المحكمة الادارية تذكر هيئة القضاء العدلي بوجوب احترام القانون: الرقابة المؤسساتية تنجح في فرض سلطة القانون


2014-11-13    |   

المحكمة الادارية تذكر هيئة القضاء العدلي بوجوب احترام القانون: الرقابة المؤسساتية تنجح في فرض سلطة القانون

في 10-11-2014، أصدر رئيس المحكمة الادارية قرارا استعجاليا ب "ايقاف تنفيذ قرار نقلة قاض عدلي لوجود شبهة خرق اجراءات في ذلك القرار". ويعد الحكم القضائي –وان كان مؤقتا في طبيعته لحين صدور حكم في طلب الغاء قرار النقلة– حكما مبدئيا هاما خصوصا فيما يتعلق بتطبيق مبدأ عدم جواز نقلة القاضي دون رضاه مما يستدعي الوقوف عنده. وكانت الحركة القضائية لسنة 2014-2015 التي أعدتها الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي والصادرة في 27-8-2014 قد نصت على نقل القاضي مثير المنازعة، من محكمة بن عروس بضواحي العاصمة تونس الى المحكمة الابتدائية بالكاف التي تقع بالشمال الغربي للبلاد التونسية من دون رضاه.
 
وقد استند مثير المنازعة في طلبه لكون القرار الذي صدر في حقه يخرق مبدأ عدم نقلة القاضي بدون رضاه الذي كرسه الفصل 104 من الدستور خصوصا وورد كعقوبة مقنعة في حقه على خلفية تعهد مجلس التأديب بشكاية اثيرت ضده. وقد أكد القرار الاستعجالي ان "رد هيئة الاشراف على القضاء العدلي التي تمسكت بكون نقلة المدعي كانت  لمصلحة العمل غير جدي لأن  نقلة القاضي بدون رضاه يجب ان تتم وفق احكام الفصل 12 من القانون الاساسي عدد 13 لسنة 2013 المحدث للهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي باعتبارها استثناء يعتمد وفق شروط واجراءات مضبوطة وهيئة القضاء العدلي لم تثبت تحريها تلك القيود". وانتهى رئيس المحكمة الادارية في تسبيب حكمه للربط بين ما اثاره القاضي المعني من كونه محل تتبع تأديبي وقرار النقلة ليقرر "ان عدم شرعية قرار النقلة مرجح" بما يوفر شرط تأجيل التنفيذ. وبذلك، كشفت الرقابة القضائية لرئيس المحكمة الادارية على عمل الهيئة الوقتية للقضاء العدلي احتمال أن تكون هذه الاخيرة قد انحرفت في استعمالها للنقل في اتجاه اعتماده كعقوبة مقنعة.
 
في خصوص عدم احترام مقتضيات مبدأ عدم نقلة القاضي بدون رضاه 
عد القانون "نقلة القاضي بدون رضاه" خروجا عن المبدأ الذي أرساه الدستور التونسي في الفصل 104 منه. وقد ضبط القانون شروطا لاعمال الاستثناء تضمن عدم التوسع فيه بما يحول دون المساس بأصل المبدأ وهي:
 
أولا: أن مصلحة العمل التي من شأنها أن تبرر نقل قاض من دون طلبه هي "المصلحة الناشئة عن ضرورة تسديد شغور أو التسمية بخطط قضائية جديدة أو مواجهة ارتفاع بيّن في حجم العمل بإحدى المحاكم أو توفير الإطار القضائي عند إحداث محاكم جديدة"،
 
ثانيا: الا يتم الالتجاء الى النقلة بدون طلب إلا بعد اثبات عدم وجود راغبين في الالتحاق بمركز العمل المعني. وقد اشترط المشرع لتحري ذلك ان يدعى للغرض القضاة المباشرون بأقرب دائرة قضائية مع اعتماد التناوب وعند الاقتضاء يتم إجراء القرعة.
 
وبين القرار القضائي ان الهيئة لم تتول اثبات مصلحة العمل كما انها لم تعلن عن مراكز العمل التي ظلت شاغرة بعد استيفاء النظر في مطالب النقلة ولم تعرض تبعا لذلك مركز العمل الذي نقلت اليه القاضي الطاعن على سواه من القضاة الذين قد تكون لديهم رغبة في الالتحاق به. علاوة على ذلك، لم تتحرّ الهيئة عن معيار القرب الجغرافي في تحديد المعنيين بالنقلة لمصلحة العمل. وذات الخرق للقانون سلط القرار القضائي الضوء عليه فيما تعلق بشبهة استعمال الحركة القضائية في غير هدفها وتحويلها لوسيلة عقاب خارج نطاق التأديب القانوني.
 
شبهة استعمال النقل في الحركة القضائية كعقوبة 
لم يبت القرار القضائي في طبيعة قرار "النقلة محل نظره" ان كانت نقلة اعتيادية او عقابية، على اعتبار أنه لا يفصل في اصل النزاع. الا انه أشار في متنه الى تزامن قرار النقلة مع تعلق تتبعات تأديبية بمن شملته ليرجح "الانحراف بالاجراءات"، مما يؤشر الى احتمال ان تكون نقلة القاضي الطاعن تمت في سياق عقابي وعلى نحو يخالف القانون الذي يحصر اتخاذ عقوبات تأديبية بالهيئة التأديبية وفق الاجراءات القانونية التي تحقق مبدأ المواجهة وتضمن حق الدفاع. وتبدو استنتاجات القاضي الاداري مؤيدة بمؤشرات تدل عليها، خصوصا منها ان نقلة المعني وردت خارج اطار ترقية أو اسناد خطة وظيفية بما يخالف ما كانت الهيئة اعتمدته من معايير في أداء عملها.
 
ويظهر من خلال هذا القرار أن الهيئة خرقت الدستور في أول نقلة تجريها في ظله، وفوتت على نفسها تصحيح هذا الخرق عند النظر في الاعتراضات على الحركة القضائية، رغم انها تعهدت في مرحلة اولى بان تأخذ بعين الاعتبار ما وجه اليها من انتقادات. ويخشى أن يكون اصرار الهيئة على موقفها مؤشرا على تطور ثقافة خرق القانون صلبها، رغم ثورية هذه المؤسسة وما ميز تركيبتها من تواجد لاغلبية من القضاة المنتخبين. وقد أتى القرار القضائي في هذا الصدد ليمنع تحول خرق القانون لجريان عمل وليؤكد أن مكانة الهيئة لا تجعلها في حل من الالتزام بالدستور والقانون.
 
وقد أثبت الصراع الايجابي بين هيئة القضاء العدلي والقضاء الاداري أن بناء دولة القانون لا يتم باعتماد معيار الاشخاص بقدر ما يرتهن لبناء مؤسسات تخضع للقانون بفعل توفر آليات رقابة على حسن تطبيقه.  
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية