اللبنانيون يراكمون الأزمات النفسيّة في ظلّ كورونا والانهيار


2021-03-05    |   

اللبنانيون يراكمون الأزمات النفسيّة في ظلّ كورونا والانهيار
الكورنيش البحري - تصوير داليا خميسي

مع تعطّل الحياة نتيجة جائحة كورونا، واستمرار الإصابات المرتفعة وحالات الوفاة، صارت فرح تبكي باستمرار، لا تأكل إلّا قليلاً، ولا تتحدّث إلّا نادراً. لم يعد أي شيء في الحياة يغريها. حتى أطفالها أهملتهم. وعندما بدأت الأفكار الانتحارية تنخر عقلها، أحضرها شقيقها إلى عيادة الطبيب عنوةً. لم تخبر فرح طبيبها عن سبب استسلامها المفاجئ بعد أن كانت مفعمة بالنشاط والحياة. اكتفت بالبكاء الشديد مكرّرة عبارة “أريد أن أموت”. أخذت وصفة الدواء وغادرت عيادة الطبيب وهي تهمس بسخرية: “يظنون أنني سأتناول الدواء”. ولم تعد مرة ثانية.

خلافاً لفرح، تمسّك رامي (اسم مستعار) بالحياة إلى حدّ الهوَس. هالته فكرة أن يصاب بمرض كوفيد 19، حتى أصيب بالوسواس القهري. وصار يقضي معظم أوقاته في تعقيم كل ما يقع عليه نظره. ولأنّ كورونا في كل مكان بحسب رامي، حبس الأخير نفسه وزوجته وأولاده في البيت منذ بداية الجائحة. وتولّى وحده مهمّة شراء احتياجات العائلة الأساسية، وتعقيمها. وكان يتركها 3 أيام على الشرفة ليتأكّد من أنّها خالية من أيّة جراثيم. “كثيراً ما كانت تهترئ الخضار والفاكهة على الشرفة لكنه لم يسمح لنا بالتدخل”، تشكو الزوجة التي اضطرت مرة لزيارة عيادة الطبيب، فغادر رامي المنزل 10 أيام حتى يزول خطر الإصابة عنها. خوفه من الإصابة بكورونا دفعه للابتعاد عن زوجته، والنوم في غرفة ثانية ليتجنّب انتقال العدوى. مع ذلك، لم يتقبّل أنه مصاب بوسواس الجراثيم. وحتى اليوم، لا يزال رامي يمارس “طقوسه” التي أنهكت العائلة.

لم يحلّ وباء كورونا ضيفاً ثقيلاً على رامي وفرح فحسب، بل على جميع اللبنانيين الذين لم يكونوا مهيئين نفسياً لاستقباله. فظهرت كورونا بهيئة “الوحش الكبير” الذي سيفتك بهم، وسط أفكار محبطة سبقت وصولها، كفكرة أنّ “لبنان لن يصمد أمام وباء هزم دول عظمى”. هكذا انقلبت حياة اللبنانيين رأساً على عقب فإلى جانب عدم اليقين والخوف من المجهول والقلق المفرط، عاش البعض مشاعر الذنب لأنّهم تسبّبوا بموت آخرين أو أذيّتهم بعد أن نقلوا إليهم العدوى. وما زاد الطين بلّة هو الحجر المنزلي الذي خنق الناس، وسلب حريتهم، وأفقد بعضهم مصدر رزقه. ووضع بعضهم أمام هواجسهم والبعض الآخر وخصوصاً النساء مع معنّفيهنّ طيلة اليوم.

قلق واكتئاب ووسواس بعض من آثار كورونا

ترافق انتشار فيروس كورونا مع حالة قلق عامّة ليس في لبنان فحسب بل في العالم أجمع. ولكن طبعاً في لبنان ترافق انتشار الفيروس مع عوامل أخرى تأثيرها كبير ومباشر على الصحّة النفسية، أبرزها الأزمة الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي اللذين عززا حالة عدم اليقين لدى اللبنانيين السّائدة منذ سنوات، وأضيف إليهما قبل سبعة أشهر انفجار مرفأ بيروت الذي أصاب اللبنانيين بما يشبه التروما الجماعية.  

ونتيجة لذلك، ازداد في الآونة الأخيرة الإقبال على عيادات المعالجين والأطباء النفسيين بنسبة تقارب 40% بحسب الاختصاصية النفسية زينب الدكاك التي تشير إلى أنّ معظم هذه الحالات تعاني الاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري، ووسواس الجراثيم خصوصاً. “ومن كان في نهاية طريق العلاج من المرض النفسي عاد اليوم إلى النقطة الصفر”، تتأسّف الدكاك. المؤسف اليوم هو حجم المعاناة التي تدفع المريض النفسي إلى تفضيل تناول جرعات الأدوية على جلسات العلاج، لأنّ الأدوية تعطي مفعولاً أسرع من الجلسات العلاجية.

“عندما فُرضت “قعدة البيت” على الجميع، في أوائل آذار من العام الماضي، خسرنا نظام حياتنا بالكامل. وهي خسارة كبيرة”، بالنسبة للمدير الطبي في مستشفى الشفاء التخصّصي الطبيب النفسي حسن برجي.  

يشرح برجي لـ”المفكرة” الأسباب العلمية التي أدّت إلى تفشي الأمراض والاضطرابات النفسية اليوم. ويشدّد على أنّ “العزلة الاجتماعية والوحدة جرّاء الحجر المنزلي كانا السببين الرئيسيين وراء إصابة كثيرين باضطرابات وأمراض نفسية”. هناك العديد من الأسباب الأخرى يذكر برجي منها “الصدمات التي تعرّض لها كثيرون في الآونة الأخيرة سواء بسبب خسارتهم لشخص عزيز عليهم أو اقترابهم من الموت عند الإصابة بالوباء. كما أنّ الملل والفراغ اللذين يفرضهما الحجر المنزلي يزيدان من تذكّر هذه الأحداث الأليمة. وهذا ما يسبب ردة فعل سلبية كالشعور بالأسى والاكتئاب”. أما في ما يخصّ مرضى كورونا، فكان “الحمل عليهم ثقيلاً”، بحسب برجي. “فهم عانوا، إضافة إلى آلامهم الجسدية، أوجاعاً نفسية سببها وصمة العار التي طبعت مرضى كورونا في المراحل الأولى لانتشار الوباء” تضاف إلى الآثار النفسية للإصابة التي تبقى حتى ما بعد التعافي من المرض.   

والارتباط بين الاضطراب النفسي وكورونا معكوس أيضاً حيث تبيّن أنّ الاضطرابات النفسية تؤدّي إلى مضاعفات أكبر لدى من يصابون بكورونا تصل إلى حد الموت. وقد أظهرت العديد من الدراسات ذلك أبرزها دراسة أجراها باحثون في جامعة ييل الأميركية بيّنت أنّ الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية، تتراوح بين القلق والاكتئاب إلى الخرف وإيذاء النفس والرغبة في الانتحار، هم أكثر عرضة للوفاة بفيروس كورونا بنسبة 42%. كما بيّنت الدراسات أنّ مرضى الفصام الذين يصابون بالفيروس ترتفع بينهم الوفيات. 

الاضطرابات النفسية تطال جميع فئات المجتمع

“كلّ فئات المجتمع اللبناني تأذّت صحتها النفسية بدرجات متفاوتة مع انتشار وباء كورونا”، تقول الدكاك. فكبار السن، من جهة، يفتقدون الأجواء الأسرية و”الجمعات” مع الأصحاب في “القهاوي”، وهم متروكون في بيوتهم تخنقهم الوحدة ويتعبهم الفراغ. ومن جهة ثانية، يخيّم عليهم شبح الموت كلّما سمعوا المقولة الشهيرة: “كورونا يحصد الكبار”. وفي المقابل خسر الكثير من الناس أحبّاء لهم ومصادر رزقهم بسبب الإغلاق وأصبحوا يشعرون بالعجز أو بالتقصير تجاه من يعتمدون عليهم في معيشتهم وهو ما سبّب لهم ضغطاً نفسياً كبيراً.

كما أنّ الإغلاق وتّر العلاقات الأسرية نتيجة بقاء أفراد الأسرة في المنزل لفترات طويلة، على ما تقول الدكاك. وهذا ما يرتدّ بشكل خاص على النساء اليوم، لا سيّما من هنّ محجورات مع معنفّهنّ سواء كان أباً أم أخاً أم زوجاً. أضف إلى ذلك المهام الجديدة التي أضيفت إلى كاهل الأمهات غير العاملات اليوم وهي معاونة الأولاد في الدراسة عن بعد وما يرافق ذلك من صعوبات تعليمية وتقنية. هنا تقوم الأم بتوظيف كل مهاراتها وبذل أقصى جهودها لتدريس أولادها ما يسبّب لها ضغوطات نفسية، ويثير جوّاً من التوتر في البيت ينعكس سلباً أيضاً على الأطفال.

“الأطفال أيضاً نالوا حصّتهم من المعاناة النفسية بعد أن خسروا معظم مصادر التسلية واللعب مع الرفاق، فصاروا عدائيين وغير قادرين على التفاعل الاجتماعي”، تقول الدكاك. يضاف ذلك إلى مشكلة بدأت ملامحها بالظهور مع فئة الأطفال الذين ولدوا خلال الحجر أو قبله ولم يختلطوا سوى مع أسرتهم، فهؤلاء قد يعانون من اضطرابات اجتماعية مع دخولهم إلى المدرسة أو الخروج من البيت والالتقاء بالناس وبأولاد آخرين.

أما في ما يخصّ المراهقين، فتجد الدكاك أنّهم في فترة “الأزمة” أساساً، “فكيف الحال اليوم، والمراهقون والمراهقات يقضون معظم أوقاتهم في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مع توقّفهم عن ممارسة الرياضة التي “تخلّصنا من الطاقة السلبية؟”  

غياب شبه تام للدولة ومبادرات خاصّة خجولة

“جميعنا بحاجة إلى دعم نفسي اليوم”، يعترف مدير البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة ربيع شمّاعي. لكن، عندما تبحث عن إنجازات البرنامج منذ بداية الجائحة حتى اليوم تجدها متواضعة ولا تأخذ الجانب النفسي المتأثر بشكل جدّي. ورداً على سؤال عمّا فعلته الدولة في هذا الخصوص، يشير شمّاعي في حديث لـ”المفكرة” إلى لقاء حصل ذات مرة مع الإعلاميين لتوجيههم حول كيفية إدارة الأزمة من دون التأثير على صحّة اللبنانيين النفسية. لكن عدا ذلك، يعد شمّاعي بوضع خطط في هذا الصدد في المستقبل. ومع أن البرنامج وضع “الخطة الوطنية للاستجابة على صعيد الصحة النفسية لفيروس كورونا المستجد”، تبقى العبرة في التنفيذ. “بدأنا تخصيص فرق دعم نفسي للطواقم الطبية والتمريضية لأنهم الأكثر حاجة لذلك”، يقول شمّاعي بعد أكثر من سنة على بدء الجائحة.  

وسط إهمال “الدولة” للجانب النفسي، تداركت جهات خاصّة ومنظمات غير حكومية الآثار السيئة للجائحة على الصحّة النفسية وبدأت تعمل على وضع برامج مجانية لتقديم مشورة أو حتى علاج نفسي لمن هم بحاجة إليه.

وكانت مستشفى الشفاء السبّاقة في إطلاق مبادرة حملة “خلينا نحكي” في أوائل أيام الحجر. فوضعت في متناول الجميع ثلاثة خطوط ساخنة ليشكوا الضغوطات النفسية التي يعانون منها.  هناك 50 اختصاصياً نفسياً و10 أطباء نفسيين تطوّعوا للاستماع إليهم وخدمتهم. “تلقّينا ما يقارب 530 اتصالاً منذ الانطلاقة حتى اليوم. حوالي 120 منهم احتاجوا لأطباء نفسيين تابعوهم هاتفياً ووصفوا لهم أدوية. وهناك 5 مرضى نفسيين اضطروا للدخول إلى المستشفى”، بحسب برجي. على صفحات المستشفى الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، تنشر الحملة منشورات و”فيديوهات” توعوية. كما سبق ونشرت ألعاباً للعائلات للتخفيف من الملل. اليوم، وبعد أن صار بإمكان المريض النفسي زيارة عيادة الطبيب، يستمر عمل الحملة للحالات الطارئة فقط.

كذلك برزت في هذه الآونة منظمة Embrace Lebanon (وهي منظمة غير ربحية تعنى بنشر التوعية حول الصحة النفسية وتقدم استشارات نفسية مجانية) التي رصدت ارتفاعاً في عدد الاتصالات التي وردتها على “خط الحياة” (1546) من 2241 اتصالاً عام 2019 إلى 6121 اتصالاً عام 2020. هذه الاتصالات جاءت من أشخاص يعانون ضغوطات واضطرابات نفسية تصل في بعض الأحيان إلى حد التفكير في الانتحار. يستمع الأخصائيّون في المنظمة إليهم، وإذا اقتضت الحاجة، يحوّلونهم إلى مركز الصحة النفسية الذي أنشأته بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث يتلقّى المريض علاجاً نفسياً مجانياً. “وهي خطوة مهمّة في ظلّ كلفة العلاج النفسي المرتفعة التي تتراوح بين 100 و150 دولاراً للجلسة الواحدة. والمفارقة أنّ الضمان الاجتماعي لا يغطّي جلسات العلاج النفسي وكأنها ترف”، تقول مديرة التواصل في المنظمة هبة دندشلي. فرغم ارتفاع الطلب على العلاج النفسي في الآونة الأخيرة لا تزال كلفته مرتفعة جداً وتشكّل عبئاً مادياً ثقيلاً على كثير من المرضى النفسيين بخاصّة في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يرزح تحتها الشعب اللبناني. لذلك يصبح العلاج النفسي “ترفاً” لمن لديهم القدرة المادّية على ذلك.

ورداً على سؤال في هذا السياق، يقول شمّاعي لـ”المفكرة” إنّه وضع على أجندة البرنامج الوطني للصحّة النفسية اليوم مهمّة إيجاد آلية مناسبة لإدراج جلسات العلاج النفسي على لوائح العلاجات التي يغطّيها الضمان الاجتماعي.   

الفاتورة الباهظة: “المجتمع المريض نفسياً مجتمع غير منتج”    

“الاضطرابات النفسية التي تتفشى اليوم في المجتمع اللبناني ليست وليدة كورونا فحسب، لكنها جاءت من رحم أزمات متراكمة يعيشها اللبناني ولعلّ أزمة كورونا كانت أعظمها”، بحسب أستاذ الاجتماع في الجامعة اللبنانية أحمد شامي. فلبنان يمرّ بأزمة اقتصادية خانقة، والكثير من المؤسّسات الاقتصادية رفعت الرايات البيضاء وتركت موظفيها يواجهون مصيرهم، وانهارت العملة الوطنية حتى فقدت قيمتها الشرائية، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية  بشكل جنوني. هذه صورة مصغّرة من المشهد الدراماتيكي اللبناني. ثم جاءت كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب فأصيب اللبنانيون بصدمة لم يستفيقوا منها حتى الآن، وفقدوا الشعور بالأمان.

“سيخرج اللبناني من هذه الأزمات منهكاً نفسياً إلى حد يصعب السيطرة عليه”، يجزم شامي. وستكون الفاتورة النفسية باهظة الثمن على شتى الأصعدة. “فالمجتمع المريض نفسياً هو مجتمع غير منتج، يعاني ضعف الإدراك، وتشوّه المعرفة، وغياب فرص التطوّر والابتكار. ولأنّ المصابين بأمراض نفسية غالباً ما تكون خياراتهم خاطئة، تنتج عنهم سلوكيات خاطئة تضرّ المجتمع برمّته”. بدأنا نلمس آثار هذه الضغوطات النفسية من خلال حالات الضياع، عدم التركيز، والإحباط التي تلازم كثيرين بالإضافة إلى تراجع التحصيل العلمي الذي يلحظه شامي في طلابه الجامعيين.

سوء إدارة أزمة كورونا: الإعلام عزّز الرّعب

يبدو أنّ اللقاء الذي أشار إليه شمّاعي مع وسائل الإعلام لم يجد نفعاً، فقد أغفل الإعلام اللبناني الجانب النفسي الذي يتأثر بالخطاب السلبي والأخبار السيئة. وظلّت المطرقة الإعلامية تنذر اللبناني بالأسوأ الذي ينتظره. فخلال أزمة كورونا، كانت معظم المؤسّسات الإعلامية، خاصة المحطات التلفزيونية، ولا تزال تنتهج سياسية التخويف وبث الهلع من خلال أسلوب إيصال المعلومة السيئة، وتفادي نشر المعلومة الجيدة، أو التوعية والنصائح. وكانت النيّة وراء طريقة “التوعية الخاطئة”، كما يسميها المدرّب على فن الاتصال والتواصل والمهارات الشخصية راني بيطار، ردع الناس في بعض الأحيان، وفي كثير من الأحيان خدمة المصالح السياسية. “ليس المطلوب تجاهل كورونا أو التوقف عن توعية الناس حول خطورة هذا الوباء، بل إدارة أزمة كورونا بمسؤولية أكبر، وعدم تجاهل الصحة النفسية التي لا تقلّ أهمية عن الصحة الجسدية”، على ما يقول بيطار.

وصوّب الإعلام أيضاً من دون أي مراعاة على كبار السن وذكّرهم في كلّ مرة أنهم عاجزون عن الصمود في وجه الوباء، متفنّناً في تخويفهم من الموت، كحال ليليان، السبعينية، التي “تفضّل أن تشاهد المسلسلات بدلاً من نشرة أخبار “إل بي سي” التي تخوّفها وتتلف أعصابها”، على ما تقول. وكبار السن، في الحالة الطبيعية، يعيشون الخوف لأن العدّ العكسي لحياتهم قد بدأ، برأيهم. “فكيف سيتحمّلون الآن هذا الضغط النفسي الخانق”؟ يتساءل بيطار.

استشارات نفسية مضللة على “غوغل”

كلفة العلاج النفسي المرتفعة، إضافة إلى “الوصمة” التي يطبعها المجتمع اللبناني على المريض النفسي، يدفعان كثير من المرضى النفسيين إلى التألّم بصمت من دون اللجوء إلى طبيب. هنا يستشير البعض منهم محرّكات البحث لفهم “الحالة الغريبة” التي يمرّون بها. من هؤلاء إحدى الفتيات اللواتي يترددن إلى عيادة الدكّاك والتي عانت الوسواس القهري وكانت كلّما سألت “غوغل” عن حالتها تعرّفت على مرض نفسي جديد وصدّقت أنّها تعانيه.

تروي الدكاك أنّها “في أول زيارة لها إلى عيادتي، أخبرتني أنها تعاني اضطراب الآنيّة” وهو مرض لم تسمع به الدكاك من قبل، لتكتشف أنّ الفتاة تعرّفت إليه عن طريق “غوغل”. وتؤكّد الدكاك أنّ الأخيرة في كل مرة كانت تحصل على معلومات خاطئة بشأن حالتها النفسية كانت تزداد هواجسها وتتدهور حالتها النفسية. وهذا طبيعي جداً، فالمريضة، كغيرها من المراهقين والمراهقات، تفتقر إلى النضج والثقافة اللازمين لتمييز الصواب من الخطأ. و”غوغل” تغصّ بالمعلومات الخاطئة والمضللة.

هذه المعضلة كانت واحدة من الأسباب التي دفعت علي بيضون لتأسيس مشروع Helpdose، وهي شبكة عالمية متخصصة تمكنت من مساعدة المرضى النفسيين في الحصول على معلومات دقيقة من قبل خبراء متخصّصين في مجال الصحة النفسية. وهذا ما افتقده بيضون عندما عانى اضطراباً نفسياً عام 2012. “لم أجد في وقتها المصدر المناسب على الشبكة العنكبوتية لأسأله عن حالتي”. يشير بيضون إلى الحاجة التي كانت أمّ  الابتكار.

تقدّم Helpdose اليوم خدمات في أكثر من مجال، كمجال الصحة البدنية، والرياضة، والتنمية البشرية، والصحة النفسية. ويبقى هدفها الأساسي، بحسب مؤسّس المشروع، “تأمين صلة الوصل بين الخبراء من جهة والمرضى أو العملاء من جهة ثانية عن طريق منصّة متطوّرة وموثوقة”.

نصائح عمليّة خلال الجائحة  

لحماية الصحة النفسية، خاصة خلال فترة الحجر الضاغطة، تحذّر الاختصاصية النفسية زينب الدكاك من “الوقوع في الفراغ”، لأنّه يؤدّي إلى التفكير الدائم بمشاكل الحياة. وتنصح الدكاك بتمضية الوقت في ممارسة النشاطات المتنوعة المفضّلة، والتمارين الرياضية بانتظام. كما تشدّد على أهمية الابتعاد عن الأخبار التي تثير القلق أو التوتر، والحفاظ على نظام غذائي صحي، وساعات نوم متوازنة.

يضيف برجي على نصائح الدكاك “نصيحة في غاية الأهمية”، وهي “عدم الانقطاع عن الحياة خلال الحجر المنزلي”، والاستمرار قدر الإمكان بنمط الحياة القديم. “فالذهاب في رحلة إلى الطبيعة يريّح النفسية ولا يعرّضنا لخطر الإصابة بالوباء”، على ما يقول برجي. الأخير يحثّ على تجنّب العزلة الاجتماعية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء عن بعد. ويقترح على المحجورين مساعدة الأشخاص الذين يعانون ضغوطات نفسية. فذلك، برأيه، “يزيد من الشعور بالرضا النفسي وبالإنتاجية”. أما بدون ذلك، فإذا استمرينا في تجاهل أهمية الصحة النفسية، سننتصر على الوباء ونحن نعاني اضطرابات نفسية، قد تلازمنا طيلة حياتنا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *