المجال الديني والسياسي في دستور الرئيس: الدولة الدينية من بوابة الشعبوية


2023-04-10    |   

المجال الديني والسياسي في دستور الرئيس: الدولة الدينية من بوابة الشعبوية

يرجع مختصّو القانون في تفسير الدساتير إلى مداولات السلطة التأسيسية وشُراح القانون. إلا أن هذا الامتياز غير متاح في علاقة بـ”دستور 2022″. فحتى نبلغ معانيه ودلالاته، تبقى خطابات الرئيس قيس سعيّد الملجأ الوحيد، بخاصّة أنه ما فتئ يؤكّد دائما على انطلاقه من “مقاربات جديدة” سواء في الدين أو السياسة. غير أنه لم يُقدم تنظيرا مدونا أو تفصيلا في خطاباته يمكن التعويل عليه في فهم هذه المقاربات سوى عناوين عامة يمكن إجمالها في مشروع البناء القاعدي. فيجد المراقب نفسه مُتتبعا للرئيس في شخصه، وفي قوله وسلوكه. لم تكن الشعبويّة إلا مدخلا للتغطية على هذا النقص. فقد طالت محرقته الخطابية جميع المفاهيم والأفكار والمؤسسات بدءا بالشعب والسيادة والقانون والدولة وصولا إلى الدين. لذلك سعيا لحصر طرحه للوقوف على ما يمكن تأويله ونقده، نجد أن الشعبوية أبرز أداة تحليل ممكنة باعتبارها “لاهوتًا سياسيّا” يُكثّف المعنى ويضعه في الشعب المقدس ككيان مُكتف بذاته. فهي سمحت للرئيس أن يقتحم بعنف “ميتافيزيقا الشعب”،[1] لفرض تصوّرات سياسية ودينية ضمن مشروع يكتسي هو نفسه بطابعالنبوة. لقد أسّست شعبوية الرئيس للاهوت سياسي-ديني، يتجاوز تاريخ العلاقة بين المجالين السياسي والديني في تونس، فبنى على أساسها صورة “المسلم غير الإسلامي”، ليصل في نهاية الأمر إلى تضمين كل ذلك في دستوره عبر الرعاية الحصرية للدين من قبل الدولة.

تاريخ العلاقة بين المجال الديني والسياسي في تونس: التوتر والتوظيف

بمراجعة مشروع التحديث في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، يمكن ملاحظة أنّ الدين تمّ توظيفه على مستويين. على المستوى الأول، في الخطب والمقابلات، وكذلك في الوثائق الرسمية للحزب الدستوري، روّج بورقيبة لأيديولوجيا حداثية تفترض أن العقل البشري مكوّن ضروري للتقدّم الاجتماعي، وأن هذا العقل يتعارض مع الدين الذي يبقى جزءا من معتقدات الشعب.[2] ولقيادة هذا التغيير الاجتماعي كان لزاما بالنسبة إليه أن يضمن وحدة وانسجام الكيان المجتمعي لكن مع إحداث تغيير في معتقدات الشعب المحافظة. اعتبر الرئيس بورقيبة نفسه رئيسا ومُجتهدا فهو رأس السلطة المدنية الحديثة وإمام السلطة الدينية التقليدية. مما ورد على لسانه في هذا الاتجاه أنه من بين وظائفه ومسؤولياته كرئيس للدولة، تفسير الشريعة الإسلامية والدين باعتباره الزعيم الروحي للمسلمين في تونس.[3] من بوابة الشرعية السياسية لرئيس الجمهورية وضع بورقيبة يده على المشروعية التقليدية للإمامة الدينية حتى يستطيع إدخال التغييرات التي يراها حديثة خاصة على قانون الأحوال الشخصية. يبدو جليا على هذا الأساس أن هناك خطان متوازيان ديني وسياسي في وصفة التحديث البورقيبية حاول الزعيم والأب اللّعب عليهما، مع امتياز تكريس أفكار تقدمية. هذا من ناحية المضامين والقيم المؤطرة للعلاقة بالدين، أما هيكليا فقد تمّ منذ سنة 1956 بعد توحيد القضاء إلغاء خطّة شيخ الإسلام وتعويضها بمفتي الديار التونسية (الأمر الرئاسي المؤرخ في 28 فيفري 1957) الذي تغيّر اسمه لاحقا ليصبح مفتي الجمهورية (الأمر الرئاسي في أفريل 1962) بما في ذلك من دلالة مهمة. فهو مفتي مجموعة مدنية من المواطنين. بقيت مهامه بعد 1962 هي نفسها كمستشار الدولة في شؤون الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية ويضطلع بكلّ ما يسند إليه من مهمات دينية أخرى. أما على مستوى إدارة الشأن الديني، فقد كانت ملحقة بالوزارة الأولى منذ 1967. وللتذكير فقد أشرف عليها مسؤول وحيد مدة 20 عاما، أي إلى حدود سنة 1987. وتحولت سنة 1989 إلى كتابة دولة للشؤون الدينية ثم إلى وزارة سنة 1992 في عهد بن علي.

لم يكن هذا الإشراف على الشأن الديني موظفا في اتجاه واحد، أي تحت سقف مشروع التحديث البورقيبي. إذ بتغيّر المعطى الديني في المجتمع التونسي وظهور الإسلام السياسي، ظهر صراع على ملكية رأسمال ديني كانت الدولة وحدها تحتكره. تحوّل ذلك المجال الديني إلى مجال صراع بين الإسلام الرسمي والإسلام السياسي منذ السبعينات. وهو المستوى الثاني من التوظيف للمسألة الدينية في عهد بورقيبة. على خط المواجهة بينهما، اختار نظام بن علي أن يقفز إلى الجهة الأخرى من المعادلة، فلم يمسّ من الإرث البورقيبي في هذه المسألة (قيم وإدارة الشأن الديني) لكن قدم نفسه كرمز للإسلام الوسطي والمعتدل. ويُعتبر تركيز المجلس الإسلامي الأعلى (09 جانفي 1989) بعد سنة ونيف من انقلاب 7 نوفمبر، وصولا إلى  تأسيس وزارة كاملة للشأن الديني (1992) مؤشّرا على ذلك. بالرجوع إلى سياقها في بداية التسعينات، أي في إطار وضع ركائز النظام وإقصاء المعارضة خاصة حركة النهضة الإسلامية، تبرز حاجة النظام إلى مزيد توظيف المجال الديني عبر إسلام رسميّ يرد عنه خطر الصراع مع الأيديولوجيا الدينية. على سبيل المثال، وبالعودة إلى مشمولات المجلس الإسلامي الأعلى، نلاحظ أنه يمثل تأطيرا وهيكلة للـ “الجماعة المعرفية” الدينية (Communauté épistémique) “من المشهود لهم بالتمكّن من العلوم الإسلاميّة” بمقتضى الأمر عدد 118 لسنة 1989. وتوفّر هذه الجماعة المعرفية رأيا استشاريّا و”تساعد” المؤسسات وتقدّم “التوصيات والمقترحات”. أي أنها ملحقة بالمؤسسات السياسية في إطار المحافظة على الشخصيّة الوطنيّة والإشراف على المؤسسات الدينية كالمساجد وتقديم المساعدة فيما يتعلق بالبرامج في جامعة الزيتونة أو مادة التربية الدينية. إذن حدد الأمر الرئاسي مجال تدخّل الجماعة المعرفيّة الدينيّة ووظّفه في إطار الجماعة السياسية. إلا أن توسُّط نظام يبحث عن تركيز دعائمه لهذه العملية جعل من الإسلام الرسميّ أداة صراع سياسيّ بالأساس من دون وجود مشروع حقيقي.

بالمحصلة، تبدو العلاقة بين المجالين حساسة تتراوح بين إدارة التوتر وتأثيره على مشروع التحديث إلى التوظيف تدريجيا من عهد بورقيبة إلى عهد بن علي. فالنظام السياسي، بطابعه الاستبدادي أصبح يتوسّط العلاقة بينهما، وفق حاجته لضبط المجال السياسي والهيمنة عليه. تراجعتْ لذلك قيم مشروع التحديث الوطني إلى درجة ثانية، مع تدخّل موضعي ومدروس في المجال الديني. لكن امتياز هذه المرحلة هو أنها بقيت تُدار ضمن قيم ومؤسسات الدولة الحديثة. من ذلك مثلا اعتماد الرؤية في تحديد مطالع الأشهر القمرية مع الاستئناس بالحساب. وهو الخيار الذي رحّب به الرئيس قيس سعيد في مقاله في جريدة الصحافة سنة 1989. إلا أنه سيذهب إلى أبعد من ذلك في تصوّر العلاقة بين الدين والسياسية، رافضا الاستثمار فيما حققته فترة الإنتقال الديمقراطي. هنا بدأ الرئيس قيس سعيد أيضا بتوظيف آخر عندما صنع صورة المسلم – غير الإسلامي.

شعبوية الرئيس: المسلم غير الإسلامي

اقتحام الرئيس لتاريخ العلاقة بين المجالين الديني والسياسي بحجة المقاربات الجديدة ليس مؤصلا له إلا في جرأة الشعبوية على ادّعاء ما لا تقدر عليه. يدّعي المشروع السياسي للرئيس وأنصاره طرح مقاربات صالحة لتونس وللإنسانية. أي أن أفق التغيير واسع جدا، لعلّه لذلك غير قابل للحصر في مدونة واحدة تؤصّله. فرغم محاولة بعض أنصاره تدوين ما يمكن تدوينه، يبقى مجرد رؤوس أقلام لا تغطي حجم المهمة المُدعاة. ضمنها تظهر المسألة الدينية مُغيبة إلى حد بعيد. إلا أننا بمراجعة تفاصيل مشروع البناء القاعدي الذي ينبني على ادّعاء أنه يقدر بمرجعياته ومؤسساته توحيد كيان الشعب كما هو والتعبير عن إرادته، تُصبح المسألة الدينية مُحالة على الشعب نفسه. أي أن التعامل مع الدين يتم على أساس اعتباره معطى سوسيولوجيا مقبولا مبدئيا، ولا يُتصور أن المشروع سيُخالفه. يبدو لذلك الأستاذ الرئيس المحافظ الشخصية التي تتلاءم مع هذا المشروع.

حرص الرئيس سعيد على الحضور في المسجد منذ انتخابه سنة 2019. وأهم خطاباته التي تنضح بالرؤية الدينية كانت بتاريخ 12 أفريل 2021 إثر عودته من زيارة إلى مصر، وفي خضمّ صراعٍ حادّ مع حركة النهضة خاصة حول التحوير الوزاري وقانون المحكمة الدستورية. في هذا الخطاب قال: “إن الله توجّه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين”. وأضاف قائلا: “ربّنا قال يا أيها الذين آمنوا. وإبراهيم كان مسلما ولم يكن إسلاميا. نحن مسلمون والحمد لله على نعمة الإسلام”. يستجيب في هذا المستوى لخلفية مشروع البناء القاعدي حيث الدين معطى مقبول كما هو. فهو يدخل في مجال غير المختلف فيه ولا يمكن الاختلاف حوله. ينضاف ما سبق إلى دور الرئيس كقيادة شعبوية تُجسَد الشعب بحيث تصبح إرادته من إرادة الشعب ليمرّ إلى تضمينها. فنجد أنه يحرص على ترديد تصوراته الخاصة عن الدين. من ذلك طلبه إعادة نشر مقاله في جريدة الصحافة من سنة 1989 والمعنون بـ: “حرية ممارسة الشعائر الدينية” خلال زيارته في مارس 2023 لمقر “سنيب لابريس”.[4] يعكس المقال رؤيته التقليدية المحافظة والتي لا تخرج عن حدود التصور الديني التقليدي. وهو يتناسق مع نفسه في هذا المستوى حيث حافظ على نفس التصوّرات إلى اليوم، وقد رددها بشكل متواصل خلال فترة الانتقال الديمقراطي خاصة فيما يتعلق بالمساواة في الميراث والإعدام وحقوق الأقليات الجنسية. النص الديني لديه مُقدم دائما على حقوق الإنسان والتأسيس القانوني لها.

تنتمي صورة الزعيم والقائد الشعبوي إلى سجلّ الرمزيات المتعالية والتي تستنفر تمثلات الشعب وتصوراته بسهولة. باسم الشعب يقتحم الرئيس بحرية تامة ومن دون ضوابط عقلانية (إلا ما يراه هو عقلانيا) هذا الفضاء الحسّاس الذي سعت الدولة الوطنية في تأسيسها إلى التحكّم فيه بناء على قيم ومؤسسات حديثة. إلا أنّ الرئيس قيس سعيد وظّف في نهاية الأمر المشروعيّة الشعبيّة (في خطابه الشعبوي) عبر المشروعية الكاريزمية والتقليدية كزعيم يستنفذ تعلّق الشعب به وقيم الشعب المحافظة لتنصهر في تصوراته الخاصة. تضرب المشروعية الكاريزمية (وهنا تنضاف لها الشعبوية في خليط خطير جدا) الحقّ في الإختلاف الديمقراطي.[5] لذلك نجده يحتكر جميع المؤسسات ومسار إعادة بنائها حيث رفض جميع مبادرات الحوار التي أطلقها الفاعلون السياسيون منذ 25 جويلية. لقد انغلق من بوابة الشعبوية كلّ من المجالين الديني والسياسي ليتحكم الرئيس في هندستهما كما يشاء وحده. عبر اللاهوت السياسي- الديني للشعبوية يؤسس الرئيس للمواطنة المُسلمة للجماعة المسلمة (مسلمون والحمد الله). لنا أن نتساءل من هنا: كيف سيُضمَن الرئيس قيس سعيد كل ذلك في دستور 2022؟

دستور 2022: دولة الرعاية الحصرية للدين

لسائل أن يسأل عن سبب التعرض أعلاه لتاريخ العلاقة بين المجالين الديني والسياسي ولتمثلات “الشعبوية القيسية” لها. في الحقيقة، يسمح ذلك لنا بفهم الإطار الإدراكي المرجعي للسياسات العمومية في هذا المجال، بما يمهّد لتقييم السياسة العمومية الجديدة الموعودة في “دستور 2022”.

يعتبر الفصل الخامس من الدستور مركزيا في التصور الدستوري للمسألة الدينية. جاء أولا بديلا عن الفصل الأول لدستور 1959 ودستور 2014، مُضيفا عبارة “على الدولة وحدها”. تجاوز بذلك نموذج الدولة الراعية للدين، والذي ساد منذ 1956. والبديل هي الرعاية الحصرية للدين. إن كان الأول محكوما بقيم مشروع التحديث مع بورقيبة التي لم يتجاوزها بن علي، مُكرسا فصلا نظريا بين المجال الديني والرسمي، فالنموذج الثاني يجمعها بمضمون جديد عبر الطرح المقاصدي. فالدولة هي التي ستعمل على تحقيق مقاصد الإسلام. أي أن الدستور يضع شرطا مضمونيا لنموذج الرعاية الحصرية الذي سيتمّ ترجمته في السياسات العمومية الدينية على وجه الخصوص. الدولة محمولة دستوريا على الالتزام بمقاصد الدين. ما يعتبر منفذا للمشروعية الدينية حتى تنافس الشرعية السياسية. فلو افترضنا أن رئيسا قادما يخالف مقاصد الإسلام في مقترح قانون، فإن الحجة الأولى ضدّه هو فقدانه للمشروعية الدينية. ما يعني أن الفصل النظري بين المجال غير موجود بل تتأسّس شرعية المجال السياسي من مشروعية المجال الديني. من الناحية الهيكلية في مأسسة الأخير، يقوم النموذج الأول على تداخل عضوي بينه وبين المجال السياسي. أما وفق تصور “دستور 2022” يتواصل التداخل العضوي بين المجالين. لكن الملاحظ أنه حذف تفصيل الفصل السادس من دستور 2014 المتعلق بتحييد المساجد والتفصيل المتعلق بتعيين الرئيس لمفتي الجمهورية في الفصل 78. فعليا هذه التفصيلات يجمعها الفصل الخامس نفسه. فالدولة بمُجملها ستشرف حصريا على الشأن الديني. بل هي جهاز ديني- سياسي حتى مع تصريح الرئيس دائما أنها “لا دين لها”.

في مخاطر هذا النموذج، لجهة المضامين، يمثل إضافة الفكر المقاصدي عنصرا مركزيا. فهو لا يمثل علما مستقلا لجهة أن النسق المقاصدي إبستيميا ليس معرفة مستقلة وتشكو ضعفا في جهازها المفاهيمي، حيث أن الإعمال المقاصدي يصلح لإثبات الشيء وضده.[6] كما أنه جزء من طرح الإسلام السياسي نفسه الذي وظفه في إطار “عقلنة” مشروعه. لذلك لم يصل الطرح المقاصدي مثلا إلى رفع التناقض بين حقوق الإنسان والدين. تنفتح إذن السياسات العمومية الدينية على فرضيات التشدد الديني وستنعكس بالضرورة على القوانين والمؤسسات. بالإضافة إلى أن مرجعية المقاصد كمضمون دستوري مُلزم ستنافس المرجعيات الحديثة والتي حلّت في عدة نصوص قانونية. ومع حسم قيس سعيد لعدة مسائل في هذا المجال، يمكن القول أن التصوّرات السلفيّة ستتسرّب إلى المنظومة القانونية.

أما لجهة الهياكل والمؤسسات، يُفترض وفق التصوّر الدستوري أن يتمّ تعزيز دورها حتى وإن غابت تفصيليا في الدستور. بل يُتوقع أن نصوصا قانونية جديدة ستكون نتيجة لذلك كأن تنضاف صلاحيات جديدة لمؤسسة الإفتاء أو للمجلس الإسلامي الأعلى الذي صدر سنة 2013 تعيين قيس سعيّد عضوا فيه[7]. كما يمكن أن نتوقع أن مؤسسات إنفاذ القانون كوزارة الداخلية مثلا ستلعب دورا في فرض قواعد الآداب العامة والأخلاق الحميدة وفق التصورات الجديدة. هذا مع التذكير بأنها تقوم بذلك فعلا فيما يتعلق بغلق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان على سبيل المثال.

بالمحصّلة، يمكن القول أن نموذج الرعاية الحصرية للدين يؤسس لدولة دينية بدأت مرجعياتها بالتشكل انطلاقا من تصورات الرئيس (وفي إطار المشروع السياسي) ليقع تضمينها لاحقا في الدستور مرورا بـ”ميتافيزيقا الشعب”. كانت المرجعيات السابقة للعلاقة بين السياسي والديني تنطلق من مجال سياسي مدني حديث، خاصة في عهد بورقيبة ثم في عهد بن علي، رغم أن الأخير قد أعطى بعدا هيكليا أوضح للمجال الديني بعد أن كانت منضوية تحت إدارات أخرى، لكنها بالمجمل حافظت على فكرة التمييز بين الدين والدولة. إلا أن الرئيس سعيد انتقل إلى الجمع بينهما متخليا عن التمييز وما يستتبعه من معايير قيمية ومؤسسية. أصبحت الدولة جهازا سياسيا ودينيا على حد السواء. لعله يمكن انتقاد المراحل السابقة بسبب التوتر الذي خلقته بين المجال الديني والسياسي عندما وظّفته لضمان استقرار النظام السياسي الاستبدادي. لكن المستقبل، في ظل تصور “دستور 2022″، يضع أسسا لنظام استبداد ديني. أما ما يزيد من حدّة الخطر هو أن هذا التحوّل قد تحقق بفضل الطابع الشعبوي، أي عندما اقتحم الرئيس وأنصاره فضاء القيم والمرجعيات بتعميم لا تأصيل له سوى علو صوت الناطق باسمه في الخطاب. فيما الواقع في الأسفل، في المجتمع، يواصل فقدان قيم التحديث التي يبدو أن “دستور 2022” قادم لإنهائها.


[1] عبد الإله بلقزيز، الشعبوية وميتافيزيقا الشعب، 2009، infobelkziz.

[2] Franck Frégosi and Malika Zeghal, “Religion et Politique au Maghreb: Les Exemples Tunisien et Marocain,” Policy Paper 11 (Paris: Institut Français des Relations Internationales, March 2005): 6–7.

[3] Sarah J. Feuer, Regulating Islam: Religion and state in contemporary Morocco and Tunisia, (UK: Cambridge University Press, 2018), pp. 107-108.

[4] من دراسة نشرها سنة 1989 إلى اليوم قيس سعيّد بقي سلفيا في فهم النصوص وتنزيلها على أرض الواقع، جريدة المغرب، 23 فيفري 2023. الرابط:https://bit.ly/3m02SRz

[5] Josiane Boulad-Ayoub, “Légitimité, légalité et vie politique”, in Souveraineté en crise, Collection Mercure du Nord (Paris: L’Harmattan, 2003), p75.

[6] جميلة تيلوت، 2022، “المنهاج المقاصدي: إشكالية بناء النسق”، مجلد 1، عدد1 (مجلة الدراسات المقاصدية المعاصرة، 2022) ص80.

[7] صدر في أوت 2013 تعيين قيس سعيّد في المجلس الإسلامي الأعلى، وقد رفض المباشرة بسبب عدم استشارته بشكل مسبق (المحرّر).

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات ، تحقيقات ، تشريعات وقوانين ، مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية