المشتركون، أصحاب المولدات، والدولة اللبنانية: الرغبة بحماية حقوقهم تحدّها “قوة الأمر الواقع”


2018-11-21    |   

المشتركون، أصحاب المولدات، والدولة اللبنانية: الرغبة بحماية حقوقهم تحدّها “قوة الأمر الواقع”

بعد سنين إنتظرها سكان لبنان للتوقف عن تحمّل عبء فاتورتي كهرباء، يأتيهم الحل أخيراً من حيث لم يتوقعوا. فلطالما إنصبّت الأعين على وزارة الطاقة والمياه لتؤمن تغذية “24/24″، لكن الحل جاء من وزارة الإقتصاد من خلال تخفيض قيمة فاتورة المولد، بمبادرة من وزير الاقتصاد رائد الخوري بإلزام أصحاب المولدات الخاصة بتركيب عدادات والتسعير وفقاً لقرارات وزارة الطاقة والمياه.

متسلحاً بقانون حماية المستهلك، أطلق الوزير مبادرته، محاولاً ضبط قطاع خاص يقدّم خدمة عامة أساسية. مبادرة اصطدمت بواقع هذا القطاع. فعلى هامش المبادئ التي ترعى المرفق العام والامتيازات، تطور هذا القطاع في لبنان خلال الحرب واستمرّ من بعدها تبعا لفشل الدولة في تأمين خدمة الكهرباء “24/24”. وقد حصل كل ذلك بشكل واقعي، من دون أي تنظيم: وفيما كان العامل الظاهر في تحديد بدلات هذه الخدمة هو قواعد السوق، كان هنالك محدد آخر غير ظاهر هو نظام الحمايات الطائفية في المناطق، حيث تمكن “أقوياء” الأحياء في احتكار هذا القطاع، في عدد كبير من المناطق. وعليه، ارتأى وزير الاقتصاد الوقت مناسبا لبدء تنظيم هذا القطاع، أقله لجهة حماية المستهلك من خلال ربط قيمة الفاتورة بحجم الاستهلاك. وفيما جاء هذا التنظيم بمعزل عن أي حديث حول تأمين خدمة 24/24، بدت وزارة الاقتصاد من خلاله وكأنها لا تشرع الواقع الحالي وحسب، بل تتعامل معه على أنه أبدي.

هذا ما عبّرت عنه تحديداً المديرة العامة لوزارة الإقتصاد “عليا عباس” في حديث مع “المفكرة”. فبعدما رأت أن هذا التوزيع هو بمثابة امتياز لإدارة مرفق عام، أكدت أن “قطاع المولدات الخاصة سيبقى غير شرعي إلى أن يصدر قانون عن مجلس النواب يعطيه الشرعية، أما قرارات الوزير فهي إدارية، فكون القطاع ليس شرعياً لا يعني أن نسمح له بالإستمرار في إستغلال الناس”.

ليس حماية بل باب للإحتماء

بتاريخ 28 تموز 2017 أصدر خوري قرار يلزم فيه أصحاب المولدات بتركيب عدادات الكتورميكانيكية. وقد عاد وعدّله خلال شهر حزيران 2018 بقرار آخر مدد فيه المهلة المعطاة لهم، كما أشار بوضوح إلى العقوبات التي ستطبق على المخالفين والمحددة في قانون حماية المستهلك وقانون العقوبات.

لاحقاً، أصدر الوزير عدداً من القرارات تبين الإلتزامات الواقعة على صاحب المولد الخاص، وفي الآن نفسه الإلتزامات الواقعة على المشتركين. فالأول يترتب عليه شراء عدّاد محدد المواصفات بتعميم صادر عن وزارة الطاقة والمياه. بالمقابل، يقع على المشترك تأمين “صندوق شفاف بقفلين” على نفقته ليتم وضع العداد داخله، بالإضافة إلى دفع قيمة التمديدات على أن لا تزيد عن 50 ألف ليرة لبنانية، على أن تثبت هذه القيمة بفواتير من المصدر الذي استحصل منه صاحب المولدات على معدات التمديد. كذا يتحمل المشترك الجديد (منذ أقل من سنتين) حصراً، تأميناً قيمته 100 ألف عن خمسة أومبير. ويضاف إلى قيمة التأمين 75 ألف ليرة عن كل 5 أومبير إضافية. أيضاً، يلتزم المشترك عند تركيب عداد بإشتراك شهري ثابت مربوط ايضاً بعدد الـ “أمبير” للإشتراك.

بكل الأحوال، هذه الحماية ليست حتمية: فللمستهلك أن يتنازل عنها. وقد أعدّت الوزارة نموذجا ممهورا بشعارها عن هذا التنازل، نصه الآتي: “أنا الموقع أدناه (…) أفيد أنني مشترك لدى … صاحب مولد كهربائي في المنطقة… وأنني لا أرغب بتركيب عداد لاشتراكي بالمولد، وانا على علم بعدم صدور أي تعرفة رسمية للمشتركين بالقواطع الكهربائية بالتالي لا يحق لي مراجعة وزارة الإقتصاد والتجارة بما فيها المبالغ المستحقة نهاية كل شهر لصاحب المولد تحكمها العلاقة التعاقدية بيني وبينه”.

تبرر عباس إصدار النموذج بأن “على الناس أن تكون واعية لمصالحها، وعندما توقّع التعهد تكون قد تنازلت بإرادتها عن الحماية التي تؤمنها الوزارة”. إلا أن فتح هذا المجال يؤدي إلى إضعاف هذه الحماية، وخاصة في ظل قوة الأمر الواقع التي يتمتع بها أصحاب الموتيرات في مناطق عدة.

التفاعل الاجتماعي

لضمان إلتزام اصحاب المولدات بقراره، لجأ الوزير إلى القضاء لملاحقة المخالفين من أصحاب المولدات. إستدعاء عدد منهم للإستجواب أدى إلى تصاعد موجة الإعتراض بينهم، فكانت ذروتها إعلان “تجمع أصحاب المولدات” قطع إمداد المشتركين بالكهرباء لساعتين بتاريخ 6 تشرين ثاني 2018. بالمقابل ردّ الوزير أن الإستمرار بعدم الإلتزام سيؤدي إلى مصادرة المولدات من قبل الدولة. وفيما تركز الإهتمام الإعلامي على الخلاف بين الوزير وأصحاب المولدات، غاب رأي المشتركين (المستهلكين) عن الصورة، لجهة قرار الوزير وكيفية تفاعلهم مع مبادرته “الحمائية”. في هذا السياق تستمع المفكرة إلى مجموعة من المشتركين في مناطق مختلفة وبصيغة عشوائية، ليروا كيف تفاعلوا مع قرار الوزير، وما مستوى الحماية التي تمكن من التمتع بها في ظل هذه القرارات.

“الدولة قررت هذه المرة أن تقدم نوعا من الحماية لي، لماذا لا أستفيد منها؟” بهذا السؤال يعبّر أمين (اسم مستعار) وهو أحد سكان بدارو عن رفضه القبول بالتنازل عن العداد الخاص بالاشتراك الخاص في الأجزاء المشتركة من المبنى (المصعد، درج المبنى، غرفة الناطور…). فإذ يرغب سائر مالكي الشقق في المبنى التوقيع على التنازل بالتنسيق مع صاحب المولد، يصر هو على ضرورة تركيب عداد. وما يزال قرار المبنى معطلا بفعل هذا الاعتراض، إذ يدور جدل بين مالكي المبنى فيما إذا كانت قرارات كهذه تتخذ بالأكثرية أو بالإجماع.

أسعد (جل الديب) قرر أيضاً أن يستفيد من الحماية. وقد اضطر لخوض معركة مع صاحب المولد لهذه الغاية. يقول للمفكرة “إتصلت به عدة مرّات، وإشتكيت لدى حماية المستهلك عدّة مرات أيضاً، قبل أن يقوم بتركيب العداد. وأنا لا أجزم أنه قام بذلك بسبب إجراءات إتخذتها المصلحة لأنني لم أعلم أن هذا حصل. لكنني أعلمت صاحب المولد بنفسي أنني إشتكيت”. يظهر أسعد على دراية تامة بتفاصيل قرارات الوزير بحيث تمكن من الإستفادة من الحماية التي تؤمنها بالكامل. هذا من دون أن نغفل وجود عناصر أخرى، تحكم علاقته مع صاحب المولد، بحيث يمكن القول بوجود توازن بينهما على صعيد المصالح. يوضح أسعد أنه “رفض دفع التأمين في جل الديب لأنه مشترك لدى صاحب المولد هناك منذ أكثر من سنتين”. وأن صاحب المولد “طلب مني دفع التأمين، فطلبت أن يراجع تاريخ اشتراكي لديه، وبناءً عليه لم أدفع التأمين”. بالمقابل تحمّل دفع التأمين اللازم “في منزلي في بياقوت لأني مشترك حديثاً هناك، وقد دفعت 125 ألف ليرة عن الـ 10 أمبير”. يوضح أسعد أنه دفع “حصراً سعر الصندوق الذي يوضع داخله العداد، أيضاً دفعت 50 ألف ليرة تكلفة التمديدات وأجرة الشخص الذي يقوم بالتمديد، أما العداد فعلى نفقة صاحب المولد”.

من جهتها، تجد صابرين (حارة حريك) أن “مبادرة الوزير جيدة نظرياً، لكنها لا تؤدي هدفها الحمائي واقعياً”. وفقاً لها، “الوزير قال أن العدادات على عاتق صاحب المولد، هنا كل شيء على نفقتنا”. وهي تضيف أن “التدخل للحماية مهم، لكن حتى الرقم الساخن للوزارة ليس فعالاً، ونجد صعوبة في تسجيل تلقي الشكاوى عبره بسبب عدم االتجاوب السريع”. بالنسبة لصابرين، هي لن تقول بتركيب عداد حيث أنه “فعلياً بين دفع التأمينات، ودفع المبلغ المقطوع الشهري ودفع التمديدات وقيمة العداد وغيره، نكون أمام نفس المصروف”.

بهذا المعنى، تعبّر صابرين عن رغبتها بالحصول على حماية من الدولة. لكنها لا تجد مجالاً أمامها للوصول إلى هذه الحماية. وهذه ليست مشكلة صابرين وحدها. إذ أن سكان بربور مجرّدون من الحماية بفعل إحتكار المولدات من قبل تابعين لحزب سياسي في المنطقة. هذا التجريد يرتدي غطاءه الشرعي بموجب “نموذج” وزارة الإقتصاد الخاص بالتنازل عن الحق.

تشير لينا (إسم مستعار) إلى أن أصحاب المولدات في بربور يتسلحون بسلطتهم الحزبية وهم تابعون لـ “حركة أمل”، وقد وزّعوا علينا ورقة نقر فيها أننا لا نريد تركيب عدادات”. لم يكن لدى السكان، وفقاً لـ “لينا” خيارات. ففي البداية، “جاء أصحاب المولدات للمفاوضة ونشروا أخباراً مفادها أن تركيب العدادات مضر وسيؤدي لزيادة التكلفة عليهم، لا سيما إذا زادت ساعات التغذية من قبل الدولة، عندها يصبح الإشتراك مكلفا جداً”. يبدو أن الأمر لم يقنع المشتركين بالكامل. فانتقل أصحاب المولدات إلى “التهويل، حيث لا حل أمام المشترك سوى توثيق التنازل، تحت طائلة قطع الإشتراك عنه”. تضيف: “أننا نعلم هنا في منطقة بربور أن قطع الإشتراك من قبل صاحب مولد يعني عدم إمكانية الحصول على بديل من غيره. فأصحاب المولدات يتقاسمون المنطقة بينهم، ولا يسمح لأحد من خارجها أن يوصل إشتراكات إليها”.

السطوة الحزبية في مناطق أخرى تتخذ شكلاً مختلفاً على صعيد أزمة الكهرباء. ففي جبل لبنان (الشوف وعاليه) حيث النفوذ الأساسي للحزب التقدمي الإشتراكي “العدادات معتمدة منذ حوالي 4 سنوات”، وفقاً لأدهم. في قريته، عين وزين، قدّم النائب وليد جنبلاط كما فعل بالنسبة لمناطق أخرى مولدات بمثابة “هبة”، وترافق الأمر مع تركيب عدادات منذ اللحظة الأولى. يضيف أدهم أن “كل قرية شكّلت لجنة لإدارة المولدات وهي لجنة مشتركة بين الأهالي والمجلس البلدي”. والحال أنه في هذه المناطق لم تعد المولدات إستثماراً ربحياً منذ ذلك الوقت، بل هي خدمة عامة بإدارة محلية بالكامل. وفقاً لأدهم، “الأموال التي تدفع بدل الخدمة، تستخدم لصيانة المولدات حصراً، وعندما تفيض القيمة، يتم شراء مولد إضافي كما حصل في قريته”.

تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن حالة قرى الجبل ليست فريدة إلا لناحية تنظيمها المحكم من خارج الدولة وعبر حزب سياسي تابع لنائب في البرلمان. بالمقابل هناك العديد من المناطق التي بادر فيها أصحاب المولدات منذ سنوات ومن تلقاء أنفسهم لإخضاع تسعيرة الإشتراكات لنظام العدادات. وعلى سبيل المثال في منطقة الشويفات حيث تقيم آمال “هناك بعض أصحاب المولدات قاموا منذ سنوات بتركيب عدادات للمشتركين لديهم من تلقاء أنفسهم”. تقول أنها كانت مشتركة “مع صاحب مولد يقدم خدمة سيئة. في النهاية بحثت عن غيره فإكتشفت أن هناك صاحب مولد يعتمد العدادات. وقد إنخفضت التكلفة منذ إنتقلت بالإشتراك لديه، وحصلت على خدمة أفضل بكثير”.

“لا ثقة”

يظهر اتّجاه آخر لدى المواطنين يعبّر عن إنعدام ثقتهم بالدولة، وآلياتها الحمائية بالكامل. وفي هذا صغار المستثمرين في مجال المولدات كما المشتركون، يتخوفون من إنعدام أدوات الحماية الحقيقية لمصالحهم.

فتجربة بيار، المقيم في جل الديب أيضاً، تبدو مختلفة بالكامل عن أسعد. يؤكد بيار أن أحداً “لا يتكلم عن موضوع العدادات في الحي هنا. حتى صاحب الدّكان الأكبر فيه لم يهتمّ ولم يسأل صاحب المولد”. الأخير بدوره “لم يسألنا إذا أردنا عدادات ولا طلب أن نوقع على إقرار بالتنازل عن حقنا”. يوضح بيار أنه “ليس مهتماً بالموضوع ككل، فالسعر المقطوع الذي يتقاضاه صاحب المولد شهرياً (100$ كحد أقصى) مقبول”. يضيف أنه “تكلم مع رئيس لجنة المبنى الذي يقيم فيه، فأخبره الأخير أن صاحب المولد يتقاضى 1200$ سنوياً عن الإشتراك المشترك للمبنى، وأن تركيب عداد قد يؤدي إلى رفع هذه التكلفة”. لذا “الأفضل أن لا نقوم بتركيب عداد، لا سيما أننا نتخوف من أن يقوم صاحب المولد بالتلاعب بالعداد في حال قمنا بتركيبه، بالتالي زيادة التكاليف علينا”.

تتشابه ريبة بيار، مع ما يعبّر عنه أحد أصحاب المولدات في منطقة صحراء شويفات. يقول علي أن مبادرة الوزير غير ملائمة للمنطقة حيث المولد الذي يملكه. فهو يميّز بين “المناطق المنظمة مثل حارة حريك مثلاً، والمناطق الفقيرة مثل حي السلم وصحراء الشويفات”. في الأخيرة “لا يوجد في المباني غرف مقفلة للعدادات، ولا يمكننا أن نضبط عدم حصول تلاعب أو سرقات في حال تركيب العدادات من قبل المشتركين”.

بعيداً عن الطرفين تعتقد هلا (بعبدا) أن مبادرة الوزير” بلا طعمة (بلا قيمة)”. فهي لا تجد أن هذه المبادرة تؤدي إلى حمايتها بالأساس، إنما على العكس من ذلك هي تفتح الباب أمام تكريس إنتهاك حقي بالوصول إلى خدمة الكهرباء بأسعار مقبولة وبطريقة شرعية، حيث يشرّع الوزير قطاعا مخالفا”. تضيف هلا أنه “يفترض أن الكهرباء تؤمن حصراً من الدولة اللبنانية، وهذا أساس المشكلة التي أثارتها الدولة مع شركة كهرباء زحلة قبل فترة، فكيف تأتي الدولة لتنظم المخالفات وتكريسها؟” هلا بدورها تؤكد “لم أسمع حديثا حيث أقيم عن الموضوع، ولا أعتقد أنه يتم تركيب عدادات بشكل كبير”.

الفاتورة الخاصة إلى “الخمس”

تقول “عباس” أن وزارة الإقتصاد تعمل على مراقبة الفرق بالتكلفة ما قبل العدادات ومن بعدها. وقد اتضح أن أشخاص كانوا يتكلفون “260 ألف” باتو يدفعون “36 ألف ليرة”. كما إنخفضت بعض الفواتير من 120 ألف إلى 26 ألف ليرة. توضح أن “هذا الإنخفاض الكبير لا يعبر بالكامل عن حجم إستغلال أصحاب المولدات، بل بجزء منه يحصل بسبب ترشيد المشتركين لاستخدام الطاقة عبر المولد الخاص، حيث أن سعر الدولة يبقى منخفضاً نسبة للتسعيرة الخاصة بالمولدات، وسيفضّل الأشخاص أن يقوموا بالأعمال التي تستهلك طاقة في أوقات التغذية من شركة كهرباء لبنان”. في مطلق الأحوال “الآن المشترك لم يعد يدفع جزية، بل بات يدفع قيمة إستخدامه لطاقة المولد”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية