein المالكة الحصرية لحقّ توزيع مباريات المونديال. وبذلك جرى تمكين جميع مقدّمي خدمات الكايبل من عرض المباريات والاستفادة بأقلّ تكلفة ممكنة.

ويردّ صاحب الدش الجميل بممارسة احتكار فكري على المواطنين من خلال التحكّم بحجب قناة أو تركها إذا ما عرضت أيّ تقرير أو برنامج أو صورة لا تعجب فريقه السياسي الذي يحميه ويحمي تمدّده غير الشرعي.

 

أصحاب الصهاريج: من أين يأتون بالمياه؟

أما صهاريج المياه فتشكّل قطاعاً آخر من صنع الأمر الواقع. وهنا نطرح على وزارة الطاقة والمياه تساؤلاً نسمعه على لسان عدد كبير من اللبنانيين ونقرأه مراراً في تعليقات ساخرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعية، وهو كيف يمكن لأصحاب الصهاريج توفير حاجة اللبنانيين من المياه في الوقت الذي لا تتمكّن الدولة من ذلك؟ فيأتي الجواب من مستشار وزير الطاقة والمياه خالد نخلة الذي يقول “عليكم أن تسألوا ما مصادر مياه أصحاب الصهاريج وما نوعيّة المياه التي يوفّرها هؤلاء. إنّها مياه لا تصلح للاستعمال ولا تخضع لأي فحوص. فأصحاب الصهاريج يحفرون آباراً في كل مكان من دون أي رخصة ولا قدرة لوزارة الطاقة على وضع حدّ لهذا الموضوع خصوصاً في ظل الشغور الذي تعانيه مديرية الموارد المائية والكهربائية والذي يصل إلى أكثر من 90%؛ ومن ثَم يجب التعاون بين وزارات الطاقة والداخلية والاقتصاد ومؤسسات المياه والبلديات لمراقبة هذا القطاع غير الشرعي الذي يسدّ حاجة اللبنانيين عشوائياً”. 

ويتساءل نخلة: “أتريدون أن توزّع وزارة الطاقة مياهاً كهذه على اللبنانيين. وزارة الطاقة حاولت طوال سنوات توفير المياه من خلال خطط تُحارب من اللبنانيين أنفسهم”.

إذاً قطاع الصهاريج المنتشر في بلاد الأرز يفتح باباً على الآبار الارتوازية المنتشرة بلا حسيب أو رقيب. فلا أرقام دقيقة ولا إحصاءات تثبت عدد الآبار. إنّما من المرجّح وبحسب تقديرات وزارة الطاقة أنّ عدد الآبار غير الشرعية لامس ثمانين ألفاً فيما لا تتجاوز المرخّصة عشرين ألفاً. 

والآبار غير المرخّصة لم تغب عن القانون التعديلي لقانون المياه رقم 192 الصادر في 16 تشرين الأول 2020 الذي مدّدت المادة 37 منه المهلة المعطاة للمنتفعين من مياه الآبار الجوفية المحفورة من دون ترخيص والتي لم يستحصل أصحابها على تراخيص استثمار لها لطلب تسوية أوضاعهم، إلى سنتين من تاريخ نفاذ هذا القانون تحت طائلة إقفال البئر. ويشترط للحصول على الترخيص ألّا تكون البئر محفورة في أملاك الآخرين أو في الأملاك العامّة أو في المشاعات وألّا تؤثّر البئر المطلوب تسوية أوضاعها في مصادر المياه والينابيع الجارية أو المغذّية لبحيرات أو أنهر. كما أنّ الخطير أنّ الفقرة الأخيرة من هذه المادة نسفت مبدأ رفض التسوية في هذه الحالات وأفقدته كل فعالية بحيث “تعطى تراخيص مؤقّتة للمحجوب عنهم التراخيص للأسباب أعلاه ريثما يتمّ تأمين البدائل من المصالح المائية المختصّة، إلّا إذا كان البئر محفوراً في أملاك خاصة أو عامّة”.

فهل تشرّع الدولة آبار أصحاب الصهاريج؟ يجيب نخلة “لن يطبّق القانون عشوائياً وإذا تبيّن أنّ البئر المطلوب تسوية وضعها تستخدم لبيع المياه فيجب عندئذ أن يستحصل صاحبها على تراخيص أخرى”. 

 

خزّانات انتخابية

قضيّة القطاعات غير الشرعية التي يصفها البعض بقطاعات غبّ الطلب لا ينكر أحد من الخبراء الاقتصاديين أنّها دخلت الحلقة الاقتصادية من بابها العريض. فآلاف المواطنين التجّار يستفيدون لا بل يعتاشون ويعيّشون غيرهم من بيعهم هذه الخدمة غير المستوفاة للشروط المطلوبة والمسروقة أحياناً.

قصة هذه القطاعات شبيهة من حيث المبدأ بقصّة بدل النقل اليومي الذي يتقاضاه الأجير في لبنان بحيث كانت المادة الأولى من المرسوم 7573 تنصّ على أنّ هذا البدل يعطى بصورة مؤقّتة ريثما يتمّ تفعيل وسائل النقل العام، لكن التعديل حذف التفعيل وبقي على التدبير المؤقت. أي أنّ قرار الدولة جاء بتمديد مدّة البدل المؤقّت بدل العمل على النهوض بقطاع نقل عام. وهذا البدل ومع أنّه شرّع بمادة قانونيّة إلاّ أنّه لا يدلّ إلّا على استلشاء الدولة بدورها الرئيسي وهو تأمين أبسط البديهيات للشعب اللبناني. 

استلشاء عن قصد أو غير قصد جعل المواطنين ضحيّة النقص ولجأوا إلى البديل غير المقونَن باستسلام شديد للحاجة، وصحيح أنّ الشرعية التي أعطتها الدولة لبدل النقل غيّبتها عن واقع المولّدات والصهاريج والصحون اللاقطة من جهة لكنّها وفّرت تسهيلات للمحتكرين إلى حدّ بعيد أولاً من خلال غياب أيّ رقابة وثانياً بسبب عدم قدرة السلطة السياسية اللبنانية على فرض الحلول الدائمة وثالثاً اعتبرت السلطة قطاعات أمر الواقع خزّانات انتخابية فعملت على حمايتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. 

 

“خصخصة بالمقلوب”

المشكلة الأم بحسب الخبير الاقتصادي كمال حمدان تكمن في فشل القوى الحاكمة ومنظومتها الإدارية في إنتاج الخدمة العامّة وتوزيعها. وهذا الفشل أو عجز القيّمين عن تسيير شؤون الدولة أنتج فراغاً اقتنصته فئات من القطاع الخاص هجينة وهامشية أو غير نظامية وغير مهنية وفي أكثر الأحيان منبثقة عن قوى أمر واقع سياسية تغطّيها وتسهّل لها التسلّل لأداء دور في إنتاج الخدمة العامّة.

ويضيف حمدان في حديث إلى “المفكرة” أنّ إفشال آليات تأمين الخدمة العامّة من قبل القوى الحاكمة سهّل إجراء “خصخصة بالمقلوب” وهذه الخصخصة مكلفة جداً اجتماعياً على المستهلك النهائي أي المواطن وذلك بمقارنة بسيطة بين السعر والنوعيّة.

وبالتالي يصف حمدان هذه القطاعات بالابن الشرعي للخلل المستفحل على المستوى الماكرو – اقتصادي أي على مستوى البنية الاقتصادية المشبعة بالنشاط الريعي والإنتاج السلعي والخدماتي البسيط وغير القابل للتبادل.  

وبالتالي لا حلّ سوى في إعادة الاعتبار إلى مفهوم الخدمة العامّة في دولة يعاد فيها بناء وإصلاح السياسات الإنمائية الاقتصادية والاجتماعية.

 

نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في السكن ، بيئة ومدينة ، حقوق المستهلك ، سياسات عامة ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم